تمثل زيارة رئيس إقليم كوردستان نيجيرفـان
بارزاني إلى العاصمة السورية دمشق حدثاً تاريخياً، ومحطة سياسية مهمة في رسم ملامح
العلاقات السياسية، وبناء الشراكات الجديدة بين إقليم كوردستان وسوريا الجديدة،
كما تعكس تحوّلات إقليمية متسارعة فرضتها المتغيرات الأمنية، والسياسية في منطقة
الشرق الأوسط، فالزيارة لم تكن مجرد لقاء بروتوكولي عابر، بل حملت رسائل متعدّدة
تتجاوز الإطار الثنائي لتلامس ملفات الأمن، والاستقرار، والتعاون الاقتصادي،
ومستقبل العلاقات بين مختلف المكونات في المنطقة.
تأتي هذه الزيارة في وقت تشهد فيه
المنطقة إعادة ترتيب للأولويات إذ أصبحت الحاجة إلى الحوار البنَّاء، والتفاهم
أكثر إلحاحاً من أيّ وقت مضى، وبعد سنوات طويلة من الصراعات، والانقسامات باتت
الدول، والقوى السياسية تبحث عن مساحات مشتركة للتفاهم، وبدائل تضمن الاستقرار،
وتحافظ على المصالح المتبادلة. ومن هذا المنطلق اكتسبت زيارة نيجيرفان بارزاني
أهمية خاصة نظراً لما يتمتع به من خبرة سياسية، ودبلوماسية، وعلاقات متوازنة،
ومنفتحة مع مختلف الأطراف المحلية، والإقليمية، والدولية.
لقد انتهج رئيس إقليم كوردستان نيجيرفـان
بارزاني خلال السنوات الماضية سياسة قائمة على الانفتاح، والحوار مع التأكيد
المستمر على أن الاستقرار السياسي لا يتحقق إلا عبر التفاهم، واحترام خصوصية
المكونات جميعها؛ ولذلك فإن حضوره في دمشق يحمل دلالة واضحة على أن الحوار هو
السبيل الأمثل لمعالجة الملفات العالقة، وأن لغة السياسة أكثر جدوى من لغة
التصعيد، والمواجهات، والدخول إلى معترك الحروب العبثية التي لا تسمن ولا تغني من
جوع، وتبرز أهمية الزيارة أيضاً في توقيتها الحسّاس، إذ تواجه المنطقة تحديات
أمنية معقدة، من بينها مكافحة الإرهاب، وضبط الحدود، ومنع عودة التنظيمات
الإرهابية المتطرفة إلى الواجهة، وفي مثل هذه الظروف، يصبح التنسيق بين مختلف
الأطراف ضرورة ملحة، وليس خياراً.
أمَّا من الجانب السياسي فتؤكد
الزيارة أنَّ إقليم كوردستان أصبح طرفاً إقليمياً يحظى بحضور فاعل، ومؤثّر في
معادلات منطقة الشرق الأوسط، وأنَّ تجربته في بناء المؤسسات، وترسيخ الأمن،
والاستقرار جعلته محط اهتمام العديد من العواصم الإقليمية، والدولية. وقد استطاع
إقليم كوردستان، رغم التحديات الكبيرة أن يحافظ على مستوى متوازن من الاستقرار
السياسي، والأمني جعله نموذجاً نسبياً في محيط مضطرب.
وقد سعى إقليم كوردستان لتعزيز
مكانته الإقليمية، والدولية، والتعريف به في المحافل الدولية من خلال دوره الفاعل
في تعزيز ثقافة الأمن، والاستقرار، وممَّا جعله بيئة آمنة جاذبة لافتتاح القنصليات،
والبعثات الدبلوماسية الدولية، وبفضل السياسة الحكيمة التي تتمتع بها إقليم
كوردستان افتتحت أكثر من (35) قنصلية، منها فتح أكبر قنصلية أميركية في العالم
بأربيل، كما تعتزم الجمهورية السورية بفتح قنصلية لها في أربيل بعد زيارة رئيس
إقليم كوردستان نيجيرفـان بارزاني إلى دمشق، وفي الجانب الاقتصادي يمكن لمثل هذه
الزيارات أن تسهم في تنشيط الحركة التجارية، والاقتصادية، وتسهيل انتقال البضائع،
وتعزيز التعاون في مجالات الطاقة، والاستثمار، وإعادة الإعمار.
فالاقتصاد أصبح أحد أهم أدوات
بناء السلام، وكلما توسعت المصالح المشتركة تراجعت احتمالات التوترات، والصراعات،
أما على الصعيد الأمني، فإن التنسيق بين الجانبين يمكن أن يسهم في مواجهة التحديات
المشتركة، وفي مقدمتها مكافحة الإرهاب، والجريمة المنظمة، وعمليات التهريب، وهي
ملفات تتطلب تعاوناً مستمراً بين مختلف الجهات المعنية خاصة في المناطق الحدودية،
وتكتسب الزيارة أيضاً أهمية بالنسبة للشعب الكوردي في سوريا، إذ ينظر كثيرون إلى
إقليم كوردستان بوصفه تجربة سياسية، وإدارية يمكن الاستفادة من بعض جوانبها
الإيجابية مع الأخذ بنظر الاهتمام خصوصية الواقع السوري. ومن هنا، فإنَّ أي حوار يهدف
إلى تعزيز الاستقرار، وحماية حقوق المكونات ولاسيما الشعب الكوردي ضمن الأطر
الوطنية، والقانونية يمكن أن ينعكس إيجاباً على مستقبل الوضع السياسي المنطقة
برُمّتها، وقد كان للقيادة الكوردستانية المتمثلة بشخصية الرئيس مسعود بارزاني دور
محور من أجل الاعتراف بالشعب الكوردي، وباللغة الكوردية، ومنح الجنسية السورية
للكورد في سوريا، فضلاً عن دور نيجيرفان بارزاني في عمليات وقف عمليات إطلاق النار
بين سلطة دمشق، و(قسد) بعد أسابيع من اندلاع المواجهات العسكرية، ومخاطر الازلاق
إلى حرب كبيرة بين دمشق، و(قسد) وقد أدّى نيجيرفان بارزاني دوراً كبيراً في تقريب
وجهات النظر بين الطرفين كيف لا، وهو مهندس التفاهمات ما وراء الكواليس عمل بهدوء
من خلال مكانته، وعلاقاته المتينة في وقف الحرب.
وفي الإطار الإقليمي، تؤكد هذه
الزيارة أنَّ الدبلوماسية الهادئة لاتزال قادرة على تحقيق نتائج ملموسة على أرض
الواقع، وأن بناء جسور التواصل بين العواصم المختلفة أصبح أكثر أهمية في ظل
التحديات المتشابكة التي تواجه الشرق الأوسط. فالاستقرار الإقليمي لا يتحقق إلا
عبر التعاون، والتنسيق، وتغليب لغة المصالح المشتركة.
لقد أثبتت التجارب أنَّ القطيعة لا
تنتج حلولاً دائمة، بينما يفتح الحوار الباب أمام معالجة الخلافات بطريقة أكثر
واقعية. ومن هذا المنطلق، فإنَّ زيارة نيجيرفـان بارزاني إلى دمشق تعكس رؤية تقوم
على التواصل، والانفتاح مع احترام سيادة الدول، كما أنَّ نجاح مثل هذه الزيارات
يقاسُ بما يترتب عليها من خطوات عملية سواء من خلال استمرار اللقاءات السياسية، أو
تشكيل لجان مشتركة، أو إطلاق مشاريع تعاون في المجالات المختلفة. فالدبلوماسية لا
تقتصر على تبادل الزيارات، وإنما تُقاس بقدرتها على تحويل التفاهمات إلى نتائج
ملموسة يشعر بها المواطن على أرض الواقع، وفي الوقت نفسه، فإن تعقيدات المشهد
السوري، والإقليمي تعني أنَّ أيَّ تقدم يحتاج إلى الصبر، وإرادة سياسية متواصلة؛
لذلك، فإنَّ هذه الزيارة يمكن النظر إليها كبداية لمسار جديد من التواصل السياسي،
وليس كحل نهائي للقضايا العالقة جميعاً.
ونتيجة للصراعات السياسية التي
كانت موجودة في سوريا إبَّان حقبة بشار الأسد لاسيما بعد اندلاع الأزمة السورية،
وتفاقمها في سنة (2011) توجه ألاف السوريين من الكورد، والعرب، والآشوريين نحو
إقليم كوردستان، وفتحت الأبواب أمامهم عندما كان نيجيرفان بارزاني رئيساً لحكومة
إقليم كوردستان على الرغم من التحديات الاقتصادية التي كانت ولاتزال يمر بها إقليم
كوردستان، وبحسب إحصاءات مركز تنسيق الأزمات في وزارة الداخلية بإقليم كوردستان،
فأنَّ عدد اللاجئين السوريين المقيمين في إقليم كوردستان أكثر من (263) ألف لاجئ
سوري حيث يعيش (91) ألفاً منهم في المخيمات، أما البقية فيتوزعون على المحافظات،
ويوجد (27) مخيماً في إقليم كوردستان، (9) منها مخصصة للاجئي سوريا، وروجافا (غرب
كوردستان) توزعت على محافظات إقليم كوردستان في أربيل ودهوك والسليمانية، وتعامل
إقليم كوردستان معهم بإنسانية كبيرة، وقدّمت لهم المساعدات، ودرسوا في المدارس،
والجامعات، وأوجدوا فرص عمل لهم، هذه كانت سياسة إقليم كوردستان تجاه السوريين،
ولم تفرق بينهم من الجانب القومي، بل تعامل معهم بإنسانية، وهذا ما يشيد به
السوريون تجاه إقليم كوردستان؛ لاسيما أنَّ كثيراً منهم كانوا ضد سياسة بشار الأسد
الإجرامية.
إنَّ زيارة رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان
بارزاني إلى دمشق يوم الإثنين (3 آب 2026) أشعلت القنوات الفضائية، ومنصات التواصل
الاجتماعي من المدونين، والمحللين السياسيين، والإعلاميين من الأقلام المأجورة،
والنفوس المريضة الحاقدة، والنطيحة، والمتردية التي اعترضت على رفع علم إقليم
كوردستان بطول (9) أمتار في قصر الشعب هؤلاء المرضى تغاضوا النظر عن علم إقليم
كوردستان الموجود بجانب العلم العراقي في الاجتماع الخاص بين أحمد الشرع ونيجيرفان
بارزاني، وهو تحريض من شخصيات مرتزقة معروفة بتوجهاتها السياسية المرفوعة الثمن
بعض الشخصيات التي حرّضت عبر إحدى القنوات عبر القناة نفسها وضعت إحدى الدول
الإقليمية، وتفتخر بذلك من دون العلم العراقي، ويا ترى عندما زار نيجيرفان بارزاني طهران في عام (2021) رفع علم
كوردستان وحده من دون العلم العراقي، فلماذا لم تعترضوا، وتحدثوا ضجة إعلامية في
حينها؟.
وتجدر الإشارة إلى أن منذ تأسيس
الدولة السورية في سنة (1920) أي على مدى (126) سنة لم يسمح برفع علم كوردستان، أو
أي علم كوردي، وشددت حكومة البعث في سوريا على الكورد بمحاسبة من يرقع علم كوردستان،
واعتقاله وزجه في السجون، ولكن في زيارة نيجيرفان بارزاني رفع علم إقليم كوردستان
في قصر الشعب لأول مرة في تاريخ سوريا.
الدول تحترم الشخصيات القوية التي
لها مكانتها إقليمياً، ودولياً، ولا تهتم بآراء، وكتابات مجموعات تافهة لا قيمة
لها سوى التطبيل لجهات سياسية تحارب نجاحات إقليم كوردستان، لكن هناك آلاف الصفحات
للشخصيات الإعلامية، والمدونين، والسياسيين عبَّروا عن ارتياحهم لهذه الزيارة
المهمة من أجل رسم العلاقة مع دمشق.
بعد سقوط نظام البعث البائد في
عام (2003) اعترف الدستور العراقي لعام (2005) بإقليم كوردستان كإقليم اتحادي قائم
بكيانه الدستوري، ومنح مؤسساته شرعية دستورية حسب المادة (117) أولًا: "يقرُّ
هذا الدستور عند نفاذه إقليم كوردستان، وسلطاته القائمة إقليماً اتحادياً".
وعلم إقليم كوردستان هو علم
قانوني حسب القانون المرقَّم (14) لسنة (1999) من قانون علم إقليم كوردستان العراق
الذي شرّعه المجلس الوطني لكوردستان العراق.
من المفارقات العجيبة، والمتناقضة
أنَّ الأصوات التي تعارض رفع علم إقليم كوردستان في العراق، وخارجه هي نفسها التي
تتغاضى عن انتشار الأعلام غير العراقية في الساحات العامة لاسيما في المناسبات
الدينية، والمقرات الحزبية، والفصائل الخارجة عن القانون، فلا نجد هذه الأصوات
التي تدّعي الوطنية، وتتستر بها تحتجُّ على رفع أعلام دول إقليمية، أو شعارات
تنظيمات خارجية على الرغم من أنَّ ذلك يمثل خرقًا للسيادة الوطنية العراقية بشكل
مباشر، وهناك من يستغل بعض المناسبات الدينية بتوزيع آلاف الأعلام الإقليمية،
ومنهم يرفضون رفع العلم العراقي في العراق.
إنْ كان هؤلاء حريصون على مفهوم
السيادة الاتحادية (الفيدرالية)، فعليهم أن يكونوا لهم موقفاً وطنياً ضد الأعلام
الإقليمية المرفوعة، وليس ضد الأعلام المعترفة بها دستورياً، وقانونياً، والسيادة
المخترقة يومياً من قبل بعض الأطراف الإقليمية.
النظام الاتحادي (الفيدرالي) تعني
الاعتراف بالتنوع، ورفع علم إقليم كوردستان في المناسبات الرسمية ليس تجاوزاً على
السيادة بل هو تأكيد على الطبيعة الدستورية لهذا الكيان في العراق الاتحادي،
وخارجه. أما الذين يتحدثون عن السيادة بانتقائية، فعليهم أولًا معالجة مظاهر
التدخلات الإقليمية قبل الاعتراض على حق دستوري واضح؛ لأنَّ الوطنية ليست شعارات،
ومزاجيات، وقياسات حسب ما تشتهي الأنفس.
نيجيرفان بارزاني في دمشق يقود
حراكاً دبلوماسياً كوردستانياً يفتح أبواب مرحلة جديدة في توقيت إقليمي ملتهب
لإعادة رسم العلاقات، وبناء الشراكات، وتعزيز جسور التعاون من أجل مستقبل أكثر
استقراراً لمنطقة الشرق الأوسط.



