لم تكن زيارة رئيس إقليم
كوردستان، نيجيرفان بارزاني، إلى دمشق ولقاؤه مع الرئيس السوري أحمد الشرع حدثاً
بروتوكولياً عابراً، بل حملت رسائل سياسية عميقة تعكس التحولات التي تشهدها
المنطقة، والمكانة التي بات يحتلها إقليم كوردستان بوصفه طرفاً فاعلاً في
معادلاتها السياسية والأمنية.
جاءت الزيارة في توقيت حساس، حيث
تمر المنطقة بمرحلة إعادة رسم للعلاقات والتحالفات، وهو ما منح اللقاء أهمية
استثنائية. فقد تناولت المباحثات ملفات الأمن والاستقرار، والتعاون الاقتصادي،
ومستقبل العلاقات بين دمشق وأربيل، إلى جانب القضايا ذات الاهتمام المشترك، في
إطار البحث عن آفاق جديدة للتنسيق والحوار.
لكن، وفي الوقت الذي كان من
المفترض أن ينصب الاهتمام على مضامين الزيارة ونتائجها، اختارت بعض المنابر
الإعلامية العراقية والعربية التركيز على قضية جانبية تتعلق بالأعلام المرفوعة
خلال مراسم الاستقبال، وروّجت لروايات تحدثت عن غياب العلم العراقي ورفع علم إقليم
كوردستان بدلاً عنه، في محاولة لتحويل الأنظار عن جوهر الحدث.
إلا أن الصور الرسمية ومقاطع
الفيديو التي نشرتها الجهات المعنية أظهرت بوضوح وجود العلم العراقي إلى جانب علم
إقليم كوردستان، بما يتوافق مع الأعراف والبروتوكولات المتبعة في مثل هذه
اللقاءات. وهو ما يكشف أن كثيراً من الجدل الذي أثير لم يكن قائماً على الوقائع، بل
على تفسيرات وانتقادات سياسية سبقت التحقق من الحقائق.
إن اختزال زيارة بهذا المستوى في
نقاش حول الأعلام لا يخدم فهم المشهد السياسي، بل يحجب الرسائل الأهم التي حملتها.
فالزيارة عكست اعترافاً بالدور المتنامي لإقليم كوردستان، وأكدت أن أربيل أصبحت
رقماً مؤثراً في ملفات الأمن والاستقرار والحوار الإقليمي، وأن التواصل معها بات
جزءاً من أي رؤية لمعالجة قضايا المنطقة.
كما أن نجاح الدبلوماسية لا يُقاس
بصور البروتوكول أو العناوين المثيرة، وإنما بما تفتحه من قنوات للحوار، وما تؤسسه
من فرص للتعاون، وما تتركه من آثار إيجابية على استقرار المنطقة. وفي هذا السياق،
تبدو زيارة نيجيرفان بارزاني إلى دمشق خطوة سياسية تعكس نهجاً يقوم على الانفتاح
وبناء العلاقات، بعيداً عن لغة التصعيد والاستقطاب.
في النهاية، كشفت الزيارة حقيقة
مهمة، وهي أن بعض وسائل الإعلام لاتزال تفضّل صناعة الجدل على مناقشة القضايا
الجوهرية، بينما تؤكد الوقائع أن السياسة تُبنى بالحوار والمصالح المشتركة، لا
بالضجيج الإعلامي. أما الرسالة الأبرز، فهي أن إقليم كوردستان بات شريكاً لا يمكن
تجاهله في أي معادلة تتعلق بمستقبل المنطقة، وأن حضوره السياسي والدبلوماسي أصبح حقيقة
تفرض نفسها على الجميع.



