رووداو ديجيتال
في المرة الأولى التي زرت فيها إسطنبول في مهمة صحفية، كانت في شتاء عام 1996، بعدها توالت الزيارات المهنية والسياحية، فهذه المدينة المزدحمة بالألوان، ومآذن جوامعها التاريخية وقبابها التي تبدو مثل أكفّ تتضرع للسماء، والقصور والأبنية العثمانية وبحرها، والأصوات والموسيقى والمطاعم والتراثيات، تشدّ من يزورها ليدمن الذهاب إليها.
قبل 30 عاماً، في زيارتي الأولى، التقيت بشاب كنت أنقل له رسالة من صديق كوردي، قريب له، في لندن ويعمل في مكتبة للكتب الفنية، وفلت مني سؤال صحفي سريع: "كيف وضع الكورد هنا؟"، فما كان منه إلا أن يضع كفّه على فمي ليمنعني من الكلام، وقد تغيرت تعابير وجهه، وهمس في أذني بإنكليزية ضعيفة وقال: "أنت مجنون"، وتركني، لأعرف فيما بعد من صديق كوردي عراقي من أربيل التقيته هناك بأن الكوردي تهمة قد يُلاحق عليها قانونياً.. كان ذلك قبل 30 عاماً.. أما اليوم فقد تغيرت الأمور كثيراً.
قبل يومين كنت على ظهر طائرة كانت تحلق على ارتفاع منخفض فوق مدينة إسطنبول، حيث أول ما بانت مآذن وقباب جوامعها التاريخية كعلامة مميزة لها، إلى جانب بحرها المزدحم بالسفن والمراكب.. وعندما دنت الطائرة من الأرض شاهدت سورها الذي ما تزال بقاياه تحتضن القسطنطينية، الاسم القديم للمدينة. وما يزال أهلها يميزون جغرافيتها حسب التقسيم الشائع، ما بداخل السور، أو ما خارجه.
يحق لنا أن نصف مطار إسطنبول الدولي بالمدينة، مطار شاسع وشاسع جداً، وعند حاجز الجوازات يتدفق نهر من المسافرين يكاد لا ينقطع.. مسافرون جاءوا من كل حدب وصوب، وهذا ما منحني تصوراً صحيحاً عن مدى ازدحام إسطنبول.

سألني سائق التكسي عن المدينة التي جئت منها، فقلت: أربيل.. ابتسم وقال بلغة عربية ضعيفة: "أربيل.. كوردستان.. حلو"، وأردف بفخر: "أنا كوردي من ماردين"، ليقودني إلى فندق صغير صاحبه كوردي من ديار بكر، والذي استقبلني بترحاب كبير. أوضح لي موظف استعلامات الفندق بأن القهوة المجاورة صاحبتها كوردية، والمطاعم الثلاثة في أول الشارع كوردية، وأصحاب المحلات (السوبر ماركت) في هذا الشارع كورد، موضحاً بأن المنطقة ليست كوردية بالرغم من أن غالبية سكانها وأصحاب المصالح فيها هم كورد.
في المساء كان لا بد من القيام بجولة في منطقة تقسيم، ومن ثم التجوال بين مقاهي ومطاعم شارع الاستقلال، وأخذتني ذاكرتي إلى ما قبل 30 عاماً، حيث لم يكن أحد ليجرؤ ويتحدث في وسط إسطنبول باللغة الكوردية، لكنني الآن أسمع أغاني وموسيقى حية كوردية بصوت مطربة تنطلق من أحد المطاعم. سألت الشاب الذي يقف عند باب المطعم: "هل هذا المطعم كوردي؟"، أجاب مبتسماً: "نعم، الأغاني كوردية والطعام كوردي".. صار الكورد هنا لا يتحدثون اللغة الكوردية بصوت عالٍ فقط، بل يغنون بالكوردي أيضاً.

حسب المعلومات الرسمية والإعلامية، فإن عدد الكورد في مدينة إسطنبول يُقدر بأكثر من 5 ملايين نسمة، من أصل 15.7 مليون نسمة هم سكان إسطنبول، ما يجعلها أكبر تجمع سكاني للكورد في أي مدينة حول العالم، متجاوزةً بذلك العديد من المدن الكبرى في مناطق كوردستان. ويبلغ إجمالي عدد الكورد في تركيا 20 مليون نسمة، أي إن نسبتهم تبلغ 20% من عدد نفوس تركيا.
لا تستغرب وأنت تتجول في بعض مناطق إسطنبول أن تجد فندقاً يحمل اسم "دهوك"، أو مطعماً باسم "أربيل"، يقدم وجبات طعام كوردية قريبة أو هي ذات الأكلات الموجودة في مطاعم إقليم كوردستان. قلت لصاحب المطعم، وهو من ديار بكر أصلاً: أنا مقيم في أربيل، ابتسم وقال: "أنا زرتها 3 مرات، مدينة جميلة".

فيان شابة تدير مقهى (آريا الفني)، "ذلك لأننا عائلة فنية، فأنا ممثلة مسرحية وسينمائية وأختي مخرجة سينمائية ومصممة، وزوجها مخرج سينمائي معروف". تصاميم المقهى الداخلية والخارجية ذات لمسات كوردية، صور وألوان تمثل التراث الجمالي الكوردي، توضح: "هذا المقهى (بزنس) عائلي، تملكه أمي ونديره أنا وأخوتي وبنات عمي، أختي الكبرى فنانة تشكيلية وسينمائية، هي من صممت (ديكور) المقهى حسب دراستها للموروث الكوردي". وعندما سألتها عن صورة كبيرة لقلعة أربيل معلقة في الواجهة الداخلية للمقهى قالت: "حسب ما أخبرتنا أمي، فإن عائلتها كانت تقيم في قلعة أربيل قبل أن تنزح إلى ديار بكر ثم إسطنبول، لهذا فإن أصلنا من كوردستان العراق، وأخطط لاصطحاب أمي إلى أربيل والسليمانية ودهوك قريباً".
عمر، رجل في أواسط الأربعينيات من عمره، يملك مخبزاً صغيراً يقدم، إضافة إلى الخبز التركي المعروف، فطائر مختلفة، هو أيضاً كوردي، وعندما قلت له: "سباس كاكا"، ابتسم ورد قائلاً: "سرجاو كاكا"، موضحاً بأن عائلته جاءت من ديار بكر قبل مئات السنين، "وورثت هذا المخبز عن والدي.. لا نشعر بأن هناك مشكلة في انتمائنا، فنحن كورد أتراك ونمارس حياتنا حسب تقاليدنا وثقافتنا القومية بحرية كاملة".

عندما دخلت إلى محل (ديار)، وهو أكبر محل لبيع الآلات الموسيقية التراثية في إسطنبول، بحثاً عن آلة (الكمنجة) التركية، حسب توصية من ابني نورس، عازف على آلتي الجوزة والكمان، لأبعثها له إلى أستراليا، شدني عزف على آلة الـ(ساس) الكوردية، والتي تسمى بالتركي (بغلمة)، حسب إيضاح العازف إبراهيم حلبي، موضحاً باللغة العربية: "نحن من أكراد حلب في سوريا، وعائلتنا نزحت إلى إسطنبول من سنوات طويلة، وتعلمت هنا العزف على آلة الساس وآلات موسيقية كوردية أخرى، ويُعد هذا المحل من أكبر المتاجر التي تبيع الآلات الموسيقية الكوردية في عموم تركيا، وليس في إسطنبول فحسب، فالموسيقى الكوردية هنا شائعة ومرغوبة سواء في الحفلات العامة والخاصة، وهناك إقبال كبير على شراء هذه الآلات، وزبائننا من كوردستان العراق وإيران وسوريا، إضافة إلى الكورد والأتراك هنا في إسطنبول".



