في سوريا، حين تُقزَّم المواطنة لتقاس بشرط التماثل اللغوي، وحين تقاس مكانة اللغة بمدى وجودها في الحياة اليومية فقط، يتحول تهميشها بصورة متعمدة أو غيرها إلى فعل سياسي يخل بعقد المواطنة وتعريفها وحدودها، ويتخطى حدود الثقافة إلى إعادة صياغة علاقة الدولة بمواطنيها؛ فمكانة اللغة مرتبطة بمنظومة الحقوق والدستور والقانون والهياكل الرسمية. ومن هذا المنظور، لا يزال التعامل مع اللغة الكوردية ضمن إطار المعضلة الأشمل ذات الطابع التعددي قومياً ولغوياً، متمثلة بسيطرة نموذج لغوي واحد على التعليم والفضاء العام وهيكل الدولة؛ ما صيّر الاعتراف بالتعدد اللغوي ركيزة رئيسية لبلورة المواطنة الحقيقية.
بعد عقود من تهميش اللغة الكوردية، برز خطاب السلطة الانتقالية نحو الاعتراف غير الدستوري بها عبر مرسوم إقرار حضورها الوطني وتدريسها ضمن حصص رمزية لا تلبي متطلبات التمكين اللغوي. لكن الإشكالية تظل قائمة سياسياً وقانونياً؛ حضورها الوطني وغيابها الرسمي؛ وتدريسها كمادة اختيارية في غرب كوردستان أو المناطق ذات الغالبية الكوردية لا يرتقي إلى حد التثبيت القانوني لاتخاذها لغة للتعليم. وبين الوطنية والرسمية والتعليم، تتحدد حقيقة وحدود الحق ليطفو على السطح السؤال الجوهري: هل انتقلت الكوردية فعلاً من الإنكار إلى الاعتراف، أم من إنكار صريح وجلي إلى اعتراف ناقص يعيد تعريف حدود الحق اللغوي؟
حفريات الإنكار
تتجاوز القضية الكوردية في سوريا إطار القرار الأخير القاضي بتدريسها؛ إذ لا يمكن تحجيمها في حدود حصص مدرسية خجولة واختيارية؛ فقد شكلت اللغة طوال العقود الماضية فضاءً مركزياً تجلى فيه موقع الكورد ضمن صياغة الدولة السورية لهويتها ولغتها. ففي سياق رؤية قومية اتخذت اللغة العربية مركزاً حصرياً لهوية الدولة الرسمية، وكان التضييق على الكورد امتداداً لرؤية استراتيجية أوسع تحاول تقييد تداول اللغة الكوردية ومحاصرتها وتقزيمها في الحيز العام عبر فرض الحدود والرقابة وسياسات التهميش والإنكار.
لذا، اليوم هذا التأطير للغة الكوردية والذي يتعدى حظرها حدود الإقصاء التعليمي، ليس إلا سياسة ممنهجة للتقييد العلني للهوية الكوردية؛ إذ تستمر منذ خمسينيات القرن المنصرم القيود على استخدامها في المدارس، وأماكن العمل، والنشر والفضاء العام.
ومن هنا، لم تكن القيود منفصلة عن ذاك المنظور الأكثر اتساقاً لهوية سوريا وطبيعتها، بل كشفت عن ارتهان المشهد اللغوي لإرادة السلطة وهيمنتها. يتعدى الأمر ضبط الاستعمال اللغوي ليصبح صياغة لشروط الاعتراف بالحضور العلني ومحدداً لمن يمنح حق الظهور فيه، حين تُحتكر اللغة الرسمية والمؤسسات لصالح لغة بعينها بينما يحاصر اللسان الكوردي داخل أسوار الحيز الاجتماعي الضيق. ولهذا اكتسبت اللغة الكوردية دلالة سياسية تتجاوز مهامها الثقافية؛ حق الكورد في التعبير عن وجودهم، وهويتهم، وحضورهم وتمثيلهم في مؤسسات الدولة.
وفي السياق ذاته، لا يبدو أن الانتقال السياسي قد وضع حداً نهائياً لهذه المقاربة البنيوية؛ إذ إن تعامل السلطة الانتقالية اليوم مع اللغة الكوردية يُظهِر عمق المعضلة التي ترتبط بمدى الاعتراف الحقيقي بالهوية الكوردية وموقعها. فاستبعادها من إطار الاعتراف الرسمي والمؤسسي مؤشر واضح على تكبيل التعدد اللغوي بالأطر والمحددات التي تفرضها المركزية.
وتتجلى المفارقة الحقيقية والفجوة التحليلية في أن الاعتراف الرمزي بالوجود الكوردي وإقرار المواطنة الشاملة لهم ضمن إطار الاستثناء أو المنحة الإدارية لا يستقيم سياسياً في ظل غياب الترجمة الفعلية له دستورياً وقانونياً ومؤسسياً والاعتراف الصريح في الفضاء الرسمي، بل ويكرس ديناميكية جديدة للتفاوض السياسي والرمزي بين المكونات المجتمعية، وإن تمايزت أدوات هذا التدافع عن الحقب السابقة.
لذا، فإن حرمان اللغة الكوردية من مكانتها المؤسسية التي تكرس حضورها كحق مستدام ومستمر، يضع التجربة الانتقالية وسلطتها أمام أصعب الاختبارات البنيوية التي تتجاوز هامش السماح الجزئي وحدود القرار التكتيكي لتدريسها: هل تتجه الدولة نحو صياغة عقدها الاجتماعي على ركائز المساواة اللغوية وتجاوز المقاربة المركزية في محاولة لتعريف علاقتها بالتعدد اللغوي، أم أنها بصدد ضبط التنوع ضمن الأطر السياسية والتنفيذية التي تحكمها المركزية عبر هندسة جديدة للتهميش؟
المأسسة
باتت القضية اللغوية جزءاً من اختبار التوازنات السياسية في المرحلة الانتقالية التي تمر بها سوريا في الوقت الراهن؛ لم تعد مطلباً خاصاً بمكون بعينه، بل أصبحت أحد أبرز الملفات حسماً ومفصلية ومحكاً رئيسياً سيحدد مسار تعاطي الدولة مع النسيج التعددي لسوريا الجديدة. ومن هنا، تتوزع مسؤولية المعالجة بين البرلمانيين الكورد، والقوى السياسية، والمجتمع المدني الكوردي، والسلطة الانتقالية: هل بإمكانهم تحويل قضية اللغة الكوردية إلى ضمانة سياسية وتشريعية ودستورية في الدولة السورية الجديدة؟
الإجابة عن هذا السؤال تتطلب ترجمة الاعتراف الرمزي المعلن إلى خطوات واضحة دستورياً وسياسياً وتشريعياً تتقاسمها الدولة والبرلمانيون الكورد والمجتمع المدني والقوى السياسية الكوردية. لذا سأتطرق لطرح بعض المسارات العملية التي قد تمثل مرجعية ولبنة أساسية لحلول ومعالجة أكثر استدامة:
- إدراج الحقوق اللغوية الكوردية ضمن صياغة الدستور السوري القادم بشكل دائم، لا إبقاؤها واختزالها بقرارات انتقالية وإدارية ضيقة ومتغيرة.
- إبعاد ملف الحقوق اللغوية الكوردية عن إرادة السلطة التنفيذية عبر منح البرلمان دوره الحقيقي في تشريع هذه الحقوق ومراقبة الحكومة في تطبيقها الفعلي على الأرض بعيداً عن الشعارات.
- إشراك النواب الكورد كشركاء فاعلين في الصناعة التأسيسية للقوانين والتشريعات، وتجاوز التمثيليات الشكلية نحو الإسهام التشريعي الفاعل للإسهام عبر طرح مشاريع قوانين وبدائل مباشرة عوضاً عن إبقاء تلك الحقوق ضمن أطر المطالب السياسية فقط.
- ضمان حضور اللغة الكوردية في التعليم والتمثيل الرسمي للدولة عبر التعليم الكامل بها، وتوفير البنية المؤسسية اللازمة من كوادر وكتب تعليمية، وإدماجها في مؤسسات الدولة والخدمات العامة بما يمنح تداولها بشكل رسمي في المعاملات الرسمية بمنأى عن حصرها في صيغ ومقاربات ثقافية وتربوية وتعليمية رمزية محدودة النطاق، وضمان استمراريتها.
- إقامة آلية مشتركة بين الجهات الفاعلة التي ذكرت لمتابعة التنفيذ وتقييمه وفي مقدمتها الأدوات البرلمانية والسياسية.
- فتح حوار سياسي مباشر حول الحقوق اللغوية الكوردية بين السلطة الانتقالية والكورد.
- ضمان تمثيل دائم ومستدام للفعاليات المدنية واللغوية والأكاديمية في دائرة النقاش السياسي.
- بلورة إجماع سياسي كوردي جامع يحدد سقف الحقوق اللغوية التي لا تدعو للمساومة.
في ختام هذا المسار، سوريا تُختَبَر اليوم في مسألة نقل الاعتراف بالتعددية من الإقرار الرمزي إلى أطر حقوقية دائمة وغير قابلة للتراجع: فهل تمتلك سوريا اليوم الإرادة السياسية لتحويل اللغة الكوردية إلى لغة رسمية مكفولة دستورياً، أم يستمر حضورها هشاً ومحكوماً بالمزاج السياسي وظروفه المتبدلة، ليبقى الاعتراف بها استجابة لمتطلبات الشرعية الدولية؟


.jpg&w=3840&q=75)