لماذا تعجز القوة الأميركية والإسرائيلية
عن صناعة الاستسلام؟ لماذا لا تستسلم دولة أضعف عسكرياً أمام قوة نووية قادرة على
تدميرها؟.
عندما يكون ميزان القوة مختلاً
إلى هذا الحد وعندما تقوم أقوى دولتين نوويتين في العالم يفترض أن تنتهي المواجهة
سريعاً لمصلحة الطرف الأقوى. لكن الحروب لا تُحسم دائماً بهذه المعادلة. فامتلاك
القدرة على التدمير لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على صناعة الأستسلام، والقوة
التي تستطيع ضرب الأهداف قد تعجز عن تغيير حسابات القيادة التي تتعرض للضرب.
هذه هي المفارقة التي تطرحها
الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران. فالتفوق الجوي والتكنولوجي الهائل لا
يجيب وحده عن السؤال الأهم: ما الذي يجعل القيادة الإيرانية ترى الاستسلام خياراً
أفضل من استمرار الحرب؟ وهنا ينتقل التحليل من حساب عدد الطائرات والصواريخ إلى
مساحة أكثر تعقيداً: إدراك التهديد، وبقاء النظام، وصدقية الضمانات، وتكاليف
التراجع أمام الشعب الايراني .
في نظرية المساومة في الحرب، لا
تقاس كلفة الصراع بما يخسره الطرف في ساحة المعركة فقط، بل بما يعتقد أنه سيخسره
إذا قبل شروط خصمه. فقد تكون إيران مستعدة لتحمل خسائر عسكرية هائلة إذا كانت ترى
أن الاستسلام سيؤدي إلى نتائج أكثر خطورة على أمنها أو سيادتها أو بقاء نظامها
السياسي.
وهذا يفسر لماذا لا تكون مقاومة
الدولة الأضعف بالضرورة نتيجة سوء تقدير لميزان القوى. قد تدرك القيادة الإيرانية
تماماً أنها غير قادرة على هزيمة خصمها عسكرياً، لكنها تظل ترفض الاستسلام لأن
البديل، في حساباتها، ليس "السلام"، وإنما فقدان أدوات الردع، والانكشاف
أمام ضغوط مستقبلية، وربما تهديد بقاء النظام نفسه.
من هذه الزاوية، تصبح الحالة
الإيرانية أكثر قابلية للفهم. فإذا كانت المطالب المفروضة تتجاوز تعديل سلوك محدد
إلى نزع القدرات الصاروخية وتقييد أدوات الردع والنفوذ الإقليمي، فإن القيادة
الإيرانية قد لا تراها كتسوية مؤلمة، بل كإعادة تشكيل جوهرية لموازين القوة التي
تضمن بقاءها. وفي مثل هذه الحالة، يصبح تحمل الدمار الحالي أقل خطراً، في نظرها،
من قبول تسوية يُعتقد أنها تجعل إيران أكثر هشاشة أمام خصومها في المستقبل.
وتزداد صعوبة التسوية عندما تنتقل
الضربات من استهداف القدرات العسكرية إلى استهداف القيادة ومراكز صنع القرار.
فبدلاً من أن تنتج الضغوط رغبة أكبر في التنازل، قد تنتج قناعة لدى النخب بأن
المعركة أصبحت معركة بقاء. وعندما يتحول الصراع في إدراك القيادة من "نزاع
يمكن التفاوض حوله" إلى "تهديد وجودي"، فإن زيادة الضغط العسكري قد
تفقد جزءاً كبيراً من قدرتها الإكراهية.
لهذا السبب، قد تكون حرب
الاستنزاف بالنسبة إلى الطرف الأضعف استراتيجية أكثر واقعية من محاولة تحقيق نصر
عسكري مباشر. لا تحتاج إيران إلى هزيمة الولايات المتحدة في المعركة كي تمنعها من
تحقيق أهدافها؛ يكفي أن تجعل تحقيق تلك الأهداف مكلفاً وطويلاً وغير قابل
للاستدامة سياسياً.
وهنا تظهر إحدى أهم المفارقات في
الحروب غير المتكافئة: قد ينتصر الأقوى عسكرياً، لكنه يخسر سياسياً إذا لم يستطع
تحويل الانتصارات الميدانية إلى تنازلات استراتيجية.
فالضرر العسكري شيء، والاستسلام
السياسي شيء آخر. تستطيع الضربات الجوية تدمير منشأة أو منظومة صاروخية، لكنها لا
تستطيع وحدها أن تحدد اللحظة التي تقرر فيها القيادة أن استمرار المقاومة أصبح
أكثر كلفة من التنازل. وهذا القرار تحكمه اعتبارات سياسية ونفسية واستراتيجية لا
تظهر في جداول القوة العسكرية.
ولا يواجه الطرف الإيراني وحده مشكلة
الحسابات السياسية. فالولايات المتحدة نفسها تصبح مقيدة بما يمكن تسميته "تكاليف
الجبهة الداخلية". فعندما تعلن القيادة أهدافاً قصوى وخطوطاً حمراء أمام
الرأي العام، يصبح التراجع أكثر كلفة. وقد يتحول وقف الحرب من قرار عقلاني إلى
تهمة بالفشل، خصوصاً إذا لم يتحقق الهدف الذي أُعلنت الحرب من أجله.
وفي المقابل، فإن استمرار الحرب
يخلق تكاليفه الخاصة: اقتصادية وعسكرية وسياسية. وهكذا يجد الطرف الأقوى نفسه أمام
معضلة مشابهة، وإن كانت من نوع مختلف: التراجع مكلف، والاستمرار مكلف أيضاً.
من هنا يمكن أن تنشأ أخطر مراحل
الأزمة: عندما يبدأ كل طرف في الاعتقاد بأن الطرف الآخر على وشك الانهيار. تراهن
واشنطن على أن المزيد من الضربات والضغط الاقتصادي سيكسر قدرة طهران على التحمل،
بينما تراهن طهران على أن إطالة الحرب سترفع تكلفتها السياسية والاقتصادية إلى
مستوى يجبر واشنطن على التراجع.
المشكلة أن هذا النوع من الحسابات
قد يتحول إلى فخ. فكل طرف يفسر صمود الآخر باعتباره مؤقتاً، ويعتقد أن الجولة
المقبلة ستكون كافية لحسم المعركة. وبذلك يستمر التصعيد لا لأن أحد الطرفين لا
يريد التسوية، وإنما لأن كلاً منهما ينتظر أن ينهار الآخر أولاً.
القوة ليست إرادة فقد كشفت الحرب على إيران حقيقة تتجاوز الحالة الإيرانية
نفسها: التفوق العسكري لا يتحول تلقائياً إلى تفوق سياسي. فالقدرة على تدمير
الدولة ليست هي القدرة على إجبارها على قبول الشروط، والقدرة على إلحاق الخسائر ليست
هي القدرة على إنتاج الاستسلام.
قد تستطيع القوة العسكرية تغيير
ميزان القدرات، لكنها لا تستطيع وحدها تغيير تعريف الخصم لمصلحته الوطنية أو خوفه
على بقائه. وإذا اعتقدت القيادة المستهدفة أن التنازل يهدد وجودها أكثر مما تهددها
الحرب، فإن القصف قد يدمر البنية التحتية دون أن يدمر إرادة البقاء عند الدولة .

.jpg&w=3840&q=75)

