في يوم 3 آب 2026، نشر الرئيس
السوري أحمد الشرع تغريدة قصيرة باللغة الكوردية تعليقاً على زيارة رئيس إقليم
كوردستان إلى دمشق. قد تبدو تغريدة عابرة في زمن تمتلئ فيه الشاشات بالتصريحات
والصور، لكنها بالنسبة لقطاع واسع من السوريين حملت شيئاً مختلفاً: إشارة أمل إلى
إمكانية بناء وطن يعترف بكل لغاته وهوياته.
هكذا تحوّلت جملة واحدة إلى عنوان
لمرحلة يمكن أن نسميها بحق بداية الطريق إلى المواطنة الكاملة.
لكي نفهم أهمية هذه اللحظة، علينا
أن نتذكّر أن المكوّن الكوردي في سوريا عاش عقوداً من التهميش والإنكار؛ حُرم
كثيرون من الجنسية، وقيِّدت حقوقهم في استخدام لغتهم في التعليم والحياة العامة،
وغُلِّفت "القضية الكوردية" بعبارات أمنية لا باعتبارها قضية مواطنة
وحقوق متساوية. هذا الإرث الثقيل ترك جرحاً عميقاً في الذاكرة الجمعية للكورد،
ورسّخ شعوراً بأنهم موجودون في الجغرافية، لكن حضورهم القانوني والرمزي منقوص.
في هذا السياق، لم تعد لغة
التغريدة تفصيلاً شكلياً؛ فاللغة الكوردية حُرمت طويلاً من الاعتراف الرسمي في
سوريا، وحُرم جزء كبير من المواطنين الكورد من أبسط حقوقهم الثقافية والمدنية. حين
يختار رئيس الدولة أن يخاطب مواطنيه بلغةٍ ظلّت مهمَّشة لعقود، فإنه يرسل ثلاث
رسائل واضحة: أولاً، أن الكورد جزء أصيل من الشعب السوري لا جالية عابرة؛ ثانياً،
أن اللغة ليست ترفاً ثقافياً، بل وعاء للذاكرة والهوية؛ وثالثاً، أن الدولة مستعدة
– ولو رمزياً في البداية – للانتقال من منطق الأغلبية المتحكِّمة إلى منطق
المواطنة المتساوية.
هذه الرسائل لم تبقَ حبيسة التحليل
السياسي أو التعليقات النخبوية. فهنا في عفرين، حيث أتواجد حالياً في مهمة
ميدانية، كان صدى الكلمات الكوردية واضحاً في عيون الناس قبل أحاديثهم. في الشوارع
والمحال والمجالس الصغيرة، كان كثيرون يعيدون قراءة التغريدة، يتبادلونها عبر
تطبيقات التواصل، ويعلّقون عليها بعبارات بسيطة لكنها عميقة: "أخيراً رئيس
يتكلم لغتنا"، "هذه أول مرة نشعر أن الدولة ترانا ونسمع لغتنا في خطاب
رسمي". الفرح الذي رأيته لم يكن فرحاً عابراً، بل خليطاً من الدهشة
والارتياح، وإحساس خجول بأن باباً صغيراً قد انفتح بعد سنوات طويلة من الإغلاق.
ما شهدته في عفرين يؤكد أن
الاعتراف لا يحتاج دائماً إلى قرارات ضخمة؛ أحياناً تكفي لفتة إنسانية صادقة، كلمة
بلغة مُهمَّشة، لمسة احترام لهويةٍ عانت طويلاً من الإقصاء، كي يشعر الناس بأنهم
جزء من هذا الوطن. تغريدة واحدة بالكوردية جعلت كثيراً من السوريين الكورد يقولون
"نحن أيضاً مواطنون، ولسنا ضيوفاً أو ملفاً أمنياً".
هذه المشاعر، إذا ما بُني عليها
بسياسات واضحة، يمكن أن تتحوّل إلى جسر ثقة حقيقي بين الدولة والمجتمع، وبين
مكوّنات المجتمع السوري نفسها.
في هذا الإطار جاءت زيارة رئيس
إقليم كوردستان العراق لسوريا، وهي زيارة تحمل أبعاداً سياسية واقتصادية وأمنية لا
شك فيها، لكن أهميتها بالنسبة للمواطن السوري تتجاوز لغة الاتفاقيات. فهي ترسم جسراً
من الاحترام المتبادل بين شعبين تجمعهما الجغرافية وتفرقهما أحياناً الاصطفافات
الإقليمية وسوء الفهم. كما تعيد التذكير بأن القضية الكوردية ليست ملفاً أمنياً
يُدار بالحواجز والعسكرة، بل شأناً سياسياً واجتماعياً وثقافياً يجب التعامل معه
بعقلية الشراكة والاعتراف.
حين تتزامن هذه الزيارة مع تغريدة
رسمية دافئة وباللغة الكوردية، تصبح الرسالة أوضح: سوريا التي تُبنى اليوم تريد أن
تكون بيتاً مشتركاً لكل مكوّناتها، لا ساحة صراع بين هويات متنافسة. هنا تبدو
تغريدة الأمل خطوة أولى في اتجاه تحويل التنوع من مصدر توتر إلى مصدر قوة.
لكن شعار المواطنة الكاملة سيبقى
جميلاً في الخطابات ما لم يتحوّل إلى سياسات وأطر قانونية واضحة. تغريدة الرئيس
يمكن أن تكون نقطة البداية لجدول عمل وطني يتضمّن:
-مراجعة القوانين التي تميّز بين
المواطنين صراحة أو ضمناً على أساس القومية أو اللغة أو الانتماء المناطقي.
-الاعتراف بالحقوق الثقافية، بما
في ذلك تدريس اللغة الكوردية ولغات المكوّنات الأخرى ضمن إطار وطني جامع.
-إعادة بناء مؤسسات الدولة على
أساس الكفاءة والتمثيل العادل، بعيداً عن الإقصاء أو المحاصصة الضيقة.
وفتح نقاش هادئ حول أشكال
اللامركزية الإدارية التي تضمن مشاركة أوسع للمناطق في إدارة شؤونها مع الحفاظ على
وحدة الدولة.
الطريق إلى المواطنة الكاملة لن
يكون سهلاً. فهناك إرث ثقيل من الخوف وعدم الثقة بين الدولة وبعض المكوّنات،
وخطابات متطرفة – قومية أو دينية – تعيش على تغذية الانقسام، وواقع اقتصادي وأمني
يدفع كثيرين إلى التركيز على لقمة العيش قبل أي شيء آخر. ومع ذلك، تُظهر تجارب
الشعوب أن الدول التي تعترف بتنوعها وتحوّله إلى إطار حقوقي عادل تكون أقدر على
الصمود أمام الأزمات من الدول التي تبنيه على الإنكار والإقصاء.
ما أتاحته هذه التغريدة هو فرصة
صغيرة لا ينبغي أن تُهدر: فرصة لإعادة تعريف "نحن" بدل أن تكون
"نحن الكورد" في مقابل "نحن العرب" أو غيرهم، يمكن أن تصبح
"نحن السوريين" بمختلف لغاتنا وثقافاتنا وأدياننا. حين يرى الكوردي في
عفرين، والعربي في حلب، والآشوري في الحسكة، أن رموز الدولة تخاطبهم جميعاً بلغة
احترام متساوٍ، وأن القانون يحمي حقوقهم بلا تمييز، فإن الانتماء الوطني يتجاوز
حدود الهويات الضيقة إلى فضاء أوسع من الشراكة.
قد لا تغيّر تغريدة واحدة وجه
التاريخ، لكنها قادرة على أن تكشف عمق الشوق لدى السوريين إلى الاعتراف المتبادل
والمواطنة العادلة. الفرحة الصادقة التي لمستها في عيون الناس هنا في عفرين تقول
الكثير عن حجم هذا الشوق.
إذا استطاعت الدولة أن تلتقط هذه
الإشارة وتحوّلها إلى مسار مستمر من الإصلاح القانوني والسياسي، وإذا استطاع
المجتمع أن يتجاوز جراحه نحو شراكة حقيقية، فإن "تغريدة الأمل" لن تبقى
مجرد لحظة عاطفية على منصة رقمية، بل ستكون خطوة أولى على الطريق إلى المواطنة
الكاملة التي يستحقها كل السوريين، بلا استثناء وبلا تمييز.



