يُعدّ المجتمع الكوردي الايزدي من
أكثر الجماعات الدينية انغلاقاً في الشرق الأوسط، إذ ارتبطت هويته الدينية عبر
القرون بالانتماء العرقي والاجتماعي، وأصبحت الديانة الايزدية عنصراً أساسياً في
الحفاظ على تماسك الجماعة بعد تعرضها لسلسلة طويلة من الاضطهادات والحملات
العسكرية التي يصفها الايزديون بـ"الفرمانات". وقد أسهمت هذه التجارب
التاريخية في ترسيخ موقف حذر تجاه الجماعات الدينية الأخرى، ولاسيما تلك التي سعت
إلى استقطاب أتباع جدد أو إحداث تغيير في البنية الدينية للمجتمع الايزدي.
ومنذ النصف الأول من القرن التاسع
عشر، لفت الايزديون أنظار الرحالة والمستشرقين والإرساليات المسيحية الأوروبية
والأميركية، التي رأت فيهم جماعة دينية فريدة تستحق الدراسة من جهة، ومجالاً محتملاً
للعمل التبشيري من جهة أخرى. وقد حاولت الإرساليات البروتستانتية والأنكليكانية
والكاثوليكية الوصول إلى الايزديين عبر الزيارات الميدانية، وافتتاح المدارس
والمستوصفات الطبية، وتوزيع الكتب الدينية، وإقامة علاقات مع بعض الزعامات
المحلية. غير أن هذه الجهود ظلت محدودة الأثر، بسبب تمسك الايزديين بعقيدتهم،
والطبيعة المغلقة للمجتمع، ورفض المؤسسة الدينية أي تحول ديني خارج الإطار
التقليدي للطائفة.
يُعد صموئيل مارينوس زويمر (Samuel Marinus Zwemer) (12 نيسان 1867 – 2 نيسان 1952م) من أبرز
رواد الحركة التبشيرية الإنجيلية البروتستانتية في العالم الإسلامي خلال أواخر
القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، حتى لُقِّب في الأوساط التبشيرية
بـ"رسول الإسلام" (Apostle to
Islam) وُلد في ولاية
ميشيغان الأميركية لأسرة هولندية الأصل، وتخرج في كلية هوب (Hope College) ثم
في معهد نيوبرنزويك اللاهوتي، قبل أن يتفرغ للعمل التبشيري في الشرق الأوسط. بدأ
زويمر نشاطه التبشيري في البحرين سنة 1891، ثم وسع نشاطه ليشمل مناطق الخليج
العربي وشبه الجزيرة العربية والعراق ومصر، وأسهم في تأسيس الإرسالية العربية (Arabian Mission)، كما كان من مؤسسي مجلة The Moslem World سنة 1911م، التي أصبحت من أهم الدوريات المتخصصة في الدراسات الإسلامية
والتبشير بين المسلمين. وألف أكثر من خمسين كتاباً تناولت الإسلام، ووسائل
التبشير، واستراتيجيات العمل الإرسالي، ومن أشهرها The Moslem Christ وIslam: A Challenge to Faith.
نظر صموئيل زويمر إلى الايزديين
باعتبارهم إحدى الجماعات الدينية التي ينبغي أن تشملها جهود الإرساليات الإنجيلية،
شأنهم شأن المسلمين والدروز والصابئة وسائر الأقليات الدينية في الشرق الأوسط، إذ
كان يرى أن رسالة التبشير لا ينبغي أن تقتصر على المسلمين، بل تمتد إلى جميع
الشعوب التي لم تصلها المسيحية الإنجيلية. ومع أنه لم يُعرف عنه قيامه بنشاط
تبشيري مباشر بين الايزديين، أو زيارته لمناطقهم في لالش أو سنجار، فإن تأثيره
تجلّى في وضع الأسس الفكرية والمنهجية للحركة التبشيرية الإنجيلية في الشرق
الأوسط. وقد انعكس هذا التأثير على الإرساليات الأميركية والبريطانية التي عملت
لاحقاً في شمال كوردستان العراق، إذ تبنت منهجه القائم على الجمع بين التبشير،
والتعليم، والخدمات الطبية، والعمل الإنساني، وهو ما جعله أحد أبرز منظّري الحركة
التبشيرية البروتستانتية في المنطقة خلال القرن العشرين.
بدأ العمل الإنجيلي بين الايزديين
في عام 1923م عندما باشرت الإرسالية الدنماركية إلى الشرق The Danish Mission
to the (Orient) أعمالها في
بعشيقة مدينة صغيرة تقع على بعد خمسة عشر كم شرق الموصل بواسطة إمرأة سويدية،
ولعدم وجود إمكانيات مادية لتغطية العمل فقد تم استئجار امراة سويدية لكنها لم تقم
هناك ولم تؤدي الواجب المناط بهاء؛ لذلك إستأجرت الارسالية المتحدة شخصاً نسطورياً
اثوريا يدعى نسطوريوس قاليتا Nestorius Kalata للقيام
بالعمل الانجيلي بين الايزديين وقدمت له المساعدات السخية للقيام بواجباته، وبقيم
أبناء نسطوريوس حالياً في الولايات المتحدة الأميركية .
ويسبب قيام الحرب العالمية
الثانية والأزمات التي مرت بها الارسالية الأميركية المتحدة إضطرت إلى إيقاف صرف
المساعدات له إلى عام 1942م الا ان الرجل بالرغم من ذلك واصل نشاطه معتمداً على
دخله الشخصي، ولكن بعد فترة قصيرة اخذت الارسالية المتحدة التي كانت تشرف على
اعماله نيابة عن الإرسالية الدنماركية تدفع له مخصصات شهرية.
في عام 1930م اسس نسطوريوس قالينا
مدرسة بسيطة في بعشيقة لتعليم القرويين وبعد ذلك وضعتها الارسالية تحت اشراف القس
جليسنر مسؤول محطة كركوك والذي ظل مشرفاً عليها حتى بعد وفاة نسطوريوس كليتا في
عام 1953م الى أن حل محله القس تايلور Rev M.Taylor في عام 1956م علما
بأن قرينته كانت معه.
لقد تمكن كاليتا من ادخال عدد من
الايزديين إلى المسيحية الانجيلية منهم صادق شامي (شمي) الذي اصبح قساً وكاهناً
لكنيسة أربيل الانجيلية. والآخر هو "الياس حمو" الذي اصبح قساً وكاهناً
لكنيسة كركوك الإنجيلية، فضلاً عن والده وشقيقه الأكبر الذي تحول اسمه إلى (باول).
إن محاضر إتحاد الكنيسة المشيخية
للولايات المتحدة الأميركية UPCUSA تورد الملاحظة التالية حول النشاط الإنجيلي بين الايزديين،
وتحديداً القس (صادق شمي الايزدي الاصل) إلى العامل الأكثر فعالية (في العراق)
"هو ايزدي مهتدي الذي استخدم غرفة المطالعة (في داره) لتكون أساساً للدراسات
الإنجيلية والمراجعة الشخصية واليزيديون شعب يتركز دينهم في تسكين المعبود الذي
يلبسه والذي يحمله الى مقامات أرفع وأسمى".
لقد تزوج صادق شمو فتاة مسيحية من
الطائفة النسطورية، لذلك كان المسلمون الكورد ينظرون اليه كغريب، وهذا يفسر جزئياً
حسب وجهة نظر أحد الباحثين الكلدان عدم اعتناق المسلمين الكورد للمسيحية في أربيل
أنذاك. وقد زار المبشر الأميركي (مارفن بالمكويست) Marvin A. Palmquist من منظمة LOMS أربيل في تشرين الأول 1993م، واكتشف بأن القس صادق شمو
قد غادر اربيل في صيف ذلك العام الى الموصل وتقاعد عن العمل الانجيلي ولم يترك
اثرا من عمله في اربيل.
وتجدر الاشارة اليه أن Lutheran Orient Mission (LOM)هي منظمة لوثرية أميركية ركزت نشاطها في إيران وكوردستان
والعالم الإسلامي. وشغل منصب (مارفن بالمكويست) رئيس مجلس الإرساليات العالمية في
الكنيسة الإنجيلية اللوثرية الحرة، ثم أصبح أحد أبرز مسؤولي Lutheran Orient Mission، بعد انتفاضة عام 1991م زار مخيمات اللاجئين
الكورد في كوردستان العراق، وكتب تقارير ومحاضرات عديدة دعا فيها الكنائس الأميركية
إلى اغتنام ما وصفه بـ"الفرصة التاريخية" للوصول إلى الكورد، معتبراً أن
انهيار سلطة بغداد في شمال (كوردستان) العراق فتح باباً لم يكن متاحاً سابقاً.
وتبرز أهمية بالمكويست في أنه كان من أوائل المبشرين الذين ربطوا بين الإغاثة
الإنسانية والعمل التبشيري بعد عام 1991، إذ أشرف على مشاريع إنسانية وطبية
وتعليمية، وفي الوقت نفسه كان يدعو الكنائس الغربية إلى تأسيس وجود إنجيلي دائم في
كوردستان، وإعداد كوادر تبشيرية للعمل بين الكورد. وتظهر تقارير Lutheran Orient Mission خلال التسعينيات اهتماماً واضحاً بتطوير برامج تبشيرية
في كوردستان العراق بعد توقف النشاط الأميركي المباشر منذ مقتل المبشر روجر سي.
كمبرلند سنة 1938م.
ومع ذلك، شهد العقد الثاني من
القرن الحادي والعشرين تحولاً مهماً في طبيعة العلاقة بين الإرساليات المسيحية
والمجتمع الايزدي، وذلك عقب اجتياح تنظيم داعش لقضاء سنجار في الثالث من آب 2014م،
وما رافقه من جرائم إبادة جماعية شملت القتل الجماعي، والسبي، والتهجير القسري،
وتدمير القرى والمزارات الدينية؛ وقد أدت هذه الكارثة الإنسانية إلى نزوح مئات
الآلاف من الايزديين إلى إقليم كوردستان، ولاسيما محافظتي دهوك وأربيل، الأمر الذي
فتح المجال أمام عشرات المنظمات والكنائس المسيحية البروتستانتية: بما فيها
الانجيلية والوثرية والمشيخية والمعمدانية والانكليكانية وغيرها لتقديم المساعدات
الإنسانية والإغاثية داخل المخيمات وخارجها.
وشكّلت مأساة سنجار سنة 2014م
نقطة تحول في حجم الحضور الإنجيلي داخل المناطق الايزدية، إذ وجدت الكنائس
الإنجيلية والمنظمات التابعة لها في الأزمة الإنسانية فرصة لتوسيع نشاطها الإغاثي
والاجتماعي. فقد أنشأت العديد من المؤسسات مراكز لتوزيع الغذاء والملابس، وقدمت
الرعاية الطبية، والدعم النفسي والاجتماعي، وبرامج حماية الأطفال، فضلاً عن
المساهمة في بناء المدارس المؤقتة وترميم بعض المنازل بعد تحرير المناطق المحتلة.
واتخذ النشاط الإنجيلي في هذه
المرحلة طابعاً إنسانياً في ظاهره، إذ ركز على الاستجابة للاحتياجات الملحة
للنازحين، إلا أن بعض هذه المؤسسات كانت تنظر إلى العمل الإنساني باعتباره جزءاً
من رسالتها الدينية، وهو ما دفعها إلى تنظيم لقاءات روحية، وتوزيع نسخ من الكتاب
المقدس باللغة الكوردية (الكرمانجية)، وإقامة دروس كتابية وأنشطة شبابية داخل بعض
المخيمات أو في المراكز التابعة لها. كما استُخدمت وسائل الإعلام الحديثة، ومنصات
التواصل الاجتماعي، والقنوات الفضائية المسيحية، لنشر مواد دينية موجهة إلى
الناطقين بالكوردية، بمن فيهم الايزديون.
ومن أبرز الوسائل التي اعتمدتها
المؤسسات الإنجيلية خلال هذه المرحلة تقديم برامج الدعم النفسي للنساء والأطفال
الناجين من الأسر، وتنظيم دورات تعليم اللغات والحاسوب، وتقديم المنح الدراسية
والمساعدات المالية للأسر الفقيرة، فضلاً عن تأسيس مراكز مجتمعية تقدم خدمات
متنوعة دون تمييز ديني. وقد أسهمت هذه الأنشطة في بناء علاقات وثيقة مع عدد من
الأسر الايزدية التي كانت تعاني أوضاعًا اقتصادية ونفسية بالغة الصعوبة.
أثار النشاط التبشيري الذي مارسته
بعض المنظمات الإنجيلية في مخيمات النازحين الايزديين بعد كارثة تنظيم داعش سنة
2014م ردود فعل واسعة داخل المجتمع الايزدي، إذ رأت شخصيات دينية وسياسية ومدنية
أن الظروف الإنسانية الاستثنائية التي عاشها الناجون لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة
للتأثير في معتقداتهم الدينية.
وكانت أولى هذه المواقف وأكثرها
وضوحاً ما أعلنته النائبة الايزيدية فيان دخيل في 9 حزيران 2015م، عندما أصدرت
بياناً رسمياً اتهمت فيه بعض المنظمات التبشيرية المسيحية باستغلال معاناة
النازحين داخل مخيمات إقليم كوردستان، من خلال توزيع الكتاب المقدس والمنشورات
الدينية إلى جانب المساعدات الإنسانية، مؤكدة أن "الايزديين تركوا بيوتهم
وأموالهم، لكنهم لم يتركوا دينهم"، ودعت حكومة إقليم كوردستان والجهات
المختصة إلى وضع حد لأي نشاط تبشيري يستغل ظروف النزوح.
وفي أعقاب ذلك، عبّر عدد من أعضاء
المجلس الروحاني الايزدي عن موقف مماثل، مؤكدين ضرورة الفصل بين العمل الإنساني
والعمل التبشيري، وأن المساعدات يجب أن تُقدم لجميع المتضررين دون أن تقترن
بمحاولات تغيير المعتقدات الدينية. كما شددوا على أن ما تعرض له الايزديون من
إبادة جماعية يفرض على المجتمع الدولي حماية هويتهم الدينية والثقافية، لا تعريضها
لمزيد من الضغوط في ظروف النزوح.
كما تبنى عدد من المثقفين
والناشطين الايزيديين، ومنهم مراد إسماعيل، مؤسس منظمة Yazdaمواقف تؤكد أولوية حماية المجتمع الايزدي والحفاظ على
هويته الدينية والثقافية، مع الدعوة إلى أن تلتزم جميع المنظمات الإنسانية بالحياد
الديني، وألا يُستغل العمل الإغاثي في نشر أي معتقد ديني بين الناجين من الإبادة.
وفي السياق نفسه، عبّر عدد من الإعلاميين والكتاب الايزديين، عبر الصحافة المحلية
ووسائل التواصل الاجتماعي، عن رفضهم لأي نشاط تبشيري داخل مخيمات النازحين أو في
المناطق اليزيدية المحررة، معتبرين أن المجتمع الايزدي، الخارج من واحدة من أبشع
جرائم الإبادة الجماعية في العصر الحديث، يحتاج إلى إعادة الإعمار والدعم النفسي
والاجتماعي، وليس إلى محاولات تغيير هويته الدينية.
وتجددت هذه المواقف خلال السنوات
اللاحقة، ولاسيما بعد تداول أخبار عن أنشطة تبشيرية في بعض المناطق الايزدية، حيث
دعا ناشطون ورجال دين إيزديون إلى احترام خصوصية الطائفة الدينية، مؤكدين أن حرية
العمل الإنساني لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لاستقطاب أتباع جدد. وتعكس هذه
المواقف، بمجملها، إجماعاً واسعاً داخل الأوساط الايزدية على رفض استغلال المأساة
الإنسانية لأغراض تبشيرية، مع الترحيب في الوقت ذاته بكل جهد إنساني وإغاثي
يُقدَّم للمتضررين دون تمييز أو اشتراطات دينية.
وفي المقابل، أكدت غالبية الكنائس
والمنظمات الإنجيلية العاملة في إقليم كوردستان أن مساعداتها الإنسانية قُدمت
لجميع المتضررين دون تمييز على أساس الدين أو القومية، وأن رسالتها الأساسية تمثلت
في الإغاثة والدعم النفسي وإعادة الإعمار، مع احتفاظها بحقها في التعريف بعقيدتها
في إطار حرية الدين والمعتقد، ومن دون إلزام المستفيدين باعتناق المسيحية أو جعل
المساعدات مشروطة بذلك.
وبصورة عامة، لا تشير الدراسات
الأكاديمية المتوافرة إلى حدوث تحولات جماعية بين الايزديين نحو المسيحية بعد عام
2014م، وإنما تتحدث عن حالات فردية محدودة ومتفرقة، في حين بقيت الغالبية الساحقة
من أبناء الطائفة متمسكة بعقيدتها الدينية وهويتها الاجتماعية. ويعكس ذلك استمرار
قوة المؤسسة الدينية الايزدية، ودور معبد لالش والقيادات الدينية والاجتماعية في
الحفاظ على تماسك المجتمع، رغم ما تعرض له من إبادة جماعية ونزوح واسع النطاق.



