في السياسة، لا تُقاس القيادة دائماً بعدد البنادق التي تحتفظ بها، ولا بعدد المعارك التي تستطيع خوضها، بل بقدرتها على معرفة اللحظة التي يصبح فيها استمرار الحرب أكثر خطراً على شعبها من الدخول في تسوية سياسية صعبة.
من هذا المنطلق، أرى أن الخطوة التي اتخذها مظلوم عبدي في الانتقال من مرحلة قوات سوريا الديمقراطية «قسد» إلى الاندماج في مؤسسات الدولة السورية لم تكن قراراً مفاجئاً، ولا ينبغي تصويرها باعتبارها تراجعاً عن القضية الكوردية. إنها نتيجة مسار سياسي كان معروفاً منذ توقيع الاتفاق بين مظلوم عبدي والرئيس السوري أحمد الشرع في 10 آذار/مارس 2025.
كان واضحاً منذ ذلك الوقت أن الاتجاه العام يسير نحو وقف الحرب، ودمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال وشرق سوريا ضمن مؤسسات الدولة، وفتح طريق جديد للمشاركة السياسية.
والسؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس: لماذا وافق مظلوم عبدي على الاندماج؟
السؤال الأهم هو: ما البديل الواقعي الذي كان متاحاً؟
كفى حرباً
سوريا دفعت ثمناً لا يمكن وصفه خلال أكثر من عقد من الحرب. مئات الآلاف من الضحايا، ملايين النازحين واللاجئين، مدن مدمرة، اقتصاد منهك، وتدخلات إقليمية ودولية جعلت الأرض السورية ساحة لصراعات تتجاوز السوريين أنفسهم.
والكورد أيضاً دفعوا ثمناً كبيراً.
لذلك لا أعتقد أن المصلحة الكوردية اليوم تكمن في فتح حرب جديدة، ولا في تحويل المناطق الكوردية إلى ساحة صراع إقليمي جديد.
لا أحد يستطيع أن يضمن أن حرباً جديدة ستنتهي بانتصار طرف واحد. والأسوأ من ذلك أن أي صدام واسع في شمال وشرق سوريا يمكن أن يتحول إلى صراع كوردي–عربي، وهذا من أخطر السيناريوهات التي يجب منعها بكل الوسائل.
الكورد والعرب والسريان والآشوريون والأرمن والدروز وبقية مكونات سوريا ليسوا بحاجة إلى جبهات جديدة، بل إلى دولة تستطيع أن تحمي الجميع.
ومن يعرف السياسة وموازين القوى الإقليمية والدولية يدرك أن الشعارات وحدها لا تبني مستقبلاً.
ماذا يحتاج الكورد اليوم؟
الكورد في سوريا لا يحتاجون فقط إلى قوة عسكرية.
إنهم يحتاجون إلى حقوق لا يستطيع أي حاكم قادم أن يلغيها بقرار سياسي.
يحتاجون إلى دستور يعترف بوجودهم وهويتهم وحقوقهم.
يحتاج المواطن الكوردي إلى أن يتحدث لغته دون خوف، وأن يقرأ كتاباً كوردياً دون أن يشعر بأنه يرتكب جريمة، وأن يدرس لغته ويحافظ على ثقافته وتراثه.
يجب ألا يعود الزمن الذي كان فيه الإنسان يخشى من هويته أو لغته أو اسمه.
ومن حق الكورد أن يؤسسوا أحزابهم السياسية، وأن يدخلوا الانتخابات، وأن يصلوا إلى البرلمان والحكومة ومؤسسات الدولة مثلهم مثل بقية السوريين.
ونحن الكورد، ما شاء الله، لسنا بحاجة إلى من يعلمنا كيفية تأسيس الأحزاب؛ فلدينا من الأحزاب ما يكفي وربما أكثر مما نحتاج!
لكن كثرة الأحزاب ليست هي الديمقراطية.
الديمقراطية الحقيقية هي أن تستطيع هذه الأحزاب العمل بحرية، وأن تنافس عبر صناديق الاقتراع، وأن تتغير الحكومات دون أن تتغير حقوق المواطنين، وأن تكون الدولة أكبر من الحزب والطائفة والقومية.
من البندقية إلى الدستور
هنا تبدأ المرحلة الأصعب.
إن انتهاء الوضع العسكري المستقل لـ«قسد» لا ينبغي أن يعني انتهاء القضية السياسية للكورد في سوريا.
بل ربما يكون العكس صحيحاً.
اليوم تبدأ المعركة السياسية والقانونية والدستورية الحقيقية.
لقد صدر خلال عام 2026 اعتراف رسمي بالهوية الثقافية واللغوية للكورد، واتُّخذت خطوات تتعلق بتعليم اللغة الكوردية وحقوق المواطنة. هذه خطوات مهمة ويجب النظر إليها بإيجابية.
لكن المراسيم وحدها ليست كافية.
الرئيس يتغير، والحكومة تتغير، وموازين القوى تتغير.
أما الحقوق الأساسية فيجب أن يحميها الدستور.
ولهذا أعتقد أن الأولوية الكوردية في المرحلة المقبلة يجب أن تكون العمل على تثبيت الحقوق القومية والثقافية واللغوية والسياسية للكورد في الدستور السوري بصورة واضحة لا تقبل التأويل.
نريد سوريا يكون فيها الكوردي كوردياً وسورياً في الوقت نفسه، والعربي عربياً وسورياً، والسرياني سريانياً وسورياً، دون أن يطلب أحد من الآخر التخلي عن هويته حتى يثبت وطنيته.
المسؤولية لا تقع على مظلوم عبدي وحده
من الخطأ أيضاً أن نضع كل القضية الكوردية السورية على كتفي شخص واحد.
مظلوم عبدي أدى دوراً عسكرياً وسياسياً مهماً في مرحلة تاريخية شديدة التعقيد، ولكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى السياسيين والقانونيين والمثقفين والبرلمانيين والمجتمع المدني.
وهنا تقع مسؤولية كبيرة على الأحزاب الكوردية السورية المختلفة وعلى الشخصيات الكوردية الموجودة داخل مؤسسات الدولة والبرلمان السوري.
بدلاً من الصراع المستمر بين الأحزاب الكوردية حول من يمثل الكورد أكثر من الآخر، عليهم الاتفاق على الحد الأدنى من المطالب الدستورية المشتركة.
قد يختلفون في الاقتصاد، وفي شكل الإدارة، وفي العلاقات الخارجية، وفي التحالفات السياسية، وهذا طبيعي في أي مجتمع ديمقراطي.
لكن يجب أن تكون هناك أرضية مشتركة حول اللغة والثقافة والمواطنة والتمثيل السياسي والحقوق الدستورية وعدم التمييز.
هذه هي السياسة الحقيقية.
تعيين مظلوم عبدي مستشاراً للرئيس
إن تعيين مظلوم عبدي مستشاراً لرئيس الجمهورية خطوة سياسية لها دلالة مهمة، لأنها تنقل شخصية كانت تقود واحدة من أقوى التشكيلات العسكرية في سوريا إلى داخل الإطار السياسي للدولة.
لكنني أعتقد، مع كامل الاحترام لهذا القرار، أن خبرة مظلوم عبدي ومكانته السياسية والعسكرية وعلاقاته الدولية كان يمكن الاستفادة منها في موقع تنفيذي أكبر.
منصب المستشار مهم، لكنه يبقى منصباً استشارياً.
كان من الممكن، على سبيل المثال، التفكير في حقيبة وزارية مهمة، أو موقع يتعلق بالعلاقات الخارجية أو شؤون المكونات والحوار الوطني، أو أي مسؤولية عليا تمنحه دوراً مباشراً في صناعة القرار.
بل إن وصول شخصية كوردية ذات وزن حقيقي مستقبلاً إلى أحد أعلى مناصب الدولة السورية يجب ألا يُنظر إليه باعتباره تنازلاً للكورد، وإنما دليلاً على أن سوريا الجديدة أصبحت فعلاً دولة لجميع مواطنيها.
وإذا استطاعت دمشق أن تستوعب شخصيات كوردية ذات ثقل حقيقي في أعلى مؤسساتها، فإن ذلك سيمنح الدولة السورية نفسها مزيداً من الثقة داخلياً واحتراماً خارجياً.
فالدولة القوية لا تخاف من التنوع؛ الدولة الضعيفة فقط هي التي تخاف من اختلاف أبنائها.
لا نريد انتصاراً كوردياً على العرب ولا عربياً على الكورد
هذه نقطة أراها أساسية.
المشروع الصحيح ليس انتصار الكورد على العرب، ولا انتصار العرب على الكورد.
بعد كل الدم السوري، يجب أن يكون الانتصار لسوريا الجديدة وللمواطن السوري.
لا أريد للكوردي أن يشعر أنه ضيف في دمشق، كما لا ينبغي للعربي أن يشعر أنه غريب في قامشلو أو الحسكة.
نحتاج إلى عقد وطني جديد يقوم على المواطنة والشراكة.
وعندما تكون الحقوق محفوظة بالدستور، تصبح البندقية أقل أهمية.
وعندما يستطيع الإنسان أن ينتخب ويعارض ويؤسس حزباً ويتحدث بلغته ويدافع عن ثقافته ويذهب إلى المحكمة للحصول على حقه، فإن السياسة تحل تدريجياً محل السلاح.
فصل المسار السوري عن حزب العمال الكوردستاني
ومن النقاط المهمة التي ينبغي التوقف عندها أيضاً أن مظلوم عبدي استطاع، في مرحلة شديدة الحساسية، أن يحاول الموازنة بين الاعتبارات الكوردية من جهة والواقع السوري من جهة أخرى، وأن يؤكد بصورة أوضح أن مستقبل «قسد» والقضية الكوردية في سوريا يجب أن يُبحث داخل الإطار السوري، لا باعتباره امتداداً لصراعات حزب العمال الكوردستاني «PKK» خارج الحدود السورية.
لقد استُخدمت، طوال سنوات، الاتهامات بوجود ارتباط بين «قسد» وحزب العمال الكردستاني كواحدة من أكثر القضايا تعقيداً في العلاقة مع تركيا، كما انعكست بصورة مباشرة على أمن واستقرار المناطق الحدودية وأصبحت ذريعة دائمة للتصعيد والتدخل العسكري. وبغض النظر عن المواقف المختلفة من هذه الاتهامات، فإن مصلحة كورد سوريا اليوم تقتضي بناء مسار سياسي سوري مستقل وواضح، تكون مرجعيته سوريا ومستقبل مواطنيها.
ومن هنا أرى أن ابتعاد مظلوم عبدي عن أي صراع عابر للحدود، وتركيزه على «قسد» ومستقبل الكورد داخل سوريا، يمثل خطوة سياسية مهمة. فالقضية الكوردية السورية يجب ألا تتحمل أعباء صراعات إقليمية أخرى، ولا ينبغي أن يبقى مستقبل ملايين السوريين رهينة خلاف تاريخي بين تركيا وحزب العمال الكوردستاني. كلما استطاعت القيادة الكوردية السورية أن تؤكد استقلال قرارها وأن تجعل دمشق والحوار السوري والدستور أساساً لعملها السياسي، أصبحت أكثر قدرة على حماية حقوق الكورد، وفي الوقت نفسه أكثر قدرة على تخفيف المخاوف الإقليمية وفتح الطريق أمام مرحلة جديدة تقوم على السياسة بدلاً من السلاح.
الواقعية ليست استسلاماً
يمكن للمرء أن يختلف مع مظلوم عبدي في تفاصيل كثيرة، ويمكن نقد الاتفاقات والنتائج، وهذا حق مشروع.
لكن من غير العادل تقييم القرار وكأن سوريا تقع في فراغ جغرافي وسياسي.
هناك تركيا، والعراق، وإيران، وإسرائيل، والولايات المتحدة، والدول العربية، إضافة إلى المصالح الدولية المتشابكة.
وفي ظل هذه الخريطة، كان على القيادة الكوردية أن تسأل نفسها: هل نستمر في مشروع عسكري مفتوح النهاية، أم نحاول تحويل ما تحقق خلال السنوات الماضية إلى حقوق سياسية ودستورية داخل سوريا؟
أنا أرى أن اختيار الطريق السياسي كان القرار الأكثر واقعية.
لكن نجاح هذا القرار لن يُقاس اليوم ولا غداً.
سيُقاس بعد سنوات بالسؤال التالي:
ماذا حصل الكورد في الدستور السوري؟
إذا أصبح الكورد شركاء حقيقيين في الدولة، وإذا ضُمنت لغتهم وثقافتهم وحقوقهم السياسية، وإذا استطاع أبناؤهم الوصول إلى البرلمان والوزارة ورئاسة المؤسسات وربما يوماً إلى رئاسة الدولة على أساس الكفاءة وصندوق الاقتراع، عندها يمكن القول إن الانتقال من السلاح إلى السياسة كان خطوة تاريخية ناجحة.
أما إذا انتهى السلاح ولم تبدأ السياسة الحقيقية، وإذا بقيت الحقوق مرتبطة بالمراسيم والوعود فقط، فإن المشكلة ستبقى للأجيال المقبلة.
لهذا فإن المرحلة الحالية ليست نهاية الطريق.
إنها بداية طريق جديد.
الكورد اليوم لا يحتاجون إلى حرب أخرى، بل إلى دستور يحميهم، وديمقراطية تمثلهم، ودولة لا تطلب منهم أن يتخلوا عن لغتهم وهويتهم لكي يكونوا مواطنين سوريين.
وهذه، في تقديري، هي المعركة السياسية التي تستحق أن تتوحد من أجلها القوى الكوردية السورية في المرحلة المقبلة.
.webp&w=3840&q=75)
