لا يمكن فهم التاريخ السياسي لكوردستان
من خلال ثنائية بسيطة تقوم على التعارض بين "القبيلة" و"الدولة"،
لأن التجربة الكوردستانية تكشف عن علاقة أكثر تعقيداً وتشابكاً بين السلطة
المركزية، والإمارات الكوردية، والزعامات القبلية والعشائرية، والأسر الدينية، ثم
الأحزاب السياسية الحديثة.
فقد ظلّت القبيلة في أجزاء واسعة
من كوردستان تمثل وحدة اجتماعية وسياسية وعسكرية في آن واحد، بينما كانت الدولة
العثمانية أو الصفوية أو القاجارية أو العراقية تسعى إلى إخضاع هذه الوحدات لنظام
إداري مركزي. ولذلك لم يكن الصراع في جوهره صراعاً بين كيانين منفصلين بقدر ما كان
صراعاً على من يمتلك حق إدارة المجتمع المحلي، ومن يفرض الضرائب، ومن يجمع الرجال
للسلاح، ومن يحكم في النزاعات، ومن يمنح الحماية، ومن يمثل السكان أمام السلطة
المركزية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة
عند دراسة تاريخ كوردستان؛ إذ إن الإمارات الكوردية لم تكن مجرد تجمعات قبلية
كبيرة، كما أنها لم تكن دولاً قومية بالمعنى الحديث. فقد مثلت، في كثير من
الحالات، شكلاً وسيطاً بين البنية القبلية والنظام الدولتي الإمبراطوري. وتشير
الدراسات الحديثة إلى أن الأطر الاجتماعية والسياسية الأساسية في كوردستان قبل
العصر الحديث كانت القبائل والإمارات ذات الطابع القبلي وشبه الإقطاعي، وأن هذه
الإمارات ظلت بدرجات متفاوتة خاضعة للسلطات الإسلامية الكبرى، مع احتفاظها
بمستويات مختلفة من الاستقلال السياسي والعسكري.
ومن هنا يمكن القول إن تاريخ كوردستان
يقدم نموذجاً واضحاً لما يمكن تسميته "الدولة الوسيطة" أو "السلطة
المحلية الوسيطة"؛ إذ لم تكن السلطة المركزية قادرة دائماً على الوصول
المباشر إلى المجتمع، كما لم تكن القبيلة قادرة بالضرورة على الاستقلال الكامل عن
الدولة الإمبراطورية. ولذلك نشأت علاقة تقوم على الاعتراف المتبادل، والتحالف،
والمساومة، والتمرد، ثم إعادة الإدماج.
وقد ظهرت هذه العلاقة بصورة واضحة
في الإمارات الكوردية الكبرى، مثل بهدينان وبابان وسوران وبوتان. فإمارة بهدينان،
التي اتخذت من العمادية مركزاً لها، ظلت واحدة من الإمارات الكوردية القوية
والممتدة زمنياً، ودخل أمراؤها في صراعات مستمرة مع القوى العثمانية والصفوية، فضلاً
عن صراعاتهم مع الإمارات الكوردية الأخرى ورؤساء القبائل والجماعات الدينية
والإثنية المختلفة. واستمرت الإمارة حتى منتصف القرن التاسع عشر، عندما اصطدمت
بصورة مباشرة بمشروع المركزية العثمانية.
أما إمارة بابان، التي اتخذت
السليمانية مركزاً لها، فقد امتلكت بدورها مظاهر واضحة من الاستقلال المحلي، وكانت
الأسرة البابانية طرفاً فاعلاً في الصراع العثماني ـ الإيراني. وتشير المصادر إلى
أن بابان تمتعت في ذروة قوتها بمظاهر واسعة من الحكم المحلي، كما قدمت دعماً عسكرياً
حاسماً للوالي العثماني في بغداد في صراعاته مع القاجاريين. وهذا يكشف أن العلاقة
بين الإمارة والدولة لم تكن دائماً علاقة مواجهة، بل كانت في كثير من الأحيان
علاقة تحالف سياسي وعسكري مقابل الاعتراف بالنفوذ المحلي.
وفي إمارة سوران نجد نموذجاً آخر؛
إذ حاول مير محمد الرواندوزي في القرن التاسع عشر توسيع نفوذ الإمارة والسيطرة على
أجزاء من كوردستان، الأمر الذي جعله في مواجهة ليس فقط مع السلطة العثمانية، بل
أيضاً مع القوى الكوردية المحلية. وهنا تظهر إحدى المشكلات البنيوية في التاريخ
السياسي الكوردي: فالإمارات الكوردية كانت تسعى إلى توسيع مجال سلطتها، لكنها كانت
في الوقت نفسه تدخل في منافسة مع إمارات وقبائل كوردية أخرى، مما جعل بناء سلطة كوردية
مركزية أوسع أمراً بالغ الصعوبة.
وتظهر هذه المسألة بصورة أوضح في
علاقة الأمراء برؤساء القبائل. فلم يكن الأمير يمتلك دائماً القدرة على فرض سلطته
بصورة مباشرة على جميع القبائل الموجودة ضمن المجال الجغرافي لإمارته. ولذلك كان
مضطراً إلى الدخول في شبكة من التحالفات والمصاهرات والمصالح الاقتصادية والعسكرية
مع شيوخ القبائل والأغوات ورؤساء العشائر. وكان رئيس القبيلة يمتلك بدوره نوعاً من
السلطة الفعلية المستمدة من العصبية والقرابة وحماية أفراد القبيلة وقدرته على
تعبئة الرجال، في حين كان الأمير يمتلك شرعية سياسية وإدارية أوسع. ومن ثم كان
الطرفان يحتاج أحدهما إلى الآخر.
ولهذا فإن العلاقة بين الأمير
ورئيس القبيلة يمكن تفسيرها ضمن نموذج تقاسم السلطة المحلية. فالأمير يحتاج إلى
القبيلة لتأمين القوة العسكرية والطرق والحدود، والقبيلة تحتاج إلى الأمير لتثبيت
امتيازاتها والحصول على الاعتراف والحماية. وقد يتحول التحالف إلى صراع عندما
يحاول الأمير تحويل السلطة المتعددة المراكز إلى سلطة مركزية، أو عندما يحاول رئيس
القبيلة توسيع نفوذه على حساب سلطة الأمير.
وهذا يفسر جانباً مهماً من الصراع
الذي واجهته الدولة العثمانية في كوردستان خلال القرن التاسع عشر. فقد جاءت
إصلاحات التنظيمات العثمانية بمشروع جديد يقوم على الإدارة المركزية، وتوحيد
الضرائب، وإخضاع المناطق المحلية للموظفين التابعين للدولة، والحد من استقلال
الإمارات والزعامات المحلية. وقد أدى ذلك إلى صدامات مباشرة مع عدد من الإمارات الكوردية،
ولا سيما بابان وبوتان. ويبين الباحث التركي "متين أتماجا" أن إصلاحات
المركزية العثمانية أحدثت تحولًا في مكانة الأعيان الكورد، إذ جرى دمج بعضهم لاحقاً
في جهاز الدولة، بينما عجز الموظفون الذين حلوا محل الأمراء عن إقناع السكان
بفاعلية النظام الإداري الجديد.
وهنا تظهر نقطة تحليلية مهمة: لم
يكن القضاء على الإمارات يعني القضاء على البنية الاجتماعية التي قامت عليها. فقد
استطاعت الدولة العثمانية إزالة عدد من الأمراء والإمارات بوصفهم مراكز سياسية
مستقلة، لكنها لم تستطع في الوقت نفسه القضاء على القبائل والعشائر والزعامات
المحلية. ولذلك، وبعد سقوط الإمارات، ازدادت أهمية بعض رؤساء القبائل والشيوخ في
مناطق كانت تابعة سابقاً للأمراء. وقد أشار احد الباحثين الغربيين" وليم ج.
ويدجوايد" إلى أن انهيار الإمارات الوراثية شبه المستقلة في كوردستان أعقبه
انتشار الاضطراب، وأن الإدارة العثمانية الجديدة، على الرغم من نجاحها النسبي في
المركزية، لم تنجح بالقدر نفسه في فرض إدارة فعالة في المناطق النائية، الأمر الذي
أتاح لبروز رؤساء قبائل محليين في مناطق الإمارات السابقة.
ومن هنا يمكن فهم التحول من "إمارة
ـ قبيلة" إلى "دولة ـ قبيلة". فقد انتقلت المشكلة من علاقة الأمير
الكوردي برئيس القبيلة إلى علاقة الوالي أو الموظف المركزي برئيس القبيلة. ومع أن
الدولة حاولت تحويل القبيلة إلى وحدة إدارية خاضعة للقانون والضرائب والتجنيد، فإن
رئيس القبيلة ظل يحتفظ بقدر من النفوذ الاجتماعي لا يستطيع الموظف القادم من
المركز أن يمتلكه بسهولة.
وهذه المسألة لم تكن خاصة بالعهد
العثماني؛ فقد تكررت بأشكال مختلفة في العراق الحديث. فعندما نشأت الدولة العراقية
الحديثة، وجدت نفسها أمام مجتمع كردي لم يكن قد تحول بصورة كاملة إلى مجتمع
مؤسساتي مركزي، بل كانت فيه القبيلة والعائلة الدينية والزعامات المحلية والأعيان
قوى اجتماعية ذات تأثير. ولذلك لم تستطع الدولة ببساطة أن تستبدل هذه البنى بجهازها
الإداري، وإنما لجأت في كثير من الأحيان إلى التفاوض معها أو استخدامها أو مواجهة
بعضها ببعض.
غير أن التحول الأكبر حدث مع ظهور
الأحزاب السياسية الكوردية الحديثة. فقد كان ظهور الحزب يمثل محاولة لنقل الولاء
من القبيلة والعائلة إلى التنظيم السياسي والعقيدة القومية. وكان من المفترض نظرياً
أن يؤدي الحزب الحديث إلى تفكيك العلاقات التقليدية، وأن يحل التنظيم السياسي محل
العصبية القبلية. لكن التجربة الكوردية أظهرت أن الانتقال لم يكن بهذه البساطة.
فالحزب الديمقراطي الكوردستاني،
منذ نشأته، جمع بين عناصر حديثة تتمثل في التنظيم السياسي والقومية الكوردية،
وعناصر تقليدية تتمثل في مكانة الملا مصطفى البارزاني وشبكات الولاء العشائري
والمحلي. ولذلك فإن وصف الحزب بأنه "حزب قبلي" فقط يمثل اختزالاً غير
دقيق، كما أن وصفه بأنه حزب قومي حديث خالص يتجاهل إحدى أهم أدوات قوته
الاجتماعية. وتؤكد دراسة حول آليات اتخاذ القرار في الحزب الديمقراطي الكوردستاني
والاتحاد الوطني الكوردستاني أن الفصل الحاد بين حزب ديمقراطي كوردستاني "قبلي"
واتحاد وطني "اشتراكي" يمثل تبسيطًا غير كافٍ؛ إذ يمكن النظر إلى
الحزبين بوصفهما حركتين حديثتين، لكن قياداتهما استخدمت في مراحل مختلفة أساليب
ذات طابع شبه قبلي في حشد الأنصار وإدارة الصراع السياسي.
وتكشف تجربة الانشقاق داخل الحزب
الديمقراطي الكوردستاني سنة 1964م عن عمق هذه المشكلة. فقد كان الصراع بين جناح
الملا مصطفى البارزاني والمكتب السياسي بقيادة إبراهيم أحمد وجلال طالباني يحمل
أبعاداً أيديولوجية وتنظيمية، لكنه كان في الوقت نفسه متصلًا بالبنية الاجتماعية
والجغرافية والعشائرية لقواعد الطرفين. ولذلك لم يكن الانتقال من القبيلة إلى الحزب
انتقالاً كاملاً، وإنما أصبح الحزب نفسه وسيلة جديدة لإعادة تنظيم قوى اجتماعية
قديمة.
وهنا تكمن المفارقة التاريخية:
كلما حاول الحزب الحديث التخلص من القبيلة، وجد نفسه بحاجة إلى قاعدتها
الاجتماعية؛ وكلما حاولت القبيلة المحافظة على استقلالها، وجدت نفسها بحاجة إلى
الحزب والدولة لتأمين مصالحها.
ولم يكن الاتحاد الوطني الكوردستاني
استثناءً من هذه القاعدة. فعلى الرغم من جذوره الفكرية اليسارية ووجود عدد كبير من
المثقفين والكوادر الحزبية والجامعية في قيادته، فإنه لم يستطع أن يتحول بصورة
كاملة إلى حزب يتجاوز الروابط العشائرية والمناطقية. فقد نشأ في بيئة اجتماعية لها
شبكاتها الخاصة من العائلات والزعامات والروابط القبلية والدينية، واضطر إلى
التعامل معها بوصفها قوى سياسية واجتماعية قائمة. ولذلك فإن التناقض بين "اليسار"
و"القبيلة" لم يكن تناقضاً مطلقاً؛ إذ أمكن أن تتعايش الأيديولوجيا
اليسارية مع شبكات الولاء التقليدية.
وهذه النتيجة مهمة جداً في فهم
تطور الحركة السياسية الكوردية؛ لأن الأيديولوجيا لم تكن قادرة وحدها على إعادة
هندسة المجتمع. فالحزب الشيوعي أو الاشتراكي أو القومي يستطيع تغيير الخطاب
السياسي، لكنه لا يستطيع بمجرد تغيير الخطاب أن يلغي الروابط القرابية والعشائرية
التي تقوم عليها الحياة الاجتماعية، ولا أن يلغي المكانة التاريخية لرئيس القبيلة
أو الشيخ أو العائلة ذات النفوذ.
ومن هنا يمكن تفسير استمرار هذه
البنية حتى بعد قيام إقليم كوردستان العراق. فبعد 1991م لم يعد الصراع فقط بين
الأحزاب والسلطة العراقية، وإنما ظهرت مهمة جديدة تتمثل في بناء دولة إقليمية
مؤسساتية فوق مجتمع ما تزال فيه الأحزاب تمتلك قوة عسكرية وتنظيمية واجتماعية
واسعة. وقد أدى ذلك إلى نشوء علاقة مركبة بين الحزب والدولة والقبيلة.
فالمشكلة لم تعد "قبيلة ضد
دولة" بالمعنى القديم، بل أصبحت أقرب إلى:
الدولة ← الحزب ← الزعامة المحلية
← القبيلة ← المجتمع
مع تداخل مستمر بين هذه المستويات.
وقد أظهرت تجربة إقليم كوردستان
أن الحزبين الرئيسيين، الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني،
حافظا على نفوذ واسع داخل المؤسسات السياسية والأمنية والاقتصادية، وأن المؤسسات
الرسمية نفسها تأثرت بالتسويات السياسية بين الحزبين. وتخلص دراسة حديثة عن تطور
التسوية السياسية في الإقليم إلى أن المؤسسات الرسمية التي تطورت منذ تأسيس
الإقليم سنة 1992م ظلت مرتبطة بصورة وثيقة بمصالح الحزبين الحاكمين وبالتسويات
السياسية بينهما، بدل أن تتحول بالكامل إلى مؤسسات مستقلة عن الأحزاب.
وبذلك انتقلت المشكلة من "هيمنة
القبيلة على الإدارة" إلى "هيمنة الحزب على الإدارة"، مع بقاء بعض
الأدوات الاجتماعية القديمة حاضرة داخل البنية الجديدة. وهذا لا يعني أن الحزبين
مجرد قبيلتين كبيرتين، فذلك اختزال لا يقل خطأ عن القول إن القبيلة اختفت تماماً.
الأدق هو القول إننا أمام نظام هجين تتداخل فيه الدولة الحديثة مع الحزب والتنظيم
العسكري والشبكات العائلية والعشائرية والمناطقية.
وتكشف الحرب الداخلية بين الحزب
الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني في تسعينيات القرن العشرين عن
هذا التداخل بأوضح صورة. فقد أدت الحرب إلى انقسام الإقليم فعلياً إلى منطقتي
نفوذ، وأصبحت المؤسسات الحكومية في كل منطقة مرتبطة بالقوة السياسية والعسكرية
للحزب المسيطر عليها. وتشير الدراسات إلى أن هذا الانقسام أدى إلى قيام إدارتين
متوازيتين فعلياً، وظل الفاعلون القادرون على ممارسة القوة المسلحة مرتبطين
بالأحزاب أكثر من ارتباطهم بالدولة الإقليمية الموحدة.
ومن هنا ينبغي إعادة النظر في
مقولة إن الأحزاب الكوردية الحديثة "فشلت في القضاء على القبلية".
فالمشكلة أعمق من ذلك؛ إذ إن القبيلة نفسها تغيرت. فقد تحولت من وحدة عسكرية
واقتصادية مغلقة إلى شبكة اجتماعية وسياسية، وتحول رئيس القبيلة من قائد مقاتلين
إلى وسيط سياسي واجتماعي، وأصبح بإمكانه التأثير في الانتخابات، والتعيينات،
وتسوية النزاعات، والحصول على الخدمات، وربط المجتمع المحلي بالحزب أو بالدولة.
وهذا ما يجعل رئيس القبيلة في كوردستان
المعاصرة أقرب إلى "وسيط بين الدولة والمجتمع" منه إلى زعيم قبلي
بالمعنى التقليدي. وفي بعض الحالات قد تكون له قدرة على التأثير في النزاعات
الاجتماعية تتجاوز قدرة المؤسسات الرسمية، الأمر الذي يكشف استمرار ازدواجية
المرجعية بين القانون الرسمي والعرف الاجتماعي.
وبالتالي فإن أحد أهم مظاهر
الصراع بين النظام الدولتي والنظام القبلي في كوردستان يتمثل في من يملك حق تسوية
النزاع. فالدولة الحديثة تفترض أن القضاء هو الجهة التي تفصل في النزاع، بينما
تفترض البنية القبلية أن الزعيم أو مجلس الوجهاء يمكن أن يؤدي دور الوسيط والحكم.
وحين تلجأ الأحزاب نفسها إلى الزعماء القبليين لتسوية النزاعات أو استقطاب الأصوات،
فإنها تعيد إنتاج هذه البنية بدل تفكيكها.
وقد ظهرت دراسات وتقارير حديثة
تشير إلى أن الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني امتلكا
قنوات للتعامل مع النزاعات العشائرية، وأن العلاقة مع القبائل يمكن أن تتحول إلى
مصدر للولاء السياسي في الانتخابات والصراعات السياسية.
ومن هنا يمكن فهم عجز الأحزاب
الليبرالية واليسارية والقومية عن تجاوز البنية التقليدية تجاوزاً كاملاً.
فالليبرالية تحتاج إلى الفرد والمواطنة والمؤسسات، واليسار يحتاج إلى الطبقة
والتنظيم والحزب، والقومية تحتاج إلى الأمة والمواطن القومي؛ بينما تقوم القبيلة
على القرابة والحماية والولاء والتكافل. غير أن الواقع الكردي لم يسمح بإحلال عنصر
محل آخر بصورة كاملة، ولذلك نشأت صيغة هجينة: الفرد ينتمي إلى الدولة، لكنه ينتمي
في الوقت نفسه إلى القبيلة؛ ويصوت للحزب، لكنه قد يستند إلى عشيرته؛ ويطالب بالدولة
الحديثة، لكنه قد يلجأ إلى الزعيم المحلي عندما تعجز المؤسسة الرسمية عن تلبية
حاجته.
وعليه فإن المشكلة التاريخية في كوردستان
ليست أن "القبيلة رفضت الدولة" ولا أن "الأحزاب فشلت في تحديث
المجتمع"، وإنما أن عملية بناء الدولة نفسها لم تكن قادرة على الاستغناء عن
القوى الاجتماعية التقليدية. وهذه نتيجة تتفق مع الدراسات التي تحذر من اختزال
الحزب الديمقراطي الكوردستاني في كونه "قبلياً" والاتحاد الوطني في كونه
"اشتراكياً"، لأن الواقع السياسي لكليهما أكثر تعقيدًا من هذه الثنائية.
ومن هذه الزاوية يمكن إعادة قراءة
تاريخ كوردستان في سلسلة تاريخية واحدة:
الإمارة ← رئيس القبيلة ← الوالي
العثماني ← الدولة العراقية ← الحزب السياسي ← حكومة الإقليم.
لكن هذه ليست مراحل متعاقبة ألغى
بعضها بعضاً؛ بل هي طبقات تراكمت فوق بعضها. فالإمارة انتهت، ولكن شبكاتها
الاجتماعية لم تختفِ. والقبيلة لم تعد دولة صغيرة، لكنها بقيت قوة اجتماعية.
والحزب لم يعد مجرد تنظيم نخبوي، بل أصبح في بعض المناطق إطاراً لإعادة تنظيم
الولاءات المحلية. والدولة لم تعد مجرد سلطة خارجية، لكنها لم تصل دائماً إلى
مرحلة احتكار جميع أدوات القوة والوساطة الاجتماعية.
وهذا يفسر لماذا بقيت مسألة توحيد
السلطة السياسية والعسكرية والإدارية واحدة من أعقد القضايا في تجربة إقليم كوردستان.
فبناء الدولة لا يعني إنشاء البرلمان والوزارات والمحاكم فقط، وإنما يعني أيضاً
نقل مصادر القوة الفعلية من الشبكات الحزبية والعائلية والقبلية إلى مؤسسات عامة
لا تخضع لولاء شخصي أو جغرافي.
وبذلك فإن مستقبل الدولة في كوردستان
لا يتوقف فقط على علاقتها ببغداد أو أنقرة أو طهران، وإنما يرتبط أيضًا بقدرتها
الداخلية على الانتقال من دولة الحزب إلى دولة المؤسسة، ومن الولاء الشخصي إلى
المواطنة، ومن الوساطة العشائرية إلى القضاء والقانون، ومن القوة الحزبية المسلحة
إلى الاحتكار المؤسسي للقوة.
والخلاصة أن التجربة الكوردستانية
تقدم نموذجاً تاريخياً مهماً للعلاقة بين النظام القبلي والنظام الدولتي؛ إذ لم
يكن بناء الدولة عملية إحلال كامل للدولة محل القبيلة، بل عملية طويلة من الصراع
والتفاوض والاحتواء وإعادة إنتاج العلاقات القديمة في مؤسسات جديدة. فقد كانت
الإمارة وسيطاً بين القبيلة والإمبراطورية، ثم أصبحت الزعامة القبلية وسيطاً بين
المجتمع والدولة، ثم أصبح الحزب الحديث وسيطًا بين الدولة والمجتمع، غير أن الحزب
نفسه حمل معه بعض أنماط الولاء القديمة.
ومن ثم فإن السؤال الأهم في دراسة
الدولة الكوردستانية ليس: هل انتهت القبلية؟ وإنما: كيف أعادت القبلية إنتاج نفسها
داخل الدولة والحزب والمؤسسة السياسية الحديثة؟.
وهذا السؤال يتيح فهماً أكثر دقة
للتاريخ السياسي لكوردستان، لأنه يتجاوز التفسير الذي يضع "التحديث" في
مواجهة "التقليد"، ويكشف بدلاً من ذلك عن عملية تاريخية أكثر تعقيداً
تقوم على تكييف القديم مع الجديد، وتوظيف الدولة للقبيلة، وتوظيف القبيلة للحزب،
وتوظيف الحزب للدولة. ومن هذه الزاوية لا تبدو التجربة الكوردستانية استثناءً عن
تاريخ بناء الدولة في الشرق الأوسط، وإنما تمثل إحدى أكثر الحالات وضوحًا في
استمرار التفاعل بين البنى التقليدية والمؤسسات الحديثة.

.jpg&w=3840&q=75)

