عز الدين ملا
حين تُذكر ثورة أيلول التحررية عام 1961، فإننا لا نتحدث عن صفحة عسكرية عابرة في تاريخ العراق ولا عن مواجهة مسلحة بين حركة كوردية وحكومة مركزية يمكن اختزالها في أسماء الحكام أو نتائج المعارك. نحن أمام واحدة من أكثر المحطات تأثيراً في التاريخ السياسي والاجتماعي والقومي للعراق الحديث، لأنها عبرت في الوقت نفسه عن بعدين متلازمين، بعد قومي تمثل في دفاع الشعب الكوردي عن هويته وحقوقه ووجوده السياسي، وبعد وطني تمثل في السعي إلى عراق ديمقراطي تعددي يعترف بأن قوة الدولة لا تُبنى بإلغاء مكوناتها، وإنما بالشراكة بينها على أساس الدستور والقانون والمساواة.
ومن هنا، فإن اختزال أيلول في كونها تمرداً مسلحاً أو نزاعاً بين الكورد والحكومة المركزية، أو تصويرها باعتبارها مشروعاً انفصالياً منذ بدايتها، لا يقدم قراءة كاملة لهذه التجربة. فالتمرد قد ينطلق من لحظة غضب، أما الثورة فتحتاج إلى قضية ووعي وقاعدة اجتماعية ومشروع يتجاوز لحظة المواجهة. وثورة أيلول امتلكت هذه العناصر نتيجة تراكم طويل من الإشكالات المتعلقة بالحقوق القومية للشعب الكوردي، وتعثر المسارات السياسية والدستورية، وتراجع مساحة الديمقراطية، وفشل الوصول إلى صيغة مستقرة للعلاقة بين بغداد وكوردستان.
كان السؤال الكوردي، في جانب أساسي منه، سؤالاً عن طبيعة الدولة العراقية نفسها، هل يمكن أن تكون الدولة دولة لجميع مواطنيها وقومياتها ومكوناتها؟ وهل يمكن الحفاظ على وحدة العراق من دون الاعتراف بحقوق الشعب الكوردي وهويته القومية؟ وهل تكون الوطنية في إنكار الاختلاف، أم في بناء إطار سياسي يستطيع احتضان هذا الاختلاف وحمايته دستورياً وقانونياً؟
البعد القومي في ثورة أيلول واضح ولا يحتاج إلى إخفاء أو تبرير. فقد كانت دفاعاً عن هوية شعب وعن حقه في الاعتراف به دستورياً وسياسياً وممارسة حقوقه القومية والثقافية والإدارية وأن يكون شريكاً في وطنه لا تابعاً فيه. وكانت القضية الكوردية في جوهرها قضية اعتراف وحقوق وكرامة. ولم يكن منطق الثورة يقوم على إنكار العراق، بل على رفض عراق ينكر أحد مكوناته الأساسية.
وهنا تبرز أهمية التفريق بين المطالبة بالحقوق القومية وبين الدعوة إلى الانفصال. فالدفاع عن الهوية القومية لا يعني بالضرورة تفكيك الدولة، كما أن الاعتراف بالهوية الكوردية لا يعني إلغاء الهوية العراقية. فالكوردي يستطيع أن يكون كوردياً وعراقياً في الوقت نفسه، كما يستطيع العربي والتركماني والكلداني والآشوري وسائر مكونات العراق أن يحملوا هوياتهم الخاصة ضمن إطار وطني جامع. والوطنية الحقيقية لا تتطلب التخلي عن الهوية، بل أن يجد الجميع في الدولة إطاراً يحمي هوياتهم ويضمن حقوقهم.
لهذا كانت أيلول قضية وطنية بقدر ما كانت قضية قومية. فالوطني الحقيقي لا يعني إلغاء القوميات والمكونات تحت شعار الوحدة وإنما بناء دولة يشعر الجميع بأنها دولتهم. والوحدة التي تُفرض بالقوة ليست وحدة وطنية مستقرة، أما الوحدة التي تقوم على الدستور والحقوق والشراكة فهي القادرة على الاستمرار.
وفي جوهرها السياسي، رفضت ثورة أيلول منطق حكم الفرد وفرض الإرادة بالقوة. فلم يكن المطلوب استبدال حاكم بحاكم أو نظام مركزي بآخر وإنما بناء دولة تحكمها المؤسسات والقوانين وتضمن حقوق المواطنين والقوميات وتفتح المجال أمام المشاركة السياسية. ولذلك لم تكن المشكلة مرتبطة بشخص حاكم بعينه، بل بنمط سياسي تعامل مع المطالب السياسية والقومية باعتبارها تهديداً أمنياً، بدلاً من التعامل معها بالحوار والدستور والمؤسسات.
ومن هنا تصبح أيلول جزءاً من تاريخ الصراع العراقي على الديمقراطية وليست تاريخاً كوردياً منفصلاً عن العراق. فقد كشفت أن الدولة لا تصبح أقوى بإخضاع مكوناتها وأن تجاهل المطالب السياسية والقومية لا يلغيها، بل يدفعها نحو المواجهة. وكان يمكن للديمقراطية والدستور والحوار أن تكون أدوات لمعالجة القضية، لكن تراجع هذه الأدوات جعل الصراع أكثر تعقيداً.
ولم تبقَ الثورة محصورة في إطار نخبة سياسية أو مجموعة مقاتلين، بل تحولت إلى حركة شعبية واسعة شاركت فيها شرائح اجتماعية متعددة، وأصبحت جزءاً من الحياة اليومية للمجتمع الكوردستاني. وكان هذا الاتساع أحد أهم مصادر قوتها، لأنه نقل القضية من إطار المطالب المحلية والنخبوية إلى قضية عامة ترتبط بكرامة المجتمع وحقه في المشاركة وتقرير شؤونه.
كما أحدثت أيلول تحولاً في بنية المجتمع والوعي السياسي. فقد ساهمت في تراجع بعض أشكال الاحتكار التقليدي للنفوذ، وفتحت المجال أمام قيادات وكفاءات جديدة اكتسبت مكانتها من المشاركة وتحمل المسؤولية والعمل العام. والأهم أنها ساهمت في الانتقال من الولاءات المحلية والضيقة إلى وعي قومي أوسع، جعل من كوردستان فضاء سياسياً واجتماعياً مشتركاً يتجاوز حدود المنطقة والعشيرة والعائلة.
وهذا من أبرز أبعادها القومية؛ فالقومية التي تشكلت في تجربة أيلول لم تكن مجرد شعار عاطفي، بل عملية بناء للوعي الجمعي وتحويل الهوية الكوردية من رابطة لغوية وثقافية وتاريخية إلى هوية سياسية واعية بحقوقها ومصالحها وموقعها داخل العراق والمنطقة. وفي الوقت نفسه، لم يكن هذا الوعي القومي مغلقاً على الآخرين، إذ احتضنت الثورة مجتمعاً متنوعاً في مناطقه وشرائحه وأديانه ومهنه، وجمعت فئاته حول قضايا الكرامة والحقوق والعدالة.
وفي قلب هذه التجربة برز الملا مصطفى البارزاني قائداً سياسياً وعسكرياً ارتبط اسمه بثورة أيلول. ولم تكن أهميته مقتصرة على قيادة المعارك، بل في قدرته على ربط العمل العسكري بالهدف السياسي وتوحيد طاقات المجتمع وإدارة العلاقات الداخلية وفتح قنوات الاتصال السياسي والدبلوماسي. كما ارتبطت تجربته بالتأكيد على أن الحرب ليست غاية بحد ذاتها، وأن الحل السياسي العادل يظل ممكناً متى اعترفت الدولة بالحقوق المشروعة للشعب الكوردي.
وكان الاعتماد على الذات من العناصر المهمة في تجربة الثورة. فقد واجهت ظروفاً إقليمية ودولية معقدة، ولذلك كان عليها أن تبني قدرتها على الصمود من داخل المجتمع. لكن الاعتماد على الذات لم يكن يعني الانعزال عن العالم؛ إذ أدركت الثورة أن القضية تحتاج أيضاً إلى العمل السياسي والدبلوماسي وإيصال صوتها إلى الخارج وهو ما جعل الدبلوماسية والإعلام جزءاً من أدوات النضال إلى جانب العمل العسكري.
ومع توسع المناطق الخارجة عن السيطرة الحكومية، ظهرت الحاجة إلى إدارة شؤون السكان وتنظيم الحياة العامة، فتكونت خبرات في الإدارة والقضاء والمال والأمن والإعلام. ولم تكن هذه التجربة دولة مكتملة المؤسسات، لكنها كانت خطوة مهمة في الانتقال من الحركة المسلحة إلى تحمل المسؤولية العامة وأنتجت خبرات سياسية وإدارية وثقافية ودبلوماسية استفادت منها الحركة الكوردية في مراحل لاحقة.
ولعب الإعلام والثقافة دوراً أساسياً في هذا المسار. فالإذاعة والصحافة والشعر والأغنية والأدب والفن لم تكن مجرد وسائل للدعاية، بل أدوات لبناء الوعي وحفظ الذاكرة ونقل صورة الثورة إلى المجتمع وخارجه. وبذلك أصبحت أيلول جزءاً من الذاكرة الثقافية والسياسية الكوردية وانتقلت تجربتها من جيل إلى آخر.
وفي الوقت نفسه، طرحت الثورة سؤال العراق نفسه، أي دولة يمكن أن تجمع مكوناته المختلفة؟ لقد كان يمكن للديمقراطية أن تكون إطاراً لحل القضية الكوردية وللدستور أن يكون ضمانة للحقوق وللحوار أن يمنع تحول الخلافات إلى حرب طويلة. لكن عندما تراجعت هذه الأدوات، أصبحت المواجهة نتيجة لأزمة سياسية أعمق.
ومن هنا فإن البعد الوطني لأيلول لا يقل أهمية عن بعدها القومي. فالعراق بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب والثقافات ولا يمكن بناء دولة مستقرة فيه على أساس إنكار هذا التنوع. الوحدة الوطنية لا تعني أن يتشابه المواطنون في هوياتهم وإنما أن يتساووا أمام القانون وأن يشعروا بأن الدولة ملك لجميع مواطنيها. ولذلك لم تكن المطالبة الكوردية بالحقوق نقيضاً للوحدة العراقية، بل دعوة إلى إعادة بناء هذه الوحدة على أساس أكثر عدالة.
وقد شكل اتفاق آذار 1970 محطة مهمة لأنه أثبت إمكانية الانتقال من الحرب إلى التفاوض السياسي، وأكد أن الاعتراف بالحقوق يمكن أن يكون أساساً للسلام. لكنه أظهر أيضاً أن الاتفاقات لا تكفي وحدها إذا لم تستند إلى ضمانات دستورية ومؤسساتية وإرادة حقيقية للتنفيذ. وعندما انتهت ثورة أيلول عام 1975 بعد اتفاق الجزائر، لم تنتهِ القضية الكوردية، لأن القضية لم تكن مرتبطة بحاكم أو حكومة أو جبهة عسكرية، بل بوعي سياسي واجتماعي أصبح جزءاً من المجتمع.
انتقلت خبرات أيلول إلى مراحل جديدة، واستمرت الحركة الكوردية بأشكال مختلفة، وصولاً إلى انتفاضة 1991 وبناء البرلمان والحكومة والمؤسسات في إقليم كوردستان. وهنا يتضح أن أيلول لم تنتهِ تاريخياً عام 1975، بل انتقلت من مرحلة إلى أخرى ومن أدوات عسكرية إلى أدوات سياسية ومؤسساتية.
وهذا الانتقال يحمل درساً أساسياً، السلاح قد يؤدي دوراً في حماية قضية عندما تُغلق الأبواب السياسية، لكنه لا يستطيع وحده بناء المستقبل. المستقبل يحتاج إلى المؤسسات والقانون والتعليم والإدارة والكفاءة والدبلوماسية والوحدة السياسية. ولذلك فإن بناء المؤسسات لم يكن خروجاً على إرث أيلول، بل كان أحد أشكال استكماله.
كما أن تجربة الثورة تؤكد أن الوحدة لا تعني غياب الاختلاف، بل القدرة على إدارته. فالقوة الحقيقية لأي مجتمع لا تقوم على تطابق مواقفه وإنما على قدرته على تحويل التعدد السياسي إلى تنافس مشروع يخدم المصلحة العامة. ولهذا فإن الحفاظ على المكتسبات يتطلب مؤسسات تستوعب الاختلاف وثقافة ديمقراطية تسمح بالنقد والمراجعة وقدرة على تقديم المصلحة العامة على الحسابات الضيقة.
ومن هنا فإن الوفاء الحقيقي لثورة أيلول لا يكون بمجرد الاحتفال بذكراها وإنما بتحويل قيمها إلى ممارسة سياسية ومؤسساتية، حماية الحقوق وترسيخ الديمقراطية واحترام التعددية وصيانة المؤسسات وتطوير الإدارة والاستثمار في الكفاءة وتعزيز الوحدة وإدارة الخلافات بالحوار واستخدام السياسة والقانون والدبلوماسية في الدفاع عن المكتسبات.
كما أن قراءة أيلول اليوم ينبغي ألا تكون مجرد قراءة للماضي، بل قراءة للمستقبل. فهي تطرح على العراقيين سؤالاً جوهرياً، هل يمكن بناء دولة قوية من دون عدالة؟ وهل يمكن تحقيق الوحدة من دون شراكة؟ وهل يمكن حماية العراق من أزماته المتكررة من دون الاعتراف بتنوعه القومي والثقافي والسياسي؟
إن تجربة أيلول تقدم جواباً واضحاً، الدولة تكون أقوى عندما يشعر مواطنوها بأن حقوقهم مصانة وهوياتهم محترمة وقانونها يسري على الجميع. والوطنية لا تكون بإلغاء القومية، بل بتحويل التعدد القومي إلى شراكة وطنية. كما أن القومية عندما ترتبط بالديمقراطية والحقوق، يمكن أن تكون جزءاً من بناء الدولة لا سبباً لهدمها.
لهذا ستبقى ثورة أيلول جزءاً من الذاكرة القومية الكوردية ومن التاريخ السياسي للعراق في آن واحد. فهي دافعت عن هوية الشعب الكوردي وحقوقه، لكنها في الوقت نفسه طرحت سؤال الدولة العراقية وعلاقتها بمكوناتها، وسؤال العدالة والشراكة والديمقراطية والاعتراف.
لقد بدأت أيلول من مطلب الحقوق، لكنها تركت وراءها أكثر من تجربة عسكرية، تركت وعياً قومياً وخبرة سياسية ومؤسساتية وتجربة اجتماعية وذاكرة ثقافية ودبلوماسية انتقلت إلى أجيال ومراحل لاحقة.
ولهذا فإن أعظم درس يمكن استخلاصه منها هو أن القضية العادلة تحتاج إلى أكثر من السلاح وأن الهوية تحتاج إلى أكثر من الشعارات وأن الوحدة تحتاج إلى أكثر من الدعوات وأن الوطن يحتاج إلى أكثر من الحدود. القضية تحتاج إلى مؤسسات والهوية تحتاج إلى وعي والوحدة تحتاج إلى شراكة والوطن يحتاج إلى عدالة.
وبين البعد القومي الذي صان هوية الشعب الكوردي والبعد الوطني الذي طالب بعراق ديمقراطي تعددي، تتشكل الصورة الأوسع لثورة أيلول، ثورة من أجل الحقوق والكرامة وحركة لإعادة بناء الوعي وتجربة سياسية واجتماعية أسست لمرحلة جديدة في تاريخ الشعب الكوردي والعراق معاً.
فأيلول لم تكن نهاية طريق، بل كانت بداية وعي طويل؛ ووعي الشعوب هو الذي يحول التضحيات من صفحات في التاريخ إلى قوة لبناء المستقبل.



