لم تمض سوى أيام على انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي في العراق، حتى جاء هجوم داعش قرب كركوك، ليعيد إلى الواجهة تحذيرات الرئيس مسعود بارزاني من خطورة عودة التنظيم واستغلال أي فراغ أمني، الهجوم الذي وقع في منطقة الحويجة جنوب غربي كركوك وأسفر عن مقتل عنصر من الشرطة الاتحادية وإصابة آخرين، ثم إعلان داعش مسؤوليته عنه، لا يعني بالتأكيد أن التنظيم عاد إلى قوة عام 2014، ولا يمكن بناء استنتاج بهذا الحجم على حادث أمني واحد، لكن تجاهل توقيت الهجوم سيكون خطأ أيضاً، فالعراق دخل مرحلة أمنية جديدة، بعد انتهاء المهمة العسكرية للتحالف، في 30 أيلول 2026، وأصبحت القوات العراقية تتحمل مسؤولية أكبر في مواجهة التهديدات الإرهابية مع استمرار أشكال من التعاون والتدريب والدعم الاستخباري.
وهنا تحديداً تعود تحذيرات الرئيس مسعود بارزاني إلى الواجهة، فهو لم يكن يحذر من عودة داعش إلى احتلال المدن غداً، وإنما كان يحذر من شيء أخطر: أن يؤدي الاطمئنان إلى ضعف التنظيم إلى إهمال الخلايا الموجودة والفراغات الأمنية التي يمكن أن يستغلها والعراق يعرف جيداً ماذا يعني ذلك.
في عام 2014 لم يظهر داعش فجأة بوصفه قوة تسيطر على الموصل ومساحات واسعة من البلاد، فقد سبقت ذلك ثغرات أمنية وسياسية، ثم استغل التنظيم تلك الظروف بسرعة، وكانت النتيجة واحدة من أخطر الكوارث الأمنية في تاريخ العراق الحديث، واليوم لا أحد يريد تكرار ذلك السيناريو، لكن السؤال الذي يجب أن يطرح بصراحة هو: هل تعلّم العراق من تلك التجربة؟ والسؤال إلى من طالبوا بالانسحاب فلسنوات طويلة كانت هناك أصوات سياسية تطالب بخروج القوات الأميركية والتحالف الدولي من العراق وتعتبر وجودها تقليلاً من السيادة، واليوم خرج التحالف بالفعل وانتهت مهمته العسكرية، إذاً، ماذا بعد؟
إذا كان الانسحاب هو الطريق إلى السيادة الكاملة، فأين البديل الأمني الكامل؟ وإذا كان العراق قادراً على حماية نفسه، فليثبت ذلك على الأرض، خصوصاً في مواجهة تنظيم لا تزال خلاياه قادرة على تنفيذ هجمات مفاجئة.
وهنا السؤال الذي يهم الكورد بصورة خاصة: إذا تعرض إقليم كوردستان - لا سامح الله - لهجوم من داعش أو من أي جهة مسلحة أخرى، فمن سيدافع عن الإقليم؟ هل الذين طالبوا بخروج التحالف سيكونون في مقدمة المدافعين عن أربيل وكوردستان؟ هل سيتحملون مسؤولية حماية الإقليم إذا حاول أي طرف استغلال الظروف الجديدة؟ أم أن الكورد سيجدون أنفسهم مرة أخرى في الخطوط الأمامية وحدهم؟ هذا السؤال ليس اتهاما لأحد، لكنه سؤال مشروع ولا يمكن اتهام جهة محددة، بأن هدفها من إخراج التحالف كان إضعاف إقليم كوردستان، من دون دليل، لكن من حق الكورد أن يسألوا عن اليوم التالي ومن حقهم أن يعرفوا كيف ستتم حماية الإقليم إذا تغيرت الظروف الأمنية؛ فالسيادة ليست مجرد خروج القوات الأجنبية، السيادة الحقيقية، هي أن تكون الدولة قادرة على حماية مواطنيها وأراضيها وأن يكون لديها بديل أمني حقيقي عندما تتغير الظروف، وكركوك جرس إنذار؛ فهجوم كركوك يجب ألا يتحول إلى سبب للهلع، لكنه يجب أن يكون جرس إنذار. وداعش اليوم ليس داعش 2014، التنظيم فقد الأراضي والمدن والقدرة على تشكيل جيش كبير، والقوات العراقية والبيشمركة اكتسبت خبرة كبيرة في مواجهته، لكن التنظيم لا يحتاج إلى السيطرة على مدينة، حتى يكون خطراً، فقد يبدأ بكمين ثم هجوم آخر، ثم استهداف نقطة أمنية، ثم اغتيالات وعمليات في مناطق نائية. وإذا تمكنت الخلايا من تكرار هذه العمليات، فقد تتحول الهجمات المنفردة إلى نمط أمني أكثر خطورة، وهنا تظهر أهمية التنسيق بين بغداد وأربيل، المناطق التي تحتاج إلى تعاون أمني لا يمكن أن تبقى ثغرات مفتوحة أمام الإرهاب، فالخلايا لا تعترف بالحدود الإدارية، وأي ضعف في منطقة يمكن أن يتحول إلى تهديد لمناطق أخرى.
الرئيس مسعود بارزاني يعرف ذلك جيداً ولهذا ظل يحذر من خطر داعش ومن الفراغ الأمني وفي الوقت نفسه أكد أن البيشمركة مستعدة للدفاع عن كوردستان وأن التنسيق مع بغداد قائم لمواجهة أي تهديد.
وهذه رسالة واضحة: كوردستان ليست خائفة، لكنها ليست غافلة، البيشمركة التي واجهت داعش في أصعب أيامه، تعرف حجم الخطر، وتعرف أيضاً أن الإرهاب عندما يهزم عسكرياً لا يعني أنه اختفى بالكامل، لذلك فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى يقظة أكبر لا إلى اطمئنان أكبر.
العراق لا يحتاج إلى انتظار هجوم كبير، حتى يتحركن ولا يحتاج إلى سقوط مدينة، حتى يدرك أن الخطر موجود. ولقد دفع العراق ثمناً هائلاً عندما لم يؤخذ خطر داعش بالجدية الكافية، ودفع الكورد دماء غزيرة في الحرب ضد التنظيم، فلا ينبغي أن ننتظر كارثة جديدة حتى نكتشف أن التحذيرات كانت في محلها ولا أحد يتمنى عودة داعش، ولا أحد يريد مواجهة جديدة، لكن الأمن لا يبنى على التمنيات، فإن كان هجوم كركوك حادثاً منفرداً فليكن، وإن كان بداية لمحاولة تصعيد، فيجب إيقافها قبل أن تكبر وهنا تحديداً يجب أن تفهم تحذيرات الرئيس مسعود بارزاني؛ فهو لا يقول إن داعش عاد، بل يقول بصورة أكثر أهمية: لا تنتظروا عودته حتى تستعدوا لمواجهته، لأن التنظيمات الإرهابية لا تعود إلى قوتها في يوم واحد، بل تبدأ بخلايا صغيرة وهجمات محدودة وثغرات أمنية، وثم تكبر إذا وجدت من يسمح لها بالنمو. والتاريخ العراقي أثبت أن ثمن التأخر في مواجهة الخطر، قد يكون أكبر بكثير من ثمن الاستعداد له.



