رووداو ديجيتال
إن أزمة ارتفاع سعر الدولار مقابل الدينار العراقي ليست مجرد أرقام
تتغير في الأسواق، أو مسألة اقتصادية تخص المختصين وحدهم، وإنما هي قضية تمس حياة
المواطن بصورة مباشرة، ولاسيما أصحاب الدخل المحدود والمتقاعدين وأصحاب المهن
البسيطة.
فكلما ارتفع سعر الدولار، ازدادت المخاوف من انعكاس ذلك على أسعار
السلع والمواد الغذائية والاحتياجات الأساسية، لأن جزءاً كبيراً من السوق العراقية
يعتمد على الاستيراد. وفي نهاية المطاف، يجد المواطن نفسه أمام ارتفاع في تكاليف
المعيشة، في الوقت الذي لا تتغير فيه دخول الكثير من الأسر بالسرعة نفسها التي
تتغير بها الأسعار.
والسؤال الذي يدور في مخيلتي، ويدور في أذهان الكثير من أبناء الشعب العراقي: كيف لبلد يمتلك كل هذه الثروات والإمكانات أن يبقى المواطن فيه قلقاً من ارتفاع الأسعار وتراجع قدرته الشرائية؟ وكيف لبلد غني بموارده الطبيعية أن يعجز عن توفير حياة اقتصادية أكثر استقراراً وكرامة لمواطنيه؟
ولكي لا نتناسى، فإن العراق لا يمتلك الثروة النفطية وحدها، بل يمتلك
ثروات وإمكانات سياحية وصناعية وزراعية كبيرة، فضلاً عن موارده البشرية وموقعه
الجغرافي وتاريخه الحضاري العريق.
فلدينا مناطق سياحية وأثرية يمكن أن تكون مورداً مهماً للاقتصاد،
وأراضٍ زراعية وإمكانات مائية وبشرية يمكن تطويرها، كما توجد طاقات صناعية يمكن
إعادة تأهيلها والنهوض بها. لكن، مع كل الأسف، ظل الاقتصاد العراقي يعتمد بدرجة
كبيرة على الإيرادات النفطية، الأمر الذي يجعل الاقتصاد عرضة لتقلبات أسعار النفط
والأسواق العالمية. وعندما يعتمد اقتصاد بلد يمتلك كل هذه الإمكانات على مصدر
رئيسي واحد للدخل، فإن أي اضطراب في هذا المصدر يمكن أن ينعكس على مختلف مفاصل
الحياة الاقتصادية.
إن تنويع مصادر الإيرادات لم يعد خياراً ثانوياً، وإنما أصبح ضرورة حقيقية.
فالاقتصاد القوي هو الذي يمتلك أكثر من مصدر للدخل، ويستطيع مواجهة الأزمات دون أن
يتحمل المواطن وحده نتائجها.
ومن هنا تأتي أهمية إعادة النظر في القطاعات الزراعية والصناعية
والسياحية. فدعم الزراعة يمكن أن يسهم في تقليل الاعتماد على استيراد المواد
الغذائية، وتشجيع الصناعة المحلية يمكن أن يوفر فرص عمل ويحد من خروج العملة
الصعبة إلى الخارج، أما تطوير السياحة فيمكن أن يفتح مصدراً جديداً للإيرادات
ويوفر فرصاً واسعة للشباب.
كما أن دعم القطاع الخاص والمشاريع الصغيرة والمتوسطة يمكن أن يكون
جزءاً مهماً من الحل، لأن الدولة وحدها لا تستطيع أن تكون المشغل الأكبر لجميع
المواطنين. والمطلوب هو خلق بيئة اقتصادية تشجع الاستثمار والإنتاج والمنافسة،
وتوفر فرصاً حقيقية أمام الشباب وأصحاب الكفاءات.
وفي الوقت نفسه، لابد من الاهتمام بمكافحة الفساد والتهريب والمضاربات
غير المشروعة، وتعزيز الرقابة على الأسواق، لأن استقرار سعر الصرف لا يتحقق من
خلال القرارات المؤقتة وحدها، وإنما يحتاج إلى منظومة اقتصادية متكاملة تعالج
أسباب الخلل وتحافظ على استقرار السوق وتحمي القدرة الشرائية للمواطن.
إن المواطن العراقي لا يطلب المستحيل، وإنما يريد أن يشعر بأن ثروات
بلده تنعكس على حياته اليومية، وأن يحصل على خدمات أفضل، وفرص عمل حقيقية، وأسعار
أكثر استقراراً، ومستقبل أكثر أمناً لأبنائه. ومن غير المنطقي أن يبقى بلد غني
بالثروات والإمكانات يبحث عن حلول مؤقتة لكل أزمة اقتصادية، بينما توجد قطاعات كاملة
يمكن أن تتحول إلى روافد حقيقية للاقتصاد الوطني إذا ما وجدت التخطيط السليم
والاستثمار والدعم المناسب.
إن العراق بحاجة إلى رؤية اقتصادية بعيدة المدى، لا تتغير بتغير الظروف
أو الحكومات؛ رؤية تقوم على تنويع مصادر الدخل، وتشجيع الإنتاج المحلي، ودعم
القطاعات الزراعية والصناعية والسياحية، وتعزيز مكانة العملة الوطنية، وحماية
المواطن، والاستثمار في الإنسان قبل كل شيء.
فالثروة الحقيقية لأي بلد ليست في النفط وحده، ولا في حجم ما يمتلكه من
موارد طبيعية، وإنما في قدرته على إدارة تلك الموارد واستثمارها بصورة صحيحة، وتحويلها
إلى تنمية وفرص عمل وحياة كريمة ومستقبل أفضل لجميع أبنائه.
يبقى السؤال الأهم: متى تتحول ثروات العراق المتعددة من أرقام وإمكانات
على الورق إلى مشاريع حقيقية يشعر المواطن بنتائجها في حياته اليومية؟ فالمواطن
العراقي يستحق أن يعيش بكرامة واستقرار، وأن يشعر بأن ثروات بلده وإمكاناته تنعكس
على واقعه المعيشي، لا أن يتحمل وحده نتائج الأزمات الاقتصادية وتقلبات الأسواق.
إن معالجة الأزمات الاقتصادية لا تكون بزيادة الأعباء على المواطن،
وإنما من خلال حلول اقتصادية مدروسة، وتنويع مصادر الدخل، ودعم الإنتاج المحلي،
ومكافحة الفساد والتهريب، وحماية أصحاب الدخل المحدود، وبناء اقتصاد قادر على
مواجهة الأزمات.
اتقوا الله في الشعب، فليس هكذا تُعالج الأزمات الاقتصادية، ولا هكذا
تُصان كرامة المواطن.



