أعاد قرار تعديل سعر صرف الدينار
في الأيام الأخيرة سؤالاً يتجاوز الأرقام والأسواق: من يدفع كلفة الأزمة المالية؟
فالسعر الجديد يمنح الحكومة دنانير أكثر مقابل إيراداتها بالدولار، لكنه يرفع كلفة
الاستيراد ويضعف القدرة الشرائية للمواطن.
وجاء القرار وسط ضغوط على
الإيرادات النفطية واضطراب في طرق التصدير، إلا أن ذلك لا يلغي السؤال الأهم: هل
تتحول الأزمة إلى فرصة لإصلاح بنية الاقتصاد، أم تُنقل كلفتها مرة أخرى إلى
المجتمع؟.
لا تُقاس العملية السياسية
بقدرتها على البقاء، بل بما تبنيه من مؤسسات تحمي المواطن وتدير موارد الدولة
بمسؤولية. وحين تتكرر الأزمات من دون إصلاح جذورها، يصبح السؤال ليس فقط كيف
تتجاوزها الحكومة، بل من الذي يدفع ثمن تجاوزها؟ ففي العراق، كثيراً ما تنتقل كلفة
التعثر إلى المجتمع، بينما تبقى شبكات المصالح التي تعرقل الإصلاح بعيدة عن
المساءلة.
بعد نحو خمسة وعشرين عاماً على
تغيير النظام، لايزال بناء دولة المؤسسات هدفاً مؤجلاً. فوجود الوزارات والقوانين
والهيئات لا يكفي وحده لإثبات قيام مؤسسات فاعلة؛ المعيار هو أن تعمل وفق قواعد
عامة، وأن تقدم الخدمات بعدالة، وتحاسب المسؤول عن المال العام، وألا تتحول إلى
ساحات لتقاسم النفوذ والموارد.
في المقابل، كثيراً ما يُقدَّم
استمرار العملية السياسية وكأنه نجاح بحد ذاته. لكن الاستمرار لا يعني بالضرورة
الاستقرار، والاستقرار لا يتحقق بمجرد بقاء الحكومات أو تداول المناصب. فالعملية
السياسية التي تعجز عن بناء مؤسسات مستقلة وقادرة، وتعيد إنتاج الأزمات من دون
معالجة أسبابها، قد تحافظ على شكل النظام، لكنها تضعف ثقة الناس بالدولة.
وتظهر هذه الإشكالية بوضوح في
أزمة الصرف الحالية. فتعديل سعر الدينار ليس رقماً محايداً في حياة الناس؛ إذ يمكن
أن ينعكس على أسعار السلع المستوردة، وعلى القدرة الشرائية للأسر، خصوصاً أن
جانباً كبيراً من احتياجات السوق يأتي من الخارج. وفي الوقت نفسه، قد يساعد السعر
الجديد الحكومة على توفير دنانير أكثر مقابل الدولار النفطي، في ظل تراجع
الإيرادات وضغوط الموازنة. وهنا لا يكفي أن نناقش القرار من زاوية ماليّة بحتة؛ بل
ينبغي أن نسأل كيف ستُدار آثاره، ومن سيحمي أصحاب الدخل المحدود من انتقال كلفة
الصدمة إليهم.
ولا يعني ذلك إنكار الظروف
الاستثنائية أو تجاهل حاجة الدولة إلى قرارات مالية صعبة. فقد تراجعت صادرات النفط
العراقية مع اضطراب طرق التصدير، فيما تعتمد الدولة بدرجة كبيرة على الإيرادات
النفطية. لكن وجود أزمة حقيقية لا يعفي صانع القرار من شرح خياراته، ولا يبرر أن
يكون المواطن الخيار الأسهل كلما ضاقت الموارد. السؤال الضروري هو: هل سبقت
الإجراءاتَ مراجعةٌ جادة للهدر والفساد والامتيازات والإنفاق غير المنتج؟ وهل
وُضعت ضمانات تحدّ من أثر القرار على الأسعار والمعيشة؟
إن البدائل لا تقتصر على المساس
بسعر العملة أو دخل الناس. من بينها ضبط العقود والمشتريات الحكومية، ومكافحة
التهريب والتهرب الضريبي، واستعادة الإيرادات المهدورة في المنافذ، ومراجعة
النفقات الأقل أولوية، وتحسين إدارة الاستثمارات العامة، وتنمية الإيرادات غير
النفطية بعدالة. كما ينبغي أن ترافق أي إجراءات مالية حمايةٌ للخدمات الأساسية
وشبكات الرعاية، وأن تُشرح للناس ببيانات واضحة.
لكن تطبيق هذه الخيارات لا يعتمد
على الخبرة الفنية وحدها؛ إنه يحتاج إلى إرادة سياسية تواجه المصالح التي تستفيد
من ضعف الرقابة وتداخل السلطة بالمال. فالدولة تملك قوانين ووزارات وأجهزة رقابية،
لكنها لا تستخدم أدواتها دائماً بفاعلية واستقلال. وحين تتداخل المحاصصة مع إدارة
المؤسسات، وتتحول بعض المواقع والعقود والموارد إلى امتدادات لشبكات نفوذ، يصبح
الإصلاح تهديداً لمصالح قائمة، لا مجرد خطة إدارية. وقد تناولت دراسات بحثية أثر
الفساد ذي الغطاء السياسي في إضعاف المساءلة وعرقلة إصلاح الدولة.
لذلك، لا ينبغي أن تبدأ المعالجة
من جيب المواطن. بل ينبغي أن تبدأ بكشف أوجه الإنفاق، ونشر العقود، وتعزيز الرقابة
المستقلة، ومحاسبة المتورطين، ومنع استخدام مؤسسات الدولة لخدمة المصالح الحزبية
أو الخاصة. وإذا اقتضت الضرورة إجراءات تمسّ المعيشة، فيجب أن تكون مؤقتة ومعلنة
وعادلة، وأن تسبقها مراجعة للبدائل، وأن تترافق مع إجراءات تحمي ذوي الدخل المحدود
من ارتفاع تكاليف الحياة.
إن المواطن ليس بنداً احتياطياً
في الموازنة، ولا ينبغي أن يكون الحلقة الأضعف التي تُحمَّل كلفة إخفاقات لم
يصنعها. فالدولة التي تطلب من الناس الصبر والتضحية مطالبة أولاً بأن تثبت أنها
تحاسب أصحاب النفوذ، وتراجع إنفاقها، وتحمي المال العام، وتوزع الأعباء بإنصاف.
في النهاية، لا يُقاس نجاح
العملية السياسية بطول عمرها، بل بقدرتها على التحول إلى دولة مؤسسات. وأزمة الصرف
الحالية ليست مجرد تغيير في سعر العملة؛ إنها اختبار لطريقة إدارة الدولة للأزمات،
ولمن يتحمل كلفتها. فإذا تكررت الأزمات وانتقلت أعباؤها إلى معيشة المواطنين،
بينما بقيت أسباب الخلل ومراكز النفوذ بمنأى عن الإصلاح والمساءلة، فإن بقاء
العملية السياسية لا يكون دليلاً على نجاحها، بل استمراراً للأزمة نفسها.
.jpg&w=3840&q=75)


