مع مرور الذكرى الثانية عشرة للإبادة الجماعية التي تعرض لها الإيزديون، لا يزال المجتمع الإيزدي يعيش آثار الصدمة التي نتجت عن هجوم تنظيم داعش وارتكابه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وجرائم وصفتها المؤسسات الدولية – فريق يونيتاد - بالإبادة الجماعية بسبب طبيعة تلك الجرائم التي هزت الضمير الإنساني. هذه الجرائم تركت جرحاً عميقاً في وجدان الفرد الإيزدي، ولا يزال يعيش هول الصدمة، لعدم تحقيق العدالة وإنصاف الضحايا وتوثيق الذاكرة لكي تصبح ذاكرة وطنية شاملة.
مع انتهاء فعاليات إحياء الذكرى الثانية عشرة، لا تزال العديد من الملفات التي تتعلق بجرائم الإبادة الجماعية معلقة، ولا يزال الإيزديون ينتظرون بصبر تجاوز المحنة والعودة إلى الحياة التي يأملون أن تكون خالية من العنف والتطرف وخطابات الكراهية وتهميش أتباع عقيدة ووجود الإيزديين في هذا العالم.
هذه الملفات تأتي بعد تراكم التساؤلات والمطالب المستمرة للمجتمع الإيزدي على عدة مستويات مع عدة حكومات تشكلت منذ عشر سنوات، قدمت الكثير من الوعود، لكن بقيت هذه الملفات التي يصعب تنقيتها وفرز العشرات من الأسئلة التي تراود الفرد الإيزدي خاصة، وأبناء جميع الأقليات الدينية بشكل عام، في عراق يدفع بأبنائه الأصلاء إلى ترك البلاد، لذلك تبدأ الأسئلة بأكثر المحاور حساسية وتنتهي بالهجرة وقرار الهجرة الذي يعد الأقسى على كل فرد يتخذه ليترك عالمه وحياته وتراثه وخصوصيته بحثاً عن الأمان واحترام كرامته.
ملف المختطفات
مع ذكرى كل سنة جديدة على الإبادة، تنشر العديد من الجهات أو تتسابق في نشر الإحصاءات التي تخص ملف المختطفات، الموضوع الأكثر حساسية وتأثيراً. يتساءل الإيزديون: كيف لكل من بيديه مسؤولية هذا البلد أن يتصور أن يتحمل المئات من العوائل الإيزدية هذا الجرح العميق، الذي يخص تمزيق كرامة النساء والفتيات، ليس لشيء سوى أنهن إيزديات، وأن هناك من لا يزال يعيش بين ظهرانينا في هذا البلد يحلل خطفهن وسبيهن وبيعهن وعتق رقبتهن... وهنا يتساءل الإيزديون: متى تنتهي هذه الثقافة البربرية حتى يشعروا بأنهم بشر لهم الحق في الحياة كما للآخرين جميعاً، وأن هذه الجرائم لن تتكرر أبداً؟
سؤال المقابر الجماعية
الامتحان الأصعب الذي تواجهه الدولة العراقية بمختلف مؤسساتها، الجرائم التي ارتكبها تنظيم داعش في سنجار أسفرت عن اكتشاف 93 مقبرة جماعية في عموم قضاء سنجار وناحية القحطانية، وتم إلى الآن فتح 68 مقبرة، ولا تزال 25 مقبرة أخرى تنتظر العمل عليها. إذ وصل عدد الضحايا الذين تم التعرف على رفاتهم من قبل دائرة الطب العدلي إلى 274 شخصاً، ولا تزال أكثر من 500 رفات في دائرة الطب العدلي تنتظر قراراً بتأمين المبالغ والمستلزمات لحسم هذا الملف.
"آخر التحديثات في هذا المجال جاء من قبل السيد مراد إسماعيل، عضو مجلس النواب العراقي، في صفحته بعد لقائه مدير عام دائرة المقابر ومدير عام الطب العدلي: إن ذريعة نقص التمويل في العامين الأخيرين ليست كافية، فالتمويل كان ممتازاً في السنوات السابقة، وهذه الرفات والمقابر قائمة منذ 12 عاماً؛ إذ لم يُنجَز سوى مطابقة 215 شهيداً من المقابر الجماعية و82 من المقابر الفردية، من إجمالي الرفات المستخرجة البالغ 776 من المقابر الجماعية و111 من المقابر الفردية".
أي بلد نعيش، وثرواته تُنهب يميناً وشمالاً، والدولة لا تستطيع تأمين كادر كافٍ ومختبرات كافية للتحقيق والتحقق من الـDNA لرد الاعتبار لضحايا المقابر الجماعية؟ أقل ما يمكن أن تقوم به لرد الاعتبار لضحايا المقابر الجماعية هو تشخيص هوية الضحايا وإعادة الرفات بكرامة إلى ذويهم (لا نريد الإشارة إلى ما يجري في عمليات نقل الرفات...!).
السؤال الأليم هنا: كيف لمسؤولي هذا الملف أن يناموا ولا يستطيعوا تأمين مبالغ لنصب مختبرات جديدة وتعيين وتدريب كوادر كافية لغلق هذا الملف كجزء من ملف الإنصاف وإعادة الاعتبار لكرامة الضحايا وذويهم؟ ليس فقط للضحايا الإيزديين، بل لجميع الضحايا في المقابر التي تنتشر في البلاد لجميع المكونات.
انتظار تحقيق العدالة والإنصاف للشهداء والجرحى وحقوقهم واحد من أهم ملفات ما بعد الإبادة، وأقل الملفات التي أخذت مساحة كافية للمتابعة والتحقيق والتدقيق – سؤال ذوي الضحايا وأسئلتهم الكثيرة التي تتردد في أروقة الدوائر التي تخص أوراقهم ومستقبلهم تشير إلى أن حسم هذا الملف يسير بطريقة السلحفاة، أو على الأقل هكذا يتصورون..! هؤلاء الذين ضحوا بدمائهم من أجل كرامة الإنسان والأرض والعرض ينتظرون كل شهر راتباً شهرياً بائساً – يتساءل ذوو الضحايا: ألهذا راحت دماء أبنائنا هدراً؟ بحسب مديرية شؤون الناجيات، فإنه فقط في الأيام الأولى – تقريباً فقط لشهر آب – سقط (1293) شخصاً من الإيزديين ضحايا جرائم القتل الجماعي التي قام بها تنظيم داعش، وقائمة الضحايا طويلة من الذين قاتلوا في الساعات والأيام الأولى وضحوا بأرواحهم، ولا يجد العاملون في المؤسسات المعنية بإنصافهم ساعة إضافية من العمل حتى ينهوا معاناتهم في المراجعات والمتابعات...
أثناء عشر سنوات مرت، والناجيات والناجون ينتظرون تحقيق العدالة بصبر لا مثيل له – قبل أيام كنت في مقابلة مع إحدى الناجيات، والاستماع فقط إلى صوتها وسردها لقصتها يهز وجدان الإنسان – تنتظر الناجيات والناجون الإيزديون تحقيق العدالة وإنصافهم على مضض، في دولة يقتل الروتين فيها كل مبادرة حقيقية لإنصافهم ودعمهم – رغم أن مديرية الناجيات تبذل جهوداً كبيرة وتعمل بجدية بهذا الخصوص، إلا أن التحديات جمة وكثيرة، والسؤال الصعب جداً ترجمته إلى الواقع هو: ما يتطلب لتحقيق العدالة والإنصاف في هذا الملف هو التعامل معه كملف وطني إنساني عابر للمحاصصة والسياسات الحكومية، من خلال توفير الدعم اللامحدود وإبعاد هذا الملف عن أية تدخلات وتغيير مساره، لأنه جزء من تحقيق العدالة الانتقالية بخصوص ضحايا الإبادة الجماعية للمجتمع الإيزدي – يشدد الضحايا (الناجيات والناجون وذووهم والمجتمع الإيزدي) على عدم المساس بقانون الناجيات باعتباره جزءاً من تحقيق العدالة للإيزديين وإنصافهم، وإبعاد هذا القانون عن المحاصصة والمحسوبية التي تهدف إلى تشويه صورة القانون بتغيير شموليته – مع الاحترام الكبير للضحايا من بقية المجتمعات، إلا أن المهم معرفته أن هذا القانون يجب أن يبقى مخصصاً للإيزديين، ويمكن تطوير قوانين أخرى لشمول النساء والفئات الأخرى بصيغ من الدعم والمساندة – يتطلب أن يعرف ويعتز كل عراقي بالناجيات الإيزديات، ولا يسمح بالتجاوز عليهن وعلى حقوقهن وخصوصياتهن.
ما يجدر ذكره أن ((تنظيم داعش اختطف 6417 إيزدياً، تحرر أكثر من نصف هذا العدد بفضل جهود حثيثة من قبل نشطاء من المجتمع الإيزدي ومختلف المؤسسات، وخاصة الدعم السخي من قبل مكتب المخطوفين الذي يتم دعمه من قبل رئاسة حكومة إقليم كوردستان، السيد نيجيرفان بارزاني، إلى جانب المنحة الشهرية المستمرة من مكتب رئيس حكومة الإقليم، السيد مسرور بارزاني))، كما أن العديد من النشطاء من المجتمع الإيزدي وأصدقائهم من مختلف المكونات بذلوا جهوداً كبيرة في إنقاذ النساء والفتيات، وخاصة في السنوات الأخيرة من الأراضي السورية.
إن ملف الناجيات هو الأكثر حساسية والأكثر إنسانية، ولا يزال ملفاً غير معروف لجميع العراقيين. ورغم حجم الاهتمام والتعاطف الدولي في السنوات الأولى، وقدرة المجتمع الإيزدي على استيعاب الصدمة، وبياني البابا شيخ وأمير الإيزديين بدعم واستقبال الناجيات، وجهود المجتمع الإيزدي في احتضانهن، ودعم المنظمات الدولية بإرسال المئات منهن للعلاج والتأهيل في برامج مختلفة في ألمانيا – أميركا – كندا – فرنسا – أستراليا، سببت هذه البرامج جرحاً عميقاً بسبب التفتت الذي أحدثته، وبقاء العشرات من الناجيات والناجين لم يستطيعوا الالتحاق بذويهم ولمّ الشمل العائلي – لا بل إن بعضهم عاد ليعيش تحت وطأة العيش لكي يكون قريباً من ذويه، أو يستمر في البحث عن أحبائه، وبقاء المئات في المخيمات وفي سنجار يواجهون صعوبة الحياة ومأساة استذكار الجرائم أمام أعينهم وصعوبة الوصول إلى الحقوق، من الهموم المستمرة التي تسبب ألماً وتترك آثاراً نفسية وجراحاً ليس سهلاً التئامها... (قالت إحدى الناجيات قبل أسابيع في لقاء معها: كلما أزور سنجار أشعر أنني أعيش لحظات الإبادة كما في وقتها، وعندما أعود إلى منزلي أحتاج أياماً لكي أستعيد ذاكرتي وراحتي النفسية).
سؤال التعويضات الخارج عن الإنصاف هو الآخر واحد من ملفات ما بعد الإبادة الشائكة... تعيش آلاف العوائل التي عادت إلى سنجار، وفق وعود حكومية، على أمل الحصول على التعويضات – هذا الملف الشائك الذي لا يجد من يحقق فيه ويقدم الرؤية الحقيقية لما يحصل، وعن سبب التأخير، فبين الفترة والأخرى تتبدل التعليمات وتنتشر الحجج بعدم توفر الأموال أو تحديث التدقيق في الملفات، والنتيجة: لا يزال أكثر من سبعين بالمئة من المستحقين لم يحصلوا على التعويضات أو لم تنتهِ معاملاتهم، وفقاً للمتابعات التي قامت بها عدد من المنظمات – شاركت شخصياً في أكثر من واحدة من هذه المبادرات – والسؤال غير البريء: كيف تقيّم اللجان هذا الأمر إذا كان منزل قد دُمر بالكامل، ويتم تحديد مبلغ بين عشرة إلى اثني عشر مليون دينار لا يكفي لرفع الأنقاض؟ وتنتشر بين فترة وأخرى تصريحات المسؤولين بأنهم يعملون من أجل دعم الإيزديين حتى يعودوا إلى مناطق سكناهم – عن أية عدالة وإنصاف تتحدثون، وهذه المبالغ للتعويضات التي تعد بائسة لا تعطي الأمل للإيزديين بأنه يتم إنصافهم، ولا تساعدهم على العودة بكرامة والبدء بحياة جديدة...
تساؤلات ملف العدالة... العدالة تعني الكرامة، والكرامة تعني الإنصاف، والإنصاف يعني المساواة أمام القانون، والمساواة أمام القانون تعني وجود مؤسسات تعمل لتحقيق هذه الأمور لكي لا تتكرر الجرائم، ولا يصبح الضحايا مجدداً ضحايا وأهدافاً لجماعات، كما هو حال الإيزديين الذين أصبحوا هدفاً سهلاً لتنظيم داعش الإرهابي – العدالة تعني المضي وفق السياقات الدولية لتحقيق العدالة الانتقالية في معالجة الأسباب التي أدت إلى حصول جرائم الإبادة، والدوافع التي أدت إلى خلق الكراهية ضد الإيزديين وتجييش الإرهابيين من مختلف دول المعمورة لكي يأتوا لإبادة الإيزديين وسبي نسائهم. ما هي نوعية ومستوى الآليات التي يتم اتباعها لتحقيق الأمن والاستقرار وإصلاح المؤسسات وجبر الضرر وتقديم الاعتذار والاعتذارات للإيزديين بشكل عام، وللضحايا وعلى رأسهن الناجيات بشكل خاص؟ العمل في ملف العدالة يشوبه التشويش والتشويه، فيوماً يعتبرون اتفاقية سنجار جزءاً لتحقيق العدالة، وتوقف حتى الحديث عنها وكيفية تطبيقها على أرض الواقع – ويوماً يعتبرون أن ملف تحقيق العدالة مرتبط بملف عسكرة المنطقة ووجود الجماعات المسلحة في سنجار، وهي نفس الجماعات التي تتلقى الدعم والتجهيز والتمويل من الحكومة ومعفاة من المراقبة وو وو – ويوماً يعتبرون أن تسجيل كم قطعة أرض باسم الإيزديين هو الإنجاز الذي يجب أن يتحدث عنه إيلون ماسك وترمب وغوتيريش، السكرتير العام للأمم المتحدة، في وقت لا يزال الآلاف لا يملكون سند المنازل التي تهدمت... ملف العدالة بخصوص الإبادة الجماعية التي حصلت ضد الإيزديين لا يتحقق بالشعارات والتصريحات الإعلامية التي تعود الإيزديون على سماعها منذ اثني عشر عاماً، بل بالجدية والإرادة الحقيقية لتحقيق جميع عناصر العدالة بشفافية ومشاركة من ممثلي المجتمع الإيزدي خاصة... هل تمتلك أية جهة في العراق الإجابة على هذا السؤال أو القدرة على أن هذا الأمر ممكن التحقيق؟
المحاكم.. يحلم الإيزديون أن تجري محاكم عادلة وعلنية للعشرات من كبار قادة التنظيم – لكن هناك معرقلات كثيرة لهذا الأمر، أبرزها أنها ستكشف حقيقة العشرات من القادة بأن ذويهم وأشقاءهم وأقرباءهم الآن مسؤولون كبار في الدولة – كما تنشر بعض المنصات أسماء لشخصيات عديدة، وثانياً بأن هذا الأمر سيلحق الأذى والضرر ويشوّه سمعة بعضهم عن سبق الإصرار والترصد، لذلك الأفضل عدم نشر أسماء المتهمين كونهم ينتمون إلى تلك العشيرة أو غيرها، وما يؤسف له أنه يتم الحكم على مرتكبي جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب وفق قانون مكافحة الإرهاب، المادة الرابعة -- لا يهم أن يعيش الإيزديون يحلمون بمحاكم عادلة ويمضغون ألم السنين، والذين يجب أن تطالهم إجراءات العدالة يختفون وينسابون بين الجماهير بأسماء مختلفة وينضمون لجماعات مسلحة، يصبحون قادة ويأمرون، وتجارب إلقاء القبض على البعض منهم هنا وهناك مؤخراً أفضل دليل على هذا التخوف الأخير..
قال أحد الضحايا: لو أن عناصر داعش كانوا يعرفون أنه سيتم إنزال أقسى العقوبات بهم، لما كانت جرائمهم بشعة إلى هذا الحد ضد الإيزديين، لأنه كانت لديهم تجربة في فترة القاعدة وغيرها من الجماعات التي ارتكبت جرائم بحق الشعب العراقي -- يدعو العديد من النشطاء والحقوقيين والعاملين في ملف الإبادة الجماعية من الإيزديين وغيرهم إلى تحقيق العدالة، في وقت ليس لدى المجتمع الإيزدي أو الناشطين في هذا الملف أية معلومات عن إجراءات سير محاكم عناصر التنظيم، إلا في حالات نادرة قليلة جداً، وأعداد قليلة جداً من المحاكمات لعناصر داعش جرت بعلم المجتمع الإيزدي عموماً وبمعرفة وحضور بعض الناجيات خصوصاً – لا تزال الثقة في غير مستواها بالمحاكم، ولا تزال مطالب الإيزديين بإنشاء محاكمات خاصة – أو محكمة خاصة أو هجينة دولية بإشراف وتنسيق مستشارين دوليين – لا تلقى آذاناً صاغية، ولا يزال الضحايا والناجيات خصوصاً ليسوا في مستوى من الثقة بالإجراءات بما يساعد على تقديم الشكاوى ضد مئات الأشخاص الذين ارتكبوا جرائم الخطف والسبي والاغتصاب.. السؤال الصعب جداً -- متى وكيف سيشعر الضحايا بأنهم في أمان حتى يقدموا الشكاوى، حتى يشعروا بالإنصاف، وتصبح المحاكم ساحة آمنة ومنطلقاً رادعاً لكي لا يتجرأ أشخاص ذوو ميول فكرية إرهابية على ارتكاب جرائم أخرى يندى لها جبين الإنسانية – وتصبح الاعترافات إرثاً حضارياً حتى لا تتكرر جرائم السبي وقتل وخطف النساء ثانية..
النازحون والعودة والبقاء... القرار الصعب تتضارب الأرقام حول عدد الإيزديين الذين عادوا إلى سنجار، وعدد الذين لا يزالون يعيشون في النزوح، سواء في المخيمات أو خارجها، أو الذين لا يزالون نازحين داخلياً في سنجار وعلى جبل سنجار، وخاصة مخيم سردشتي، وعدد الذين هاجروا إلى الخارج أيضاً.. تتضارب التصريحات الحكومية حول ملف العودة، وبين فترة وأخرى يُفتح الملف ويُغلق – يُفتح ملف العودة ويعودون ليقولوا إنه لم تعد هناك قدرة على توفير الأموال، في وقت لم يستلم المئات مستحقات العودة لوجبات سابقة، والآلاف ينتظرون – وبحسب تصريحات رسمية لأكثر من مصدر، فإن غالبية أهالي سنجار لم يستلموا التعويضات، مقارنة ببقية المناطق التي تضررت من سيطرة تنظيم داعش، بأن الغالبية قد استلموا تعويضات، وتعويضات أكثر بكثير مما كُتب وسُجل لأهالي سنجار.... والمؤسسات ذات العلاقة تتقاذف التهم تجاه بعضها البعض، من تسييس الملف وتجريده من إنسانيته إلى المساومة إلى المجهول – إلى متى يمكن أن يعيش الإنسان تحت خيمة أغلبها مهترئة؟ – منازل تتقاسم الصحيات – تعاني من قلة توفر مياه الشرب والخدمات الصحية ووو – أليس من حق الإيزدي الذي يعيش في المخيمات أو في بيوت إيجار أنهكته أن يتساءل: أليس عيباً على حكومة لا تستطيع أن تؤمن مبالغ كافية لتعويض النازحين تعويضاً مجزياً وسريعاً، بعيداً عن ملف التعويضات التي يستحقها نتيجة الحرب وتدمير منازلهم وسرقتها، بل تعويضاً سريعاً مجزياً؟ من يريد العودة يفتحوا الباب أمامه، ومن يريد البقاء فأمره متروك له؟؟ وأكثر شيء هو أنه بين فترة وأخرى تنشر وزارة الهجرة والمهجرين تصريحات وبيانات أغلبها غير دقيقة، وتقول إنها عملت وبذلت ووو من أجل تذليل العقبات أمام ملف العودة والنازحين، وتساؤلاتهم وحدها تبين الإجابة وتقدم أسئلة طويلة لا تنتهي... مواطنة من سنجار انتظرت ست سنوات حتى أكملت إجراءات تثبيت حق الحصول على التعويضات – منزلهم في مركز مدينة سنجار مدمر بالكامل، لا يصلح للعيش فيه مجدداً، ويجب رفع الأنقاض – طبعاً ليس أكيداً قدرتها وغيرها من العشرات على العودة إلى نفس الموقع – بعد انتظار ست سنوات تم تحديد مبلغ 13 مليون دينار تعويضاً لهم – لا تكفي لرفع الأنقاض وتسوية الأرض حتى يتم بناء دار جديد سيظلون يحلمون به مئات السنوات، وبهذا المبلغ لن يتحقق هذا الحلم...
إلى جانب ذلك، فإن الأرقام التي تخص أعداد الذين عادوا إلى سنجار وأعداد الذين لا يزالون في المخيمات وخارجها في إقليم كوردستان تتباين بين فترة وأخرى – وصلت إلى حد أن مؤسسات دولية نشرت أن أعداد الباقين في المخيمات لا تبلغ مئة ألف، والمؤسسات الحكومية تتحدث عن أكثر من هذا الرقم بكثير...!
إعادة الإعمار والإدارة الغائبة الحاضرة... يمكن القول إن جميع المناطق التي سيطر عليها تنظيم داعش قد عادت الحياة إليها بشكل طبيعي، إلا سنجار، لا تزال تئن تحت الآثار المدمرة لجرائم الحرب والدمار، وساحة للصراعات السياسية المعقدة التي تتداخل فيها عوامل إقليمية ودولية وداخلية أصبحت معقدة، لذلك منذ اليوم الذي تم اعتبارها منكوبة بسبب الجرائم التي ارتكبها تنظيم داعش هناك ضد الإيزديين، أو نسبة الدمار التي حصلت فيها، خاصة في مركز المدينة والمجمعات السكنية في جنوب سنجار، لم ترجع الإدارة ولم يحصل الإعمار – والمواطنون يعانون في سبيل إكمال الإجراءات الروتينية من مصاعب مالية ومعقدة، ويشعر المواطن أنه غير محترم في بلده، وآخر البدع التي أعلنتها الحكومة العراقية هو صندوق إعمار سنجار وسهل نينوى، حيث أعلن رئيس الوزراء العراقي السابق تخصيص مبلغ خمسين مليار دينار، نُفذت مشاريع أقل نسبة منها كانت في سنجار، بحسب المواطنين والمراقبين.. ويبقى ملف الإدارة عالقاً، ويتعقد مع كل مرة يتم فيها الحديث عن تعيين قائممقام أو مدراء نواحٍ، قضاء بلا قائممقام ونواحٍ بلا مدراء نواحٍ.... ولله فقط، على هذه الحالة يجب أن تقدم الحكومات العراقية كتب شكر لمواطني قضاء سنجار، ويُكتب الموضوع بأحرف من ذهب، بأن قضاءً وثلاث نواحٍ تعيش حالة من اللاإدارة منذ اثني عشر عاماً، والأمور فيها عال العال، والأمن تمام التمام، والمواطنون يدفعون ضريبة قلة الخدمات عال العال.. من يمكن أن يجيب على هذا التساؤل المعيب يا ترى؟
هل هناك ثقة بأن الذي حصل لن يتكرر؟... يؤكد آلاف الإيزديين بأنهم لا يثقون بالإجراءات التي حصلت إلى الآن لمنع تكرار ما حصل في 2014 مجدداً، ويؤكدون أن خطابات الكراهية وتشويه الحقائق وتغيير مسار الأحداث وتغيير اسم وعنوان الإبادة الجماعية بين سنة وأخرى، وعدم جرأة قادة وممثلي المجتمعات المجاورة التي شارك أبناؤها في عمليات القتل والخطف.
جيل الإبادة... جيل الهجرة: مضت عشرة أعوام على حصول الإبادة الجماعية التي تعرض لها الإيزديون، ونشأ جيل جديد في المخيمات، ومن الذين بقوا في سنجار أيضاً، من الأطفال الذين كبروا بعيداً عن أرضهم، وتراثهم المشتت الذي تعرض إلى التهديم العمدي – بخلق انتماءات جديدة، وتصورات لا أساس لها، جيل يفتقر إلى مقومات الثبات والتمسك بالأرض، جيل لا همّ له سوى التفكير بالهجرة – التفكير الذي سببه عدم تحقيق العدالة والإنصاف، ولا الدعم الذي يمكنهم من أن يعيشوا حياة طبيعية، لذلك باتت الهجرة الهم الأول والأخير لغالبيتهم، هذا الأمر الذي يشكل ضربة كبيرة لاستقرار المجتمع الإيزدي في سنجار، ويعد إحدى نتائج الإبادة الجماعية على المدى الطويل، إذ إن عمليات الإبادة تستهدف الثقافة والتراث والانتماء، ومع ظهور الحركات والجماعات السياسية المختلفة التي تستقطب العشرات تحت مختلف المسميات، يفضل هذا الجيل الهروب بعيداً... يلتحق به من أسباب تفضيل الهجرة عسكرة المجتمع المستمرة، ما يجعله يفكر بالتجرد من الثبات في الانتماء إلى الأرض والهوية. ويتساءل الجيل الجديد كل يوم: أين مصيرهم في هذا البلد؟ أين مكانتهم؟ وأين الإنصاف والعدالة الاجتماعية؟ وأين حصول الجميع على حقوقه؟ وأين ومتى سينال المجرمون جزاءهم؟ ومتى ستجف منابع الخوف من التعرض للإبادة مجدداً؟؟؟؟ أسئلة بالتأكيد لن يجدوا الإجابة عليها، لا اليوم ولا بعد سنوات، بسبب الوضع الشائك في العراق، الذي لا يستطيع احتضان أبنائه بعدالة وإنصاف، وتوثيق ذاكرة الجميع والتعامل مع الجميع بإنصاف وعدالة حتى لا تتكرر المآسي، ولا تحصل جرائم إبادة جماعية ولا جرائم القتل الجماعي على الهوية، كما حصل للمسيحيين في الموصل أو في سبايكر والبونمر والموصل وحديثة والحويجة وووو، القائمة تطول وتطول، والأسئلة تبقى معلقة!!.
ماذا يجب أن نفعل؟ يعاني المجتمع الإيزدي، كنتيجة طبيعية لجريمة الإبادة التي تعرض لها، من تفتت وتشتيت كبير، وأصبحت الولاءات تسبق أي شيء، وتنتشر الاتهامات والصفات من مجموعة تجاه أخرى بحسب توزع ولاءاتها.. وهذا ما أثر سلباً على بناء الثقة بين أفراد المجتمع الإيزدي المقسم، والمؤسسات ذات العلاقة في سنجار بالدرجة الأولى، وبقية المناطق في نينوى وبغداد وإقليم كوردستان أيضاً. يضاف إلى ذلك عدم استقرار العلاقات الاجتماعية وضعف ثقة الناس بالمؤسسات، والخوف كل الخوف أن تتحول الضحية إلى جلاد، وفقاً لما يُنشر من تهم بين فترة وأخرى ضد الإيزديين، ووجود جماعات تريد تحريك مجموعة ضد أخرى أو رفع مستوى خطابات الكراهية التي تشكل واحدة من أكبر المخاوف، إذ ترتفع حدة خطابات الكراهية التحريضية ذات السمة الدينية، والتي تعد واحدة من علامات القلق والخوف من أن ترتفع هذه الخطابات دون معالجة، لتصبح مبرراً لارتكاب أعمال عنف أو المزيد من التمييز العنصري بسبب الانتماء الديني...
إن تشتت وتفتت المجتمع الإيزدي هو ما يقدم للحكومات العراقية المتعاقبة والجهات ذات العلاقة حجة: (مع من يجب أن نتحدث بخصوص مستقبل وشؤون الإيزديين في ظل صعوبة توحيد الصفوف وتنظيم شؤون المجتمع وقبول الكثيرين بأن يمثلهم طرف سياسي أو شخصية؟ – سرعان ما تواجه الاتهامات وتتوقف الجهود ويتراجع آخرون عن العمل)..
من المؤكد أن كل ما على المجتمع الإيزدي عمله في هذه المرحلة، وهو مهم جداً، تنظيم وتوحيد مطالب الإيزديين التي تتعلق بالآثار التي نتجت من جرائم الإبادة الجماعية، وهو تحديد هذه الملفات أعلاه ورفعها على الدوام إلى المؤسسات الوطنية والدولية، باعتبار أن هذا حق مشروع يتطلب نيله وليس منّة حكومية، وعدم السماح بأن تقارن بقية الجرائم التي ارتكبها تنظيم داعش، ومع كامل احترامنا لأرواح جميع الضحايا، بأن تتم مساواة ملف الإيزديين مع ملفات أخرى تتعلق بجرائم تنظيم داعش ضد مختلف مكونات الشعب العراقي، ومع كل هذا يجب ألا ننسى مأساة الإبادة الجماعية، وألا ننسى سنجار وأهلها، ونستمر من أجل تحقيق العدالة والإنصاف والذاكرة... والتأكيد بأن الحقوق لا تسقط بالتقادم...
ملاحظة: هذه المقالة هي مسودة لكتاب عن الإبادة الجماعية سينشر قريباً.
*باحث ومستشار في حل النزاعات وبناء السلام في مركز دراسات السلام، ومستشار ومدرب في الإعلام وقضايا الأقليات.

.webp&w=3840&q=75)
