تزداد النقاشات والمخاوف حول المصير الكوردي في سوريا، وفقاً لتسارع التغيرات الخاصة بشرق الفرات. الانسحاب الأمريكي من عدمه وما أحدثه من ضجة، خلق ردود فعل متباينة أعادت بالذاكرة الكوردية إلى الغدر الروسي لجمهورية مهاباد، والتآمر الدولي على الثورة في كوردستان العراق، ولسان حال الكورد "كأن الغدر من حصتنا دوماً".
الطرفة الوحيدة بالموضوع، أو على مبدأ "المُضحك المُبكي" أن تغريدة الرئيس الأمريكي "ترامب" كفلت بكشف أقنعة الأبوجيين الجُدد، الذين بحثوا عن جس نبض هادئ للقفز مُبكراً من سفينة الإتحاد الديمقراطي.
النقاش حول مستقبل القوات الأمريكية هذه المرة ترافق مع الخطاب الجديد لهم. بعد تصريحات بولتن حول حماية الكورد من الخطر التركي، بشيء من تبخّر الجزء الأكبر من مشروع الاختراق التركي لشرق الفرات، فما لم تتمكن من الحصول عليه بوجود الأميركيين ربما لن تستطيع أخذه وهم منسحبون. لكن الجانب التركي يُبدي إصراره على الدخول وإنهاء أيّ تواجد للإتحاد الديمقراطي وذراعه العسكري، من خلال تصريحاته المتتالية.
من الأمور التي أيقظت جذوة الأمل مُجداً خلال الأيام الماضية لدى الكُرد والتي تحمل رسائل مزدوجة: زيارة بومبيو إلى كوردستان العراق ولقائه بالرئيس مسعود البارزاني، ومناقشة القضية الكوردية في سوريا والذي على المستوى الرسمي لا صفة رسمية يحملها، سوى ثقله السياسي والدبلوماسي والشغف الشعبي به، وهي رسالة طمأنة لعموم الكورد، ولقائه مع السيدان نيجرفان ومسرور البارزاني، بما يحمله من رسالتين: الأولى الدعم الأمريكي الكامل لترشيحهما لمنصبي رئاسة الإقليم والحكومة على الترتيب، وما سيؤثر إيجاباً على البيت الداخلي في كوردستان العراق وبدوره التأثير الإيجابي على الوضع الكوردي في سوريا، والثاني الدعم الأمريكي لمسرور البارزاني وكوردستان ضد ورود اسم مسرور البارزاني في قائمة الإرهاب التي أصدرتها هيئة مكافحة الإرهاب وغسيل الأموال السورية. وما تلاه من نقاشات قيادة المجلس الوطني الكوردي في هولير ولقائهم بالرئيس البارزاني، عقب لقاء الأخير مع بومبيو، وتبيان حجم تقليل وتخفيف حدّية التهديدات على المناطق الكوردية، وضرورات الانفتاح الكوردي –الكوردي، وحوارات قيادة حزب التقدمي مع المكتب السياسي للبارتي في هولير، يحملنا النقاش إلى خلق مساحات جيدة للحوار الكوردي –الكوردي في سوريا.
مع ذلك، الانقسام الكوردي –الكوردي يبقى سيد المشهد. فدعوات النظام السوري المتجددة بنوعية الخطاب الجديد، يُشبه الرأي التاريخي الذي يقول: إنه يُعيد نفسه. ففي بدايات الحِراك الشعبي لجأ النظام لدعوة الحركة السياسية الكُردية للجلوس والحوار، كانت النتيجة، انحسار المد السياسي والميداني للأحزاب الكُردية ثم المجلس الكُردي، قابله مدّ مطلق للإتحاد الديمقراطي لسطوته على المنطقة. اليوم دائرة التاريخ ترغب بالعودة إلى الفكرة ذاتها: أين يجد الكُرد ضالتهم؟ ضمن حركة سياسية سوريا "المعارضة" ووفق التخطيط الدولي الجديد للمنطقة أم وفق تقاسم النفوذ ومناطق الصراع وضمن حصة "النظام السوري" منها.
خاصة بعد مرويات الإتحاد الديمقراطي حول الحوار مع النظام بوساطة روسية، على قاعدة الشريط الحدودي مقابل الاعتراف الدستوري بالإدارة الذاتية، وتضارب مواقف وتصريحات النظام العلنية أو على لسان الإعلام الرديف له، حول عدم نية النظام السوري منح الإدارة أيَّ اعتراف، وما عليهم سوى الانضمام للجيش السوري النظامي. رُبما كان بيان وحدات حماية الشعب ودعوة قوات الجيش السوري للدخول إلى منبج للدفاع عنها كمدينة سوريا، ضد شبح التدخل التركي، قبل أيام، دليل واضح عن تفضيل خيار تسليم المدينة للنظام على الدخول في مواجهة مكشوفة مع الجيش التركي وفصائل المعارضة السورية، إضافة إلى الرغبة لاستئناف الحوار مع دمشق مجدّداَ.
تعديل التصريحات الأمريكية حول ضرورة أن تفعل أمريكا كل ما بوسعها لحماية الكُرد في سوريا من القتل، لأنهم حاربوا معهم –في إشارة إلى قوات سوريا الديمقراطية- ولا بد أن يكونوا محميين، دفع بالنظام إلى إعادة النظر في علاقته مع الاتحاد الديمقراطي، وبدا ذلك واضحاً في ليونة التصريحات حول التعاون والحوار الهادئ من الــ/P.Y.D/ لكن ليس كما يشتهيه الحزب بل ربما بعض التفاصيل التي من الممكن أن لا تشبع غريزة حزبً سعى للحفاظ على المنطقة تحت سلطته بمفرده، لكنه سيحاول طلب حصته من الثروات الباطنية بنسبة دستورية ووضع خاص لقواته العسكرية ضمن الجيش السوري إضافة إلى تسوية سياسية لمفهوم الإدارة الذاتية وعلاقتها بالمركز، لكن هل سيمنحهم النظام ذلك أم لا، تبقى الأحجية مجهولة الجواب.
ودفع الإتحاد الديمقراطي بالمؤتمر القومي الكُردستاني، والذي يُعرف اختصارً بـــ"knk" إلى خلق أرضية للحوار الكُردي- الكُردي على أساس فتح مقرات أحزاب المجلس وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، شكلت مخاوف لدى المجلس الكُردي على إنها محاولة لم شمل جميع الأطراف الكُردية تحت "باطه" ثم اختيار الجهة الأكثر مناسبة له.
لكنه سرعان ما تلقت الدعوة أول ضرباته عبر موقف التقدمي على لسان سكرتريه "حميد درويش" بإنه مؤتمر كردي سوري ليس إلا، وإن الحزب لا يقبل الشراكة السياسية، ووصف الديمقراطي الكُردستاني السوري للــ"knk" بالساعية لتسجيل موقف إعلامي وإنها" ليست الجهة المعنية بمثل هذا العمل، وإنما p.y.d هو المعني بذلك" داعياً الإتحاد الديمقراطي "للتواصل دون دعوات مسبقة".
كما سبق ذلك بأيام دعوى الأستاذ حميد درويش إلى مبادرة، غابت عنها القوة الفاعلة، وحضرتها أحزاب كُردية تسعى لحجز مكان لها ضمن أي مشروع كانّ. ما عنى ذلك إن كِلا المُبادرتين لم تلقيا أي نجاح. فالتقارب الكُردي الناجح سينحصر بداية في عودة التقدمي إلى مكانه الطبيعي ضمن المجلس الكُردي، وتهيئة الأرضية لحوار كُردي- طرفه المجلس الوطني الكُردي –كُردي طرفه الإتحاد الديمقراطي.
ويشهد شرق الفرات صراعً حادً لمن يملئ الفراغ، في حال تم الانسحاب الأمريكي، أو على الأقل حجز موطئ قدم تحت الوصاية الروسية أو الأمريكية. ربما تشهد المنطقة تقسيماً جديداً لتوزيع نقاط النفوذ ما بين الرقة ودير الزور ووضعها تحت وصاية القوات العربية، وهي التي تحمل رسالتين: إحداها، رُبما، أعادة تأهيل النظام لاستعادة عضويته في الجامعة العربية، وهذه تحتاج إلى موافقة السعودية تحديداً. والأخرى باعتبارها منطقة عربية صرفة فإنها تتحمل تواجد تلك القوات وستُنهي التواجد الكُردي لديهم، وهو ما يسعى إليه قسم ليس بالقليل من سكان تلك المناطق، ويقطع الطريق أمام أيّ تواجد تركي أو إيراني. أما تواجد القوات العربية في الشريط الحدودي فهي إحدى المعقدات للقضية الكُردية على المدى القريب والمنظور.
زحمة الطروحات، والاجتماعات ومحاولات جرجرة أحدهم للأخر إلى معسكره، قدّ ينتهي المطاف بتقديم الشعب الكُردي الفاتورة الكاملة. النهايات باتت مفتوحة وقريبة من التشكل الأخير لتطبيقها. وبات واضحاً رغبة الجانب الأمريكي تشكيل جيش جديد في شرق الفرات قوامه قوات سوريا الديمقراطية، وقوات بشمركة روج افا، وقوات النخبة العربية، وتشكيل إدارة جمعية حقيقية من مكونات المنطقة، يُلتغى فيه الصبغة الحزبية على حساب الانتماء والروح الوطنية، وهو ما بحاجة إلى أتفاق كُردي على رؤية موحدة حول المصير والطرح الكُردي.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الاعلامية.



