تفرض التحولات الجيوسياسية
والتقلبات المتسارعة في سوريا مجمل المشاريع السياسية لاسيما الكوردية منها في قلب
المراجعة التاريخية لاختبار مدى القدرة البنيوية على الاستدامة. فالتطورات
الإقليمية والدولية الراهن تُخضِع الواقع السياسي لمنطق التوازنات الواقعية
والحيوية اقتصادياً وأمنياً بعيداً عن الطروحات السياسية ذات السقوف التفاوضية
العالية والاستنساخ لتجارب إقليمية سابقة لا تناسب الخصوصية المحلية.
وفي صلب هذا المشهد التنافسي،
يواجه الخطاب والفكر السياسي الكوردي امتحاناً عميقاً وأشد تعقيداً اليوم في ظل
لحظة مكاشفة سياسية، وذلك لضمان عدم اختزال التطلعات الحقوقية في قوالب سياسية
معدة مسبقاً وعابرة للحدود والوقوف على حدود التمايز الجيوسياسي، وفي طليعتها
تجربة إقليم كوردستان العراق - جنوب كوردستان.
فرضت الخصوصية السورية تجاوز
الفيدرالية الجغرافية، التي تعد الخيار الآمن بالنسبة للكورد، لصالح اللامركزية
التنموية كمسار إعادة تأطير يحمي الحقوق الكوردية من فخ النزاع والصراع بمنأى عن
تفريغها من مضمونها الأساسي أو ارتهانها لصدام السيادة والحدود، ومأسستها ضمن عقد
وطني جامع بصورة مستدامة. هذا التحول لا يلغي الطرح الكوردي لللامركزية السياسية
ولا تنازل عن مطالب الكورد التاريخية، بل هو تعاطٍ مرحلي يراعي جوهر اللحظة
الجيوسياسية الحاسمة؛ إذ بدلاً من الاستنزاف الصفري لابد من إعداد استراتيجية
واقعية تتيح الاستثمار في الممكنات الراهنة والصعود منها نحو انتزاع الغاية
السياسية والمشروع الحقوقي الكامل.
تستدعي الواقعية السياسية
والتعاطي المسؤول مع اللحظة الراهنة مفاضلة موضوعية وتفكيكاً دقيقاً وتمييزاً
حاسماً بين سياق الظروف البنيوية والتاريخية لنشأة التجربة الكوردية في العراق،
وبين الخصوصية الحاكمة للمشهد السوري الانتقالي. إن هذا التفكيك لا يستهدف التنازل
عن المطالب الكوردية أو النيل من مشروعيتها والمساس بحضورها التاريخي والدستوري،
بل يسعى إلى الحفاظ عليها وصونها من مخاطر الذوبان والخيارات الصدامية ومسارات
الإقصاء والتهميش. إن محاولة محاكاة النموذج الفيدرالي الكوردي في العراق تلقائياً
وإسقاطها على الجغرافية السورية بصورة عابرة للواقع تغفل تمايزات هيكلية تجعل
الطرح الفيدرالي مشروعاً يفتقر لمقومات الاستدامة فضلاً عن كونه خياراً مثقلاً
بالمخاطر، وذلك وفق المحددات التالية أبرزها:
أولاً- المظلة الدولية والبيئة
الدستورية
تشكلت الفيدرالية الكوردية في
العراق وانتزعت شرعيتها السياسية تحت مظلة توازنات دولية فارقة واستثنائية؛
تمثَّلت بقرار مجلس الأمن (688) لعام 1991 كحماية قانونية وأيضاً توفير حماية جوية
(منطقة حظر طيران)، أبعدت يد السلطة المركزية إلى أن تُوِّج باعتراف دستوري واضح
وصريح عام 2005، أما بالنسبة لغرب كوردستان في المشهد السوري، هناك حالة من
الافتقار إلى قرار أممي مماثل أو حماية دستورية حقيقية؛ حيث الدفع باتجاه الحفاظ
على وحدة الأراضي السورية، ما يقوض فكرة بلورة اللامركزية السياسية أو الفيدرالية
الجغرافية، ومحاولة التمسك بإحداها ليست إلا صداماً حقيقياً مع مبدأ سيادة الدولة
وشرعية القرار الأممي.
وبدلاً من إبقاء الحقوق الكوردية
معلقة على موازين الدعم الدولي وتحولاته الطارئة، ينبغي فرضه كجزء أصيل من العقد
الدستوري المستدام والصريح في قلب الدولة السورية الجديدة؛ حيث تثبيت الحقوق
السياسية والثقافية واللغوية الكوردية، وتستمد حمايتها من الإطار الدستوري لسوريا،
لا تتأثر بتغير الحسابات الدولية.
ثانياً- الجغرافية المتصلبة
والتفتت الديموغرافي والمكاني
يستند إقليم كوردستان العراق (الفيدرالية
العراقية) إلى جغرافية متصلة ذي تجانس وتماسك ديموغرافي طبيعي، بلور بيئة طبيعية
لتأسيس السلطة وتحديد النطاق الإداري له ورسم حدوده الفيدرالية على هيئة مستقرة
نوعاً ما لاسيما على المستوى السياسي والجغرافي. في المقابل، ينتشر المدى الجغرافي
الكوردي في غرب كوردستان ضمن مساحات جغرافية متفرقة تفتقد إلى الاتصال الجغرافي،
ويتداخل مع نسيج وثقل ديموغرافي متعدد من العشائر والمكونات الأخرى. هذا المعطى
يجعل تحويل غرب كوردستان إلى إقليم قومي كوردي مسألة معقدة تواجَه بصدام حقيقي ومباشر
مع الواقع الديموغرافي والجغرافي معاَ ويضع الحقوق الكوردية في أزمة مع الجوار
المجتمعي، وهذا ما ينعكس محلياً في صورة تهميش للمكونات الشريكة في المنطقة.
إن ضمان الحقوق الكوردية يمر عبر
تثبيت الاعتراف الثقافي والسياسي للكورد على امتداد الخارطة السورية كاملة بما
فيها المدن الكبرى كدمشق وحلب (البنية الدستورية للدولة)، لا عبر اختزال القضية في
كانتونات جغرافية محاصرة ومغلقة؛ فالمقاربة الأكثر استدامة تتمثل في تحويل هذه
الحقوق إلى ضمانات دستورية ومواطنة متساوية كجزء مستقر من العقد الوطني دون
تحويلها لمصدر التنافس أو الصراع.
ثالثاً- الحصار الجيوسياسي وسد
ذرائع الاستنزاف
رغم التحفظات على مر التاريخ لدول
جوار النموذج العراقي الفيدرالي، إلا أن إقليم كوردستان العراق نجح في مناورة
الحصار الإقليمي وتحييد ضغوطها نسبياً عبر تأسيس علاقات وفقا للمصالح المتبادلة،
وشراكات متوازنة اقتصادياً وتجارياً وجذب الاستثمارات، وهذا ما لا يمكن إيجاده في
غرب كوردستان؛ حيث البيئة المحاصرة بحدود مغلقة ذي التماس المباشر مع الجانب
الرافض لفكرة الطموح الفيدرالي (تركيا مثلا) أو نشوء أي كيان ذي صبغة إدارية أو
قومية مستقلة، هذا الوضع يكرس واقعاً مستداماً من الانسداد الجيوسياسي والتوتر
العسكري، ويضع أي مشروع فيدرالي تحت وطأة الهشاشة الأمنية والاستنزاف الاقتصادي
المتواصل. ومن هنا، فإن تفكيك المقاربات الأمنية التقليدية والانتقال نحو أنماط
حوكمة تشاركية تستوعب الجميع يشكل ركيزة أساسية واستراتيجية لحماية الكورد وضمان
حقوقهم في التنمية والاستقرار.
رابعاً- مأسسة الحقوق وتجاوز
الازدواجية الفكرية
ارتكز النموذج العراقي على خطاب
قومي صريح وإدارة ذي طابع سيادي بقيادة الأحزاب التاريخية عبر الاندماج في
المعادلة الوطنية وهيكل الدولة والمنظومة الاقتصادية والسياسية إقليمياً ودولياً.
في حين أن الواقع السوري يرى في الطرح اللامركزي أو الإدارة الذاتية أو الفيدرالية
حلاً يتحرك خارج الأطر القومية التقليدية لصالح الشراكة الديمقراطية، ما أُطر
المطالب ضمن حدود اللامركزية التنموية والإدارية فقط للحيلولة دون اتساع فجوة
الازدواجية السياسية والفكرية في المنطقة.
لكن أعتقدها وفي ظل المرحلة
الانتقالية التي تمر بها سوريا لبنة يمكن البناء عليها نسبيا لدسترة الحقوق وتفعيل
اللامركزية مستقبلاً والحصول على النسبة المحقة للكورد في ظل الجغرافية التي
يقطنونها؛ ما يعني حماية المكتسبات من تداعيات الفراغ السياسي ومنطق الالتباس
الفكري، وإعادة صياغتها ضمن رؤية سياسية حديثة قابلة للتطبيق الدستوري.
خامساً- العقيدة العسكرية وهيكلية
توازنات القوة
يكمن الفارق بين المنظومة
العسكرية الممثلة بالبيشمركة الموحدة في الإقليم، وبين الجيش الذي تتداخل فيه
تحالفات شريكة فرضها وجود التنظيمات الإرهابية ضمن الخارطة العسكرية في غرب
كوردستان، هذا التعقيد يربك البنية التحالفية لهذه القوة المركبة ويزيد من هشاشة
توازناتها الداخلية والميدانية في حال وُظِّفت في إطار نموذج سيادي قائم على
الانغلاق القومي والإقليمي. إن الضمانات الرسمية تتكامل مع وعي الفرد عبر تحويل
عملية الاندماج التي تمت إلى نضال سياسي ومدني بنص دستوري صريح عبر تخصيص ميزانية
ثابتة وإبقاء حماية مناطق غرب كوردستان بيد أبنائها وبرعاية أممية.
أخيراً، في خضم المشهد الحالي بات
التحول نحو اللامركزية التنموية واقعاً يجب استثماره من قبل الكورد لصيانة
المكتسبات من خلال الشراكة والاعتراف الدستوري: فهل تستوعب العقلية السياسية
السورية اليوم- وعيها بتجربة إقليم كوردستان- أن اللامركزية التنموية هي الصيغة
الوحيدة لإعادة بناء سوريا الجديدة على أسس الشراكة والعدالة والمواطنة؟.

.jpg&w=3840&q=75)

