على مدار قرن كامل منذ تأسيس
الدولة العراقية الحديثة عام 1921، عاش المجتمع العراقي بكل أطيافه في دائرة مفرغة
من الصراعات الدامية والانتكاسات المتتالية. لم تكن عقود العراق المتعاقبة سوى
حكايات مأساوية عن التهميش، والحروب الداخلية، والانقسامات العرقية والطائفية التي
أكلت الأخضر واليابس.
لقد دفع العراقيون ثمناً بشرياً
ومادياً هائلاً نتيجة خطأ تاريخي متكرر: إدارة الدولة بمنطق القوة الغاشمة
والأغلبية العددية، لا بمنطق الشراكة والعدالة. فخلال هذه المسيرة الطويلة، تشير
التقديرات التاريخية والإحصائية إلى تضرر ملايين العراقيين؛ إذ تعرض الكورد لعقود
من الحملات العسكرية، والتهجير القسري، ومآسي الإنفال وقصف حلبجة التي راح ضحيتها
نحو 182 ألف مدني، فضلاً عن مئات الآلاف من المشرّدين.
وفي ذات الوقت، دفع العرب،
بشيعتهم وسنتهم، فواتير باهظة من أرواح أبنائهم في حروب عبثية واقتتالات داخلية
وتفجيرات طائفية حصدت أرواح مئات الآلاف وأدت لترمل ملايين النساء وتشريد نحو 5
ملايين مواطن داخلياً خلال العقود الأخيرة وحدها. ولم تنجُ المكونات الأصيلة
الأخرى؛ فالإيزديون واجهوا إبادة جماعية مروعة وموجات نزوح جماعي طالت مئات الآلاف
واختطاف الآلاف منهم على يد التنظيمات الإرهابية، بينما تراجع العدد الإجمالي
للمسيحيين في العراق من أكثر من مليون ونصف المليون نسمة لتنخفض أعدادهم بشكل
دراماتيكي نتيجة الهجرة القسرية بحثاً عن الأمان.
من رحم هذا الإرث الثقيل المليء
بالدموع، والدمار، والتشريد، جاءت كلمات رئيس إقليم كوردستان، نيجيرفان بارزاني،
في القمة الاقتصادية بالسليمانية لتمثل قراءة واعية واستثنائية لتاريخ العراق. حين
يصر نيجيرفان بارزاني ويكرر بأن "تطبيق الدستور هو مفتاح حل مشاكل
العراق" وأن الدستور هو "العقد الاجتماعي بين المكونات"، فإنه يطرح
سؤالاً مصيرياً بصيغة تحذير عميق: هل المطالبة بالدستور اليوم مجرد "ترف
سياسي" عابر، أم هي "يقين تاريخي" لا بديل عنه لمنع تكرار تلك
الفظائع؟.
إن الإجابة تتجلى بوضوح في قسوة
قرن من الصراع المرير. إنه يدرك تماماً أن نزيف الدم التاريخي في العراق ما هو إلا
نتاج غياب عقد اجتماعي حقيقي يطمئن الجميع. رؤية نيجيرفان بارزاني تنطلق من حقيقة
ساطعة: أن قوة العراق الحقيقية لا تنبع من إخضاع مكوناته أو تهميشها، بل من
تكاملها واجتماعها تحت مظلة قانونية جامعة، حيث أكد بوضوح أن "قوة العراق هي
قوة إقليم كوردستان". وعندما يطالب بأن تكون حقوق المكونات مصانة بالدستور
وألا يلجأ أي طرف للقوة والعدد، فهو يوجه رسالة إنقاذ بأن تجارب الإقصاء السابقة
لم تُنتج سوى الخراب لدولة عريقة.
ولم يتوقف الطرح عند حدود السياسة
والتاريخ، بل امتد ليعانق الواقع الاقتصادي فدعوة شركات إقليم كوردستان للاستثمار
في وسط وجنوب العراق تمثل خطوة عملية لترسيخ "السلم المجتمعي" عبر
المصالح المشتركة، متجاوزين جدران العزلة التي بنيت طوال عقود من الصراع.
إن العراق اليوم يقف أمام وقفة
تاريخية مع الذات. فإما أن يستمر في اجترار أخطاء قرن كامل من الصراعات والتخندقات
معتبراً الدعوات الدستورية مجرد شعارات، وإما أن يدرك أنها "يقين
تاريخي" يحمي الجميع من ويلات الحروب. إن السلام المجتمعي لن يتحقق بالصدفة،
بل بالاعتراف بأن العدالة الدستورية والشراكة الحقيقية هما طوق النجاة الوحيد
لضمان ألا يتكرر كابوس المائة عام الماضية.
.jpg&w=3840&q=75)


