تمتع كُرد العراق عام1991 بمنطقة حظر طيران، خط عرض36 شمالاً، و32جنوباً. لم تكن برضى كافة الأطراف العراقية كُردياً وعربياً. فالكُرد تمتعوا بحكم ذاتي ضمن حيز غير كامل الحقوق جيوسياسياً، ومع ذلك لم يكن لهم سوى الملاذ الآمن والفرصة الوحيدة التي يُمكن لهم الارتكاز عليها للتوسع لاحقاً. والمكون العربي سواء المعارضة أو النظام العراقي لم يستسيغا الوضع لمعرفتهم إنها ستتحول إلى منطقة خارج سيطرتهم دوماً، وخاصة مع التصدعات والضعف الذي أصاب المنظومة الأمنية والعسكرية العراقية بعد حرب الخليج الثانية، وتنامي الرغبة الأمريكية للإطاحة بالنظام العراقي، وهو ما أنتبه إليه الكُرد مُبكراً فأصبحت المنطقة إحدى النقاط الرئيسية بين القيادات الكُردية والمعارضة العراقية.
حاولت القيادات الكُردية العمل على خلق عراق ديمقراطي؛ لمعرفتهم إن غلو تعامل أيَّ طرفً يعني إمكانية إعادة خلق دكتاتوريات جديدة، من جهة أخرى سعياً نحو التأسيس لعقد شراكة جديد، وتأمين الأرضية المناسبة لتطبيق الدستور المتفق عليه. وسعى الكُرد إلى الدخول وبثقل كبير في جدلية كتابة الدستور العراقي وتوسيع حجم الحكم الذي تمتعوا به سواء جغرافياً أو سياسياً أو علاقة أربيل مع المركز ونوعية الحكم وهو ما تُوج بتطبيق النظام الفدرالي الاتحادي والحفاظ على البشمركة كقوة كُردستانية، وعلى الرغم من قضّم واقتطاع أجزاء من الجغرافية التي يُقدم الكُرد دلائلهم التاريخية والمستحاثات الأثرية على كُردستانيتها، لكنها بقيت مشترطة بتنفيذ المادة140 من الدستور العراقي، وأطلق عليه مُجددا إسم الواقع المفروض والمكتسب الكُردي غير الكامل. وعملياً لم يتم الاحتكام إلى الدستور وأستمر مسلسل تنصل الحكومة العراقية من التزاماتها بالشراكة الفعلية.
وسعت الأطراف الشيعية وبموافقة أمريكية لعدم ضم أبرز منطقتين "كركوك والموصل" إلى أديم كُردستان. فالأولى كانت أحدى أشد المعارك السياسية والعسكرية بين الكُرد في ثوراتهم/أيلول، كولان/ والنظام العراقي، والثانية تشكل خط اكتمال الحدود الجغرافية الكُردية في العراق لو دخلت ضمن الحيز الجغرافي الكُردي، وتشكل في الوقت نفسه خط وصول إيران إلى المتوسط لو بقيت مع القوى الشيعية المؤتمرة بإيران.
امتلكت كُردستان مقومات الدولة الكُردية بدء من الاقتصاد والجيش والتعددية الثقافية والسياسية، مروراً بانعدام التوترات المبنية على صراع الأقليات والقوميات وانتهاء برغبة شعبية عارمة، خاصة بعد عقود من الصراع السياسي مع بغداد حول ضرورة تطبيق الدستور وتفعيل المادة 140 واتجاه العراق نحو الدولة الفاشلة والطائفية المتثوبة برداء المواطنة. وهو ما دفع بالمالكي لمحاولة الهجوم على الإقليم عبر قوات التي سُميت ب"دجلة" لكن فكرة توجيه تنظيم الدولة/داعش/صوب الإقليم كانت لتأتي بثمارها أكثر لسببين مُركبين: أولهما أن منظومة الدفاع العراقية هشّة ونخر فيها الفساد ومن المحتمل أن لا يصمد أمام المد الشعبي المؤازر لقوات البشمركة خاصة وأنه سيبدو إعادة تكرار سيناريو صراع الكُرد مع حكومات المركز. وثانيتهما: الانتصار العسكري الكُردي ضد الجيش العراقي يعني بقاء تلك المناطق تحت سيطرة المنتصر بكونه حرب داخلية ويبدوا الكُرد في حالة الدفاع عن النفس، أما في حالة داعش فإن الأراضي الكُردستانية ستعود للمركز حتى البت بها مُجدداً.
لم يجد الرئيس مسعود البارزاني مفراً من إعلان الاستفتاء حفاظاً على أراضي الإقليم وحقوق شعب كُردستان، وهي الأخرى وجدت نفسها مُحاصرة بتنظيمات محلية، وإقليمية وعالمية. وتوافر الإرادة الدولية لمنع الشعوب في إقرار مصيرها وتنفيذ رغباتها. عدا منعهم من وجود دولة جديدة تدخل ميدان بيع الغاز والنفط والزئبق وما شابه. ونادرً ما يحظى مشروعٌ محلي رسمي بإقبال جماهير واسع بقاعدة عريضة لمؤيدي وجماهير الأحزاب المتعارضة والمتنازعة تاريخياً وفكرياً، وتحت رقابة دولية.
ووجود نافذة ديمقراطية لشعوب انتهت فضيلة الصبر لديها، مع غّلو الطفح نحو الحريات في المنطقة لن يكون من السهل إغلاقها مُجددا مع رياحها المتنقلة لباقي المناطق ودول الجوار، فالغرب لم يكن صادقاً مع الكُرد وتطلعاتهم الشعبية والقومية، رُبما إرضاءً أمريكي لتركيا وإبعادها عن المحور الروسي، وترضية لإيران ومعضلة برنامجها النووي. لكن الثابت في الأمر إن مبادئ ولسون في حق الشعوب في تقرير مصيرها لم يعد لها من مصداقية لدى الشعوب التواقة نحو حقوقها. والثابت الأخر أن صدّ الرغبة الكُردية الشعبية والسياسية الرسمية، جاءت بثمارها لصالح سياسة إيران في المنطقة، عدا عن إمكانية توافر رغبة خليجية بالحضور السياسي في العراق ككيان موحد وليس مُفتت خاصة مع فقر وجدباء البنية التحتية للمناطق السنية والتيه الذي يعيشه السنة في العراق.
في حين أن ثقافة الإرهاب كإرث مبني على السياسات المُتعبة ضد الشعوب في المنطقة يُمكن التخلص منه بسهولة مقارنة بالحقوق والديمقراطية، والقضاء على الإرهابيين أسهل وأيسر من إنهاء مشاريع تحظى بحاضنة شعبية ضخمة، وتجفيف منابعه كثقافة زُرعت بمفاعيل دولية تحتاج إلى عقود ما يُبعد شعوب تلك المناطق عن التفكير بأمور خارج عن التأطير.
وهو ما يُمكن الحديث عنه حول إسدال الستار عن دولة الخلافة التي أستيقظ الناس في سوريا والعراق على وقع تدحرج الرؤوس وحرق الأجساد. داعش، وأن انتهت جُغرافياً في سوريا والعراق بزخمها وخوفها الذي زرعته في العقول قبل القلوب، إلا أن الأكثر رواجاً أن تعود إلى حضن تنظيم القاعدة، لتبدأ عملية الانتشار مُجدداً وربما بإسم جديد، أو تحت "دعشنة" الذين يشعرون بفقدان فرصتهم بأداء واجباتهم المُقدسة حسب زعمهم.
لا يزال زعيم تنظيم داعش حُراً طليق. الذي أنحصر عناصره العسكرية ببضع أمتار في قرية "الباغوز" قبل أن تُنهي قوات سوريا الديمقراطية والضربات الجوية للتحالف الدولي الفلول المتبقية لهم، ما يشي بإمكانية إعادة أحياء التنظيم، لكن ربما في مدن ودول أخرى خاصة اليمين لتشديد الخناق على السعودية واستنزاف إيران أكثر، وليبيا وسواحل البحر المتوسط لغزارة أبار النفط وإتمامه دوره المنوط به، أو التوجه صوب تُركيا وإيران. الأولى لغزارة اقتصادها المُصدر للخارج ودرها المحوري في الشرق الأوسط والعالمين العربي والإسلامي، وعدم الرغبة برؤية دولة قوية بصبغة إسلامية يُمكن لها أن تُقابل الهيمنة الأمريكية أو تنجح في خلق موازين قوى جديد. أو تتجه صوب إيران نتيجة التغلغل المذهبي في الشرق الأوسط وبعض دول شرق أسيا، إضافة إلى كونها قوة أسيوية رُبما تشكل خطراً على المشروع الأمريكي في المنطقة مستقبلاً، ما لم يكن تحت السيطرة الكاملة. ومع استسلام وإلقاء القبض على حوالي"65" ألف مابين مُقاتل أو عوائلهم..إلخ، وهو ما يعني بمرحلة مُقبلة شديدة التعقيد، إذا لم تسارع الأمم المتحدة والمنظمات الدولية للتدخل، إذ كيف ل60ألف مقاتل قوام سوريا الديمقراطية حِراسة "65" ألف مُحتجز.
ما صنعه داعش، كفيل عن إشغال العالم كُله عن الإسلام المُعتدل لعقود أو قرون حتى، فستبقى قصص قطع الرؤوس وحرق الأجساد ودفن الأحياء أو رميهم من مناطق مرتفعة، صوراً ورموزاً وشواهد على أسوء حُقبة عرفها التاريخ في سوريا والعراق، وحتى أن سيرهم ومروياتهم ستبقى شواخص لمراحل لن تندمل ذكريات ملايين المتضررين منهم على المدى البعيد.
الطرف الثالث من معادلة تغير الخرائط في الشرق الأوسط تتمحور حول المنطقة الكُردية في سوريا والتي تُعرف حالياً بــ/روج افا/ التي تاه الطرفان الكُرديان عن إيجاد مشروع دائم لهما في اللعبة السياسية الدولية والإقليمية، واستمر المجلس الكُردي البقاء ضمن صفوف الحركة السياسية السورية، بينما أدعى الإتحاد الديمقراطي تمسكه بالخط الثالث، وتقربه من النظام تارةً ومن الروس لاحقاً، والتفاهم الحالي مع أمريكا عسكرياً ، والأخير –إتحاد ديمقراطي- أدرك عدم نجاح رؤيته بعد اختصار قوى التفاوض على النظام والمعارضة، وإقحام طرف مُحايد ومستقل تحت إسم المجتمع المدني في اللجان الدستورية، وإبعاد الإتحاد الديمقراطي من القوائم الثلاث، لكنه مستمر في تشكيلاته السياسية وتقسيماته الإدارية بشكل منفرد، مع بقاء الطرف الأول على طروحاته النظرية حول إقليم كُردستان سوريا.
المنطقة بحاجة إلى قوة لمسك الأرض، ولو أحسن النظام السوري التعامل مع شروط مجلس سوريا الديمقراطية، رُبما وجدنا اليوم تغيراً في الخارطة السياسية والعسكرية والعلاقات بين الإتحاد الديمقراطي والنظام السوري، لكن بقيت الأمور على حالها. رُبما أن التقرب التركي الروسي جاء في إحدى بنوده المركبة: منع تركيا من إدارة المنطقة الآمنة مع الفصائل المحسوبة عليها، وعدم سعي أمريكا لإنهاء الإتحاد الديمقراطي. القوات الأوربية قادمة دون شك لمؤازرة الــ/200/جندي أمريكي لحماية المنطقة وتوجيه الطرفان الكُرديان نحو ما يسع الغرب لتنفيذه، سواء لجهة المشاركة السياسية في سوريا المستقبل، أو مضاعفة الجهود للقضاء على بقايا وخلايا داعش، وهذه بالتحديد رُبما تكون من مهام التشكيلات العسكرية والأمنية والإدارية الجديدة التي باتَ واجب وجودها وفق رغبة الغرب في هذه المنطقة، وهي ستكون مؤلفة من الأطراف الفاعلة والرئيسية في المناطق الكُردية. ورُبما ما يُبقي على امتعاض الإتحاد الديمقراطي، استمرار المجلس الكُردي المطالبة بدخول قوات بشمركة روج افا إلى المدن الكُردية في سوريا.
ولو توجه الطرفان الكُرديان صوب الواقعية التي تحلت بها قيادات إقليم كُردستان العراق إبان خط36 ثم دستور العراق والمادة140 وحتى الفترة الحالية وما عانه الإقليم من ضغط وحرب شرسة بغية إنهائه، لأدركت الأطراف السياسية الكُردية أن أمريكا لن تُطلق يد أحدهم في المنطقة بشكل مطلق دون الأخر، وستحافظ على شكل التوازنات الكُردية المطبقة في إقليم كُردستان، في المنطقة المُمتدة بين نهر دجلة حتى شرق الفرات.
لم تعد أفكار العيش المشترك والتعددية والمساواة تجد مكانة في عقول الأجيال الجديدة، وبات لزاماً توافر كُل شيء جديد بما فيها أنظمة الحكم وشكل الدولة. خاصة وأن الصيرورة التاريخية تفرض مشيئة استمرار الكُرد في محاولات إعلان دولتهم مع باقي مكونات كُردستان، وستبقى ثقافة داعش متوافرة لعقود طويلة. ولم يعد أمام الغرب سوى حفظ ما تبقى من ماء وجهه والتوجه صوب إرادة تلك الشعوب.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له أي علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



