في لحظات الإرتباك السياسي، تتحول
الإشاعة أحياناً إلى "حقيقة" متداولة، ويتحوّل اللقاء العابر إلى "مشروع"،
وتتحول المشاورات الأولية إلى "تيار سياسي جديد" أو "هيئة تحضيرية"
أو حتى مشروع إقليم كامل. هذا بالضبط ما حدث في الأيام الأخيرة مع الحراك السياسي
السنيّ، حين إنتشرت أخبار عن تحرك يقوده السيد أسامة النجيفي لتشكيل إطار سنّي
جديد، وربطت بعض الروايات ذلك بالحديث عن مشروع إقليم سني أو هيئة تحضيرية تمثّل
المكوّن.
لقاءات النجيفي ومشاوراته مع عدد
من الشخصيات السياسية، جاءت في سياق طبيعي ومشروع: قراءة واقع التمثيل السنيّ،
والبحث في أسباب الضعف والإنقسام، ومناقشة ما آلت إليه الساحة من تراجع في التأثير
السياسي وتعدد في مراكز القرار. لكن تلك المباحثات بقيت في إطار تبادل الرأي، ولم
تتحول إلى مشروع تنظيمي أو تحالف أو تيار سياسي أو لجنة تحضيرية.
والأهم أن الحديث عن "الإقليم
السني" لم يكن مطروحاً في تلك اللقاءات، لا بوصفه خطة ولا مشروعاً ولا حتى
خياراً قيد التداول. وبالتالي فإن كل محاولة لربط النجيفي بهذا العنوان لا تقوم
على معلومة دقيقة، بل على قراءة متسرّعة أو رغبة في صناعة حدث سياسي من نقاشات لم
تتجاوز بعد مرحلة التشاور.
في هذا السياق، لا بد من التمييز
بين ما يجري في بعض الصالونات السياسية وبين ما يُطرح على الرأي العام بوصفه
واقعاً منجزاً. العراق مليء باللقاءات والاتصالات بين الشخصيات والكتل، لكن ليس كل
لقاء ولادة لتحالف، وليس كل نقاش إعلاناً عن مشروع. السياسة الجادة تبدأ حين
تتوافر رؤية متفق عليها، وأسماء معلنة، وهيكل تنظيمي، وبرنامج واضح، وآلية تمثيل،
ثم إعلان رسمي لا يحتمل التأويل. أما قبل ذلك، فنحن أمام أفكار ومشاورات
واحتمالات، لا أكثر.
وهنا تظهر أهمية بيان النجيفي.
فهو لا ينفي فقط قصة الإقليم، بل يرفض أيضاً استخدام أسمه لتسويق هيئات أو تحركات
أو عناوين لم يصدر بشأنها موقف رسمي. وهذه رسالة لها دلالة واضحة: من يريد أن
يتحدث عن موقف الرجل أو عن أي مشروع يقوده، فعليه أن يعود إلى مكتبه الإعلامي، لا
إلى التسريبات والتأويلات والمنشورات المتداولة.
هذا لا يعني أن الساحة السنيّة لا
تحتاج إلى مراجعة عميقة. على العكس، الحاجة (ومنذ سنوات عديدة) ملحّة إلى حوار
ناضج يعالج أزمة التمثيل، والانقسام، وضعف الأداء، وضياع الأولويات بين المنافسة
على المناصب والاستحقاقات الحقيقية للناس. لكن هذه الحاجة لا تبرر اختراع مشاريع
لا وجود لها، ولا تمنح أي شخصية حق التحدث باسم ملايين العراقيين من دون تفويض
واضح أو توافق سياسي ومجتمعي حقيقي.
المشكلة ليست في أن يناقش السنّة
مستقبلهم؛ فهذا حق مشروع وضرورة وطنية. المشكلة في تحويل المخاوف المشروعة إلى
عناوين ملتبسة، ثم استثمارها لتحقيق حضور سياسي أو إعلامي. فالحديث عن الإقليم أو
الفيدرالية أو اللامركزية ليس محرماً دستورياً، لكنه يحتاج إلى نقاش مسؤول وشفاف،
لا إلى بيانات منفردة، ولا إلى حملات إعلامية، ولا إلى استدعاء أسماء شخصيات لم
تتبنَّ تلك المشاريع.
المرحلة تحتاج إلى قدر أكبر من
الصراحة: لا أحد يستطيع أن يحتكر تمثيل العرب السنّة، ولا أن يقرر مستقبلهم خلف
الأبواب المغلقة، ولا أن يضعهم في مواجهة الدولة أو المكونات الأخرى عبر خطابات
مشحونة. الطريق الصحيح يبدأ بحوار واسع، مدني، ووطني، يضع مصلحة المواطنين فوق
الحسابات الشخصية، ويبحث عن شراكة حقيقية داخل عراق واحد تحكمه دولة وقانون
ومواطنة متساوية.
.jpg&w=3840&q=75)


