رووداو ديجيتال
بين تشخيص أزمات الحاضر واستشراف تحولات المستقبل، انشغلت مداخلات اليوم الثاني من ندوة "العالم العربي في أفق 2030: التحديات، التحولات والآفاق"، المنظمة ضمن فعاليات موسم أصيلة الثقافي الدولي في دورته الخريفية الـ47، بصعوبة رسم ملامح المرحلة المقبلة في ظل الحروب والتفكك الإقليمي وتراجع القدرة العربية على التأثير في مسارات القرار الدولي.
وتقاطعت مداخلات المشاركين عند إشكالية مركزية: كيف يمكن للعالم العربي أن يصوغ مستقبله، بينما لا يزال أسير أزمات سياسية وأمنية واقتصادية وثقافية متراكمة؟
وبينما دعا متدخلون إلى استعادة دور التفكير والتخطيط وبناء مشروع عربي جديد، شدد آخرون على أن أي حديث عن المستقبل يظل محدود الجدوى ما لم تُعالج اختلالات الحاضر، وتُستعد القدرة على حماية الدولة الوطنية والدفاع عن القضايا العربية الحيوية.
وسعت الندوة، التي شارك فيها فاعلون سياسيون ووزراء ومسؤولون سابقون وحاليون وخبراء، إلى استشراف السيناريوهات الممكنة أمام المنطقة في أفق 2030، وتحليل التحولات في خرائط النفوذ والتحالفات، وتقييم الخيارات الاستراتيجية المتاحة أمام صناع القرار والنخب الفكرية والاقتصادية.
هشام الشريف: المستقبل يُصنع ولا يُتنبأ به
قال هشام الشريف، وزير التنمية المحلية المصري السابق، إن المستقبل ليس مجرد موضوع للتنبؤ، بل هو حصيلة ما يصنعه الإنسان ويبدعه، وهو ما يقتضي إعمال الفكر والعقل والاعتماد على مراكز العلم والتنوير.

واستعرض الشريف ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل العالم العربي: استمرار الوضع القائم، أو تدهوره، أو الانتقال إلى وضع أفضل. ونبه إلى أن الفجوة بين دول العالم ومجتمعاته مرشحة للاتساع بدرجة مذهلة، في ظل تفاوت القدرة على العمل والاستفادة من الآلة والتكنولوجيا، مقابل غياب الاستعداد للمستقبل لدى أطراف أخرى.
ودعا، في هذا السياق، إلى تحسين استثمار الطاقات الشابة والاستفادة من المفكرين والمثقفين، بما يتيح للعالم العربي تعزيز قدرته على مواكبة التحولات المقبلة.
حسن عبد الرحمن: لا مستقبل من دون حل للقضية الفلسطينية
من جانبه، قال حسن عبد الرحمن، مندوب منظمة التحرير الفلسطينية السابق في واشنطن والسفير الفلسطيني السابق بالمغرب، إن الحديث عن المستقبل يضعه، بصفته فلسطينياً، أمام مسؤولية نقل معاناة شعبه في المرحلة الراهنة.
وتساءل عما إذا كانت القضية الفلسطينية لا تزال بالفعل القضية الأولى للعرب، وما إذا كان العالم العربي يتعامل معها على هذا الأساس، خصوصاً في سياق النقاش حول مستقبله في أفق 2030.

واعتبر أن الشعب الفلسطيني يشعر بأن قضيته لم تحظ بالجدية المطلوبة على مختلف المستويات، السياسية والإنسانية وغيرها، مؤكداً أن الأوضاع الراهنة تجعل استشراف المستقبل أمراً بالغ الصعوبة.
وبعد التذكير بارتباط الحروب التي عرفتها المنطقة بالقضية الفلسطينية، طرح عبد الرحمن سؤالاً بشأن إمكانية تحقيق الاستقرار والتنمية ومواكبة التقدم العالمي في غياب حل لهذه القضية. واستحضر، في هذا السياق، عبارة من خطاب صاغه محمود درويش: "الحرب تندلع من فلسطين، والسلم يبدأ من فلسطين".
حكيم بن حمودة: ثلاثة سيناريوهات وخمسة مبادئ
بدوره، تساءل حكيم بن حمودة، المدير التنفيذي للمعهد الدولي للتحولات الديمقراطية ووزير الاقتصاد والمالية التونسي السابق، عن مدى إمكان التفكير في مستقبل العالم العربي في ظل الحروب والاعتداءات التي تهدد وجود دوله، وعن إمكانية بلورة مشروع عربي يعيد الأمل للمواطن في ظل عجز النظام العربي.
وقدم بن حمودة تصوراً يقوم على ثلاثة سيناريوهات: الانشطار ومزيد من التفكك، باعتباره الاحتمال الأسوأ؛ وإعادة إنتاج الوضع القائم؛ ثم إعادة بناء المشروع العربي تحت عنوان "عودة الروح".
وربط إمكان الانتقال إلى مسار أفضل بخمسة مبادئ أساسية. يتعلق أولها بإعادة بناء الدولة وتوسيع المشاركة السياسية بديلاً عن الاستبداد والعنف، وثانيها بالتنمية والتحول الطاقي والتكنولوجي بديلاً عن الاقتصاد الريعي، وثالثها بإقامة عقد اجتماعي بديل عن الفقر والتهميش. أما الرابع والخامس، فيتمثلان في تعزيز التضامن والتعاون العربي بدلاً من الارتهان إلى البحث عن التحالفات الأجنبية، وتطوير التعاون الدولي والمساهمة في بناء عالم متعدد الأطراف بدلاً من الهيمنة الأحادية.
خير الله خير الله: أسرى الحاضر قبل التفكير في المستقبل
وعلى نبرة أكثر تشاؤماً، أكد الكاتب الصحفي والمحلل السياسي اللبناني خير الله خير الله أنه لا يتفاءل بمستقبل العالم العربي، معتبراً أن الأولوية في المرحلة الراهنة تتمثل في الخروج من أسر الحاضر قبل الانتقال إلى التفكير في المستقبل.
وتوقف عند "طوفان الأقصى" وتداعياته، متسائلاً عن أدوار إيران وإسرائيل في المنطقة. واعتبر أن ما يجري بين السعودية وإيران في اليمن، على سبيل المثال، يطرح أسئلة ملحة تتصل بالحاضر أكثر مما تتصل بالمستقبل، إلى درجة تجعل التكهن بمسار المرحلة المقبلة أمراً غير واقعي.
وخلص خير الله إلى أن المشكلات التي تواجه العالم العربي، أو "العوالم العربية"، تبدو عصية على الحل في الأفق المنظور، ما دامت مفاتيح الحلول، في كثير من الأحيان، موجودة في طهران، وليس في هذه العاصمة العربية أو تلك.

نديم قطيش: هل العالم العربي مستعد لعام 2030؟
من جهته، استهل الكاتب الصحفي والمحلل السياسي اللبناني والمدير العام السابق لقناة "سكاي نيوز عربية" نديم قطيش مداخلته بسؤالين: هل يوجد نظام عربي؟ وهل المقصود بعام 2030 هو التقويم الميلادي أم الهجري؟
وأجاب عن السؤال الأول بالإيجاب، موضحاً أن الدول العربية تجمعها هوية ثقافية ولغة وجغرافيا ومصالح مشتركة، لكنها تسير بسرعات متفاوتة. ولفت إلى أن الفوارق بين هذه الدول باتت مقلقة، إذ لا يضمن نجاح بعضها إنقاذ الدول الأخرى، كما لا يحميها تعثر تلك الدول من مخاطر العدوى والتفكك والانهيار. ومن هنا، اعتبر أن التساؤل بشأن التقويم الذي سيأتي فيه عام 2030 ليس مجرد مفارقة، بل سؤال حقيقي عن تفاوت مسارات الدول العربية.
ودعا قطيش إلى إعادة ابتكار شاملة، معتبراً أن غيابها سيجعل المنطقة أقل قدرة على مواجهة تداعيات اضطرابات الاقتصاد العالمي. وحدد ثلاثة مستويات لهذه العملية: امتلاك القدرة على التحرك في ظل ما وصفه بتكلس المؤسسات السياسية والاقتصادية والتربوية العربية، وبلورة خيارات واضحة بشأن تصور العالم، ثم تطوير القدرة على تحمل التحديات والتكيف معها وإيجاد البدائل.
وفي ما يتعلق بالخيارات الاستراتيجية، دعا إلى الانتقال من منطق المؤامرة إلى منطق الإدارة. ويشمل ذلك إدارة التفوق العسكري والأمني الإسرائيلي، والتعامل مع ما سماه "الضعف الإيراني" عبر استعادة حصرية قرار السلم والحرب والسلاح، إلى جانب التفاوض السياسي والاجتماعي مع البيئات التي استثمرت فيها إيران. كما شدد على ضرورة إدارة الندرة، بما تشمل من مياه ومواهب وحوكمة رشيدة، والفوائض التي تضم النازحين واللاجئين والمدن المدمرة والشباب العاطل، فضلاً عن تدبير التنافس بين دول المنطقة داخل النظام العالمي.
محمد تاج الدين الحسيني: الاستقرار شرط للتنمية
في مداخلته، قال محمد تاج الدين الحسيني، أستاذ القانون الدولي، إن التعامل مع الإشكالات التي يعيشها العالم العربي يقتضي مواجهة التحديات والقدرة على كسب رهانات المرحلة.
وركز، ضمن أبرز التحديات، على الأبعاد البيئية والسياسية والأمنية، معتبراً أن تحقيق الاستقرار يمثل شرطاً أساسياً للانتقال إلى مرحلة متقدمة من التنمية في العالم العربي.
وشدد الحسيني على أن المنطقة تعيش حروباً لا تنتهي وأزمات تتفاقم باستمرار، وهو ما يحد من القدرة على استثمار المواهب واستقطاب الاستثمارات. وأكد أن الاستقرار لم يعد ترفاً أو خياراً ثانوياً، بل أصبح ضرورة لبناء المجتمعات وتحقيق التنمية.
وتوقف عند النمو الديمغرافي والبطالة في صفوف الشباب، مشيراً إلى أن معدل البطالة لدى الفئة العمرية بين 15 و29 سنة يناهز 26 في المائة. واعتبر أن هذه النسبة تكشف مفارقة جوهرية، إذ يمكن للشباب أن يشكلوا قنبلة موقوتة إذا استمرت أوضاعهم على حالها، كما يمكن أن يتحولوا إلى ثروة حقيقية إذا أُحسن استثمار قدراتهم.
وفي الشق البيئي، أشار إلى أن 18 بلداً عربياً يعاني من شح المياه، محذراً من أن المياه ستكون في صلب حروب المستقبل. كما لفت إلى أن عصر الاعتماد على النفط والغاز يتجه نحو التحول، في وقت تفرض فيه الطاقات البديلة نفسها عالمياً، بينما لا يزال العالم العربي بعيداً عن بلورة تصورات عملية لاستغلال الطاقة الشمسية والريحية والهيدروجين الأخضر.
وخلص الحسيني إلى أنه ليس من المقبول، منطقياً وعملياً، أن يظل العالم العربي موضوعاً للعلاقات الدولية من دون مشاركة في آليات اتخاذ القرار أو قدرة على فرض نفسه دفاعاً عن قضاياه الحيوية.
مصطفى الخلفي: تحصين الدولة الوطنية
من جهته، قال مصطفى الخلفي، الباحث ووزير الاتصال والناطق الرسمي باسم الحكومة المغربية السابق، إن الأمة العربية تعيش أزمة تستهدف وجودها، ليس فقط باعتبارها أمة أو نظاماً عربياً، بل أيضاً من خلال مشاريع تستهدف تفكيك الدولة الوطنية.
ورأى الخلفي أن العالم العربي يواجه خمسة تحديات كبرى تستدعي تجديد التفكير والتحرر من أنماط التحليل التي سادت قبل السابع من أكتوبر 2023. ويتعلق التحدي الأول بمشاريع التجزئة والتفكيك والتقسيم، والثاني بالمشروع الصهيوني، فيما يرتبط الثالث بالسياسة والديمقراطية، والرابع بالاقتصاد، والخامس بالأمن والاستقرار.
وشدد على أن هذه التحديات تضع النخبة أمام مسؤوليتها في إطلاق دينامية فكرية قادرة على تعزيز مناعة الدولة الوطنية، ومواجهة محاولات تفكيك الدول وضرب استقرار القرار الوطني.
عبد الله بوصوف: مشروع ثقافي يعيد وصل العالم العربي
أما عبد الله بوصوف، الأمين العام لمجلس الجالية المغربية بالخارج، فاعتبر أن الثقافة تعاني غياباً واضحاً في العالم العربي، مستدلاً بتراجع حضور الكتاب والترجمة والسينما والمسرح. وشدد على أن تصور تنمية عربية حقيقية يظل ناقصاً ما لم يستند إلى مشروع ثقافي عربي متكامل يجمع مختلف البلدان العربية.
وأشار بوصوف إلى أن العالم العربي لم ينجح في بناء مشروع ثقافي يستجيب لأسئلة القرن الحادي والعشرين وتحدياته، داعياً إلى إعادة التفكير في أسس الوحدة العربية من خلال استحضار التاريخ المشترك بمختلف امتداداته الجغرافية والحضارية.
وأوضح أن بعض الكتابات التاريخية عن الإسلام في العالم العربي تنتقل من المدينة إلى دمشق وبغداد والقاهرة، ثم إلى إسطنبول، من دون منح حواضر مثل القيروان ومراكش وفاس وقرطبة المكانة التي تستحقها. واعتبر أن هذا التناول يجعل حواضر الغرب الإسلامي تبدو وكأنها خارج التاريخ العربي أو على هامشه، داعياً إلى مراجعة طريقة كتابة التاريخ بما يشمل المشرق والمغرب معاً.
وانتقد، في السياق ذاته، ضعف الاستفادة من الكفاءات والطاقات العربية المهاجرة، مؤكداً ضرورة التفكير في إنتاج مشروع مجتمعي قادر على الاستجابة للتحولات والتحديات التي تواجه المجتمعات العربية.
إياد أبو شقرا: لا دوافع للتفاؤل.. لكن المواجهة ضرورة
من جانبه، قال الكاتب الصحفي والمحلل السياسي اللبناني إياد أبو شقرا إنه لا توجد دوافع كافية للتفاؤل في العالم العربي، غير أن ذلك لا يعفي من مسؤولية المواجهة. وشدد على أن الانهيار والانبطاح لا يكفيان، وأن الاستسلام ليس خياراً مقبولاً.
وأشار أبو شقرا إلى أن الأزمة العربية ترتبط باختلالات بنيوية، وبأنماط التفكير والمؤسسات السياسية، فضلاً عن ضعف القدرة على مصارحة الذات بأوجه القصور في التفكير والممارسة السياسية.
واعتبر أن العرب يفتقرون إلى آليات فعالة لحل الأزمات، وإلى قيادة ذات رؤية شاملة ومثل ديمقراطية حقيقية، كما يعانون صعوبة في الاتفاق على تحديد التحدي الأكبر الذي يواجههم. ورغم هذه الاختلالات، لفت إلى أن عناصر القوة العربية نفسها، وفي مقدمتها الموقع الجغرافي واتساع السوق والثروة النفطية، تتحول إلى مصادر للاستهداف.
ودعا المثقفين والمفكرين ومراكز الأبحاث إلى معالجة هذه الاختلالات بصورة أساسية، محذراً من أن الوقت ينفد فيما يتراكم الأثر السلبي للأزمات. وأكد أن مسألة الدولة تمثل تحدياً جوهرياً، في ظل وجود بلدان عربية باتت تفتقر إلى مقومات الدولة إلى حد العجز عن الدفاع عن حدودها.
وختم بالتنبيه إلى أن الدور الوطني لا يُمارس على النحو الصحيح، وأن الإفراط في جلد الذات أصبح بدوره ظاهرة خطيرة.
.jpeg&w=3840&q=75)

