بعد أكثر من ثمانية عقود من
الإنكار السياسي والتهميش القومي والسياسات الرامية إلى طمس الهوية الكوردية في
سوريا، وما رافقها من أشكال متعددة من القمع والترهيب والتمييز الذي مارسته
الأنظمة السورية المتعاقبة، ولاسيما تلك التي تبنّت أيديولوجيا قومية عروبية إقصائية،
يدخل الكورد السوريون مرحلة تاريخية مختلفة، فبدلاً من البقاء في موقع الدفاع
المستميت عن الوجود والهوية والحقوق، والاعتماد على القوة العسكرية في مواجهة
أخطار الإلغاء والاستهداف، ينتقلون اليوم إلى موقع المشاركة في رسم ملامح الدولة
والإسهام في إعادة بناء الوطن ومؤسساته.
وفي هذا الاطار، يشكّل إعلان
القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي حلَّ قسد كقوة عسكرية ومعها
الإدارة الذاتية بمؤسساتها الخدمية والادارية ودمجها في مؤسسات الدولة السورية،
نقطة تحوّل في التاريخ السوري الحديث. إن القرار لا يطوي فقط مرحلة عسكرية
وسياسية، بل يؤسّس، من حيث المبدأ لانتقال الكورد من الدفاع عن وجودهم خارج مؤسسات
الدولة إلى المشاركة في بنائها، ومن قوة السلاح التي فرضتها ضرورات الحرب إلى قوة
الشراكة والحقوق الدستورية.
من السهل قراءة القرار بوصفه
تراجعاً كوردياً أو خسارة عسكرية، لأن قسد لم تعد موجودة كأسم وكمنظمة، ولأن
الإدارة الذاتية تخلت عن قسم كبير من الصلاحيات والأدوات، لكن القراءة السياسية في
السياق العلمي الصحيح لا تنظر إلى القرارات فقط بما ينجم عنها من خسارات محتملة في
لحظة التحول نفسها، بل بما تستطيع تثبيته من حقوق ووجود. وهنا المسألة لا تتعلق
ببقاء اسم "قسد" أو زواله بقدر ما تتعلق بمصير الحقوق القومية والثقافية
واللغوية للكورد، وشكل الإدارة المحلية، وحجم المشاركة في مؤسسات الدولة، ومدى
حضورهم في الجيش والحكومة والبرلمان والقضاء والدبلوماسية.
من هذه الزاوية يمكن النظر إلى
قرار عبدي بوصفه محاولة للانتقال من قوة عسكرية محدودة بظروف الحرب والتحالفات
الخارجية إلى قوة سياسية تبحث عن موقع دائم لها داخل الدولة، فالقوة المسلحة مهما
اتسعت مناطق سيطرتها، تبقى مرتبطة بموازين وبمصالح دولية تتبدل سريعاً. أما الحق
الذي يدخل الدستور ويتحول إلى مؤسسات وقوانين ومشاركة فعلية، فيمتلك فرصة أكبر
للبقاء والاستمرار.
وقد جاءت عملية الاندماج مترافقة
بخطوات عملية تتعلق بالاعتراف بالحقوق المدنية والتعليمية للكورد، وحق تعليم اللغة
الكوردية، ودمج قيادات عسكرية وإدارية كوردية في مؤسسات الدولة، وصولاً إلى تعيين
مظلوم عبدي مستشاراً لرئاسة الجمهورية، هذه الخطوات، على أهميتها لا تكفي وحدها
لحسم مستقبل القضية الكوردية. لكن تشير
إلى انتقالها من موقع التفاوض مع الدولة إلى داخل مؤسسات الدولة نفسها، والقيمة
الحقيقية لهذا الانتقال لن تُقاس بالمنصب الذي يشغله مظلوم عبدي، بل بقدرته على
تحويل التمثيل الشخصي إلى سياسات عامة، والوعود إلى قوانين، والاعتراف السياسي إلى
ضمانات دستورية مستدامة.
تكتسب هذه الخطوة معناها الأعمق
عند مقارنتها بالتجربة الكوردية في العراق. فعلى الرغم من الاختلافات الكبيرة بين
الدولتين وبين الظروف التاريخية والسياسية للكورد فيهما، تكشف تجربة كوردستان
العراق أن المكاسب الكوردية لم تتحقق بالسلاح وحده، وإنما من خلال الجمع بين
المقاومة والبراغماتية السياسية، وبين تثبيت الحضور على الأرض والتفاوض مع الدولة،
وبين التمسك بالهوية الكوردية والمشاركة في النظام الوطني العام.
لقد خاض كورد العراق عقوداً طويلة
من الصراع مع الحكومات العراقية المتعاقبة، وتعرضوا للتعريب والتهجير وحملات
الأنفال والقصف الكيميائي وتدمير آلاف القرى. ومع ذلك، لم تجعل القيادة الكوردية
من الاستقلال الفوري شرطاً مسبقاً لكل تفاهم، ولم تعتبر المشاركة في مؤسسات بغداد
تنازلاً عن الهوية القومية.
وجاء دستور العراق لعام 2005
ليعترف بإقليم كوردستان إقليماً اتحادياً قائماً، جوهر البراغماتية الكوردية
العراقية كان الجمع بين الخصوصية القومية والشراكة الوطنية، كما لم يعتبروا كل
تسوية خيانة أو كل تنازل تكتيكي تخلياً عن الحقوق القومية. وكانت تلك البراغماتية
تعبيراً عن فهم واقعي لموازين القوى. فقد أدركت القيادة الكوردية العراقية أن
عدالة القضية، على أهميتها، لا تكفي وحدها لتحقيق أهدافها، وأن المجتمع الدولي
يتحرك وفق المصالح والاستقرار والوقائع السياسية، وليس وفق العواطف أو الشعارات،
فلم تمنع العلاقات الاقتصادية والسياسية مع تركيا، مثلاً، قيادة إقليم كوردستان من
الدفاع عن هويتها ومصالحها. كما لم يمنع الصراع التاريخي مع بغداد من المشاركة في
النظام العراقي. لقد حافظ الكورد على قنوات التواصل حتى مع خصومهم، وأدركوا أن
السياسة لا تقوم على اختيار الأصدقاء فقط، بل على إدارة الخصومات وتحييد الأخطار
وتحويل بعض الخصوم إلى شركاء مؤقتين عندما تقتضي المصلحة ذلك.
في ضوء هذه التجربة، يمكن قراءة
الخطوة التي اتخذها مظلوم عبدي بوصفها اقتراباً من المدرسة السياسية التي اتبعها كورد
العراق، بمعنى محاولة إنقاذ الممكن وتثبيت الحقوق المتاحة، بدلاً من خسارة كل شيء
في مواجهة عسكرية غير متكافئة خاصة بعد تبدل الموقف الأميركي، وتعزيز واشنطن
علاقاتها مع الحكومة السورية الجديدة، وتصاعد الضغوط التركية، واتساع نفوذ دمشق،
أصبحت المحافظة على البنية العسكرية والإدارية المستقلة لقسد أكثر صعوبة.
كان على القيادة الكوردية السورية
أن تختار بين استمرار المواجهة، بما تحمله من احتمالات الحرب وخسارة الأرض وتهجير
السكان، وبين الدخول في تسوية تحافظ من خلالها على جزء أساسي من المكاسب ولكن
بصيغة جديدة داخل الدولة. وفي مثل هذه اللحظات لا يكون القرار المسؤول هو القرار
الأكثر ارتفاعاً في الشعارات، بل القرار الأقل كلفة على المجتمع والأكثر قدرة على
حماية مستقبله.
يمكن القول إن الإدارة الذاتية
استفادت جزئياً من تجربة كوردستان العراق، وإن جاء ذلك متأخراً وتحت ضغط التحولات
العسكرية والإقليمية، فمنذ تأسيس قسد 2015 حاولت قيادتها الكوردية تجاوز صورة
القوة القومية المغلقة، فأنشأت تحالفاً عسكرياً ضم كورداً وعرباً وسرياناً ومكونات
أخرى، وقدّمت مشروعها باعتباره مشروعاً سورياً ديمقراطياً لا مشروعاً انفصالياً،
كما نجحت في بناء شراكة عسكرية مؤثرة مع التحالف الدولي في مواجهة تنظيم داعش،
واكتسبت حضوراً دولياً لم يسبق للكورد السوريين امتلاكه.
لكن الإدارة الذاتية لم تستطع
خلال مراحل تجربتها المختلفة تحويل هذا الحضور العسكري والدولي إلى اعتراف سياسي
ودستوري واضح. كما أن طبيعة علاقتها الفكرية والتنظيمية بحزب العمال الكوردستاني
منحت تركيا ذريعة مستمرة لمحاصرتها وشن العمليات العسكرية ضدها، وأضعفت قدرتها على
بناء علاقات إقليمية متوازنة، ولم تنجح القوى المسيطرة على الإدارة أيضاً في إنتاج
إجماع كوردي سوري شامل، بسبب الخلافات مع المجلس الوطني الكوردي، وبقاء القرار
السياسي محكوماً بقدر من المركزية الحزبية والأيديولوجية.
وفي حين عملت قيادة إقليم كوردستان
العراق على توسيع علاقاتها الدولية والانفتاح على القوى المتناقضة، ساد في بعض
دوائر الإدارة الذاتية لفترة طويلة قدرمن الشك تجاه أربيل والتجربة الكوردستانية
العراقية. وأدت المنافسات الحزبية والأيديولوجية الكوردية إلى إضاعة فرص كان يمكن
استثمارها لبناء مرجعية كوردية سورية مشتركة، والاستفادة من خبرة إقليم كوردستان
في التفاوض والدبلوماسية وإدارة العلاقات مع القوى الكبرى ودول الجوار. غير أن
المسار الذي قاده مظلوم عبدي في السنوات الأخيرة أظهر تحولاً تدريجياً من الخطاب
الأيديولوجي إلى الواقعية السياسية، فقد عمل على تحسين علاقاته مع أربيل، وشارك في
حوارات جمعت القوى الكوردية السورية، وحافظ على قنوات الاتصال مع واشنطن والدول
الأوروبية، وفي الوقت نفسه دخل في مفاوضات مباشرة مع دمشق. وهذا التحرك متعدد
الاتجاهات يقترب من البراغماتية التي اتبعتها القيادة الكوردية العراقية: عدم وضع
مصير الشعب في يد حليف واحد، وعدم إغلاق باب الحوار حتى مع الطرف الذي يدور معه
الصراع.
هنا تبرز أهمية الدعم الذي قدمه
رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني لمظلوم عبدي ولمسار الحوار والاندماج. فهذا
التأييد لم يكن مجرد تضامن قومي أو موقف بروتوكولي، وإنما استند إلى خبرة كوردستانية
طويلة في التعامل مع التحولات الإقليمية وموازين القوى الدولية. وقد استضاف
نيجيرفان بارزاني في أربيل لقاءات شارك فيها مظلوم عبدي والمبعوث الأميركي، ونوقشت
خلالها خطوات دمج قسد والإدارة الذاتية في مؤسسات الدولة السورية وسبل الوصول إلى
حل سياسي يمنع الحرب ويحفظ الحقوق.
وبعد إعلان حلّ قسد، رحّب
نيجيرفان بارزاني بالتقدم المحرز في عملية الاندماج، واعتبره تطوراً مهماً نحو
تعزيز أمن سوريا واستقرارها، ودعا الأطراف الكوردية وبقية المكونات السورية إلى
دعمه والمساهمة في إنجاحه. كما ثمّن الدور الذي أداه كل من أحمد الشرع ومظلوم عبدي
في دفع العملية إلى الأمام، معبّراً عن أمله في أن تكون الخطوة بداية مرحلة تُحمى
فيها حقوق جميع المواطنين والمكونات السورية.
إن دلالة هذا الموقف تتجاوز
الترحيب بالاتفاق نفسه. فنيجيرفان بارزاني يمثّل اتجاهاً سياسياً كوردياً يرى أن
أكبر إنجاز يمكن تحقيقه ليس استمرار الحرب إلى ما لا نهاية، وإنما الوصول إلى صيغة
يستطيع الكورد من خلالها المحافظة على هويتهم وحقوقهم والعيش بسلام داخل الدول
التي ينتمون إليها. وهذه الرؤية لا تلغي الحلم القومي ولا تنتقص من التضحيات،
لكنها تضع حياة الناس وأمنهم ومستقبلهم فوق النزعات الأيديولوجية والشعارات غير
القابلة للتحقق.
لكن المقارنة مع إقليم كوردستان
العراق تكشف أيضاً الفارق الحساس بين التجربتين، فكورد العراق دخلوا الدولة
الاتحادية بعد تثبيت الاعتراف الدستوري بإقليمهم، واحتفظوا بحكومتهم وبرلمانهم
وقوات البيشمركة وصلاحياتهم الواسعة. أما كورد سوريا فقد دخلوا عملية الاندماج قبل
صدور دستور نهائي يحدد بصورة قاطعة شكل اللامركزية، ومكانة اللغة الكوردية، وطبيعة
الاعتراف الدستوري بالكورد، وحدود صلاحيات الإدارات المحلية.
ولهذا فإن المخاطرة في الحالة
السورية أكبر. فقد جرى حلّ القوة العسكرية المستقلة والبدء بدمج المؤسسات قبل
اكتمال الضمانات الدستورية والسياسية. وهذا يجعل نجاح قرار مظلوم عبدي مشروطاً بما
سيأتي بعده؛ فالبراغماتية لا تعني تسليم أوراق القوة في مقابل وعود عامة، بل تعني
مقايضة التحول العسكري باعتراف قانوني وسياسي دائم. ومع ذلك، لا يمكن فهم مخاوف
الكورد السوريين من خلال الحاضر وحده، فعلاقتهم بالدولة السورية لم تتأسس تاريخياً
على الثقة والمساواة، بل على الإنكار والاشتباه الأمني ومحاولات الصهر القومي.
وهنا ينبغي التمييز بين العروبة
بوصفها هوية ثقافية وتاريخية مشروعة، وبين القومية العربية عندما تحولت إلى
أيديولوجيا سلطوية مغلقة جعلت من العروبة معياراً وحيداً للانتماء الوطني.
فالمشكلة لم تكن في الثقافة العربية أو في المواطنين العرب، وإنما في الدولة التي
عرّفت سوريا على أنها دولة ذات هوية واحدة، ثم تعاملت مع الكورد والسريان
والآشوريين وغيرهم كما لو كانوا استثناءً أو خطراً ديموغرافياً وسياسياً.
وقد بلغ الشرخ إحدى ذراه في
انتفاضة آذار 2004، عندما تحولت أحداث قامشلو إلى احتجاجات كوردية واسعة قوبلت
بالرصاص والاعتقالات. وأثبتت تلك الأحداث أن القضية الكوردية لم تنتجها الحرب
السورية بعد عام 2011، بل سبقتها بعقود، وأنها نتيجة تراكم طويل من الإنكار
والتهميش وغياب المساواة. لذلك فإن مطالبة الكورد بالثقة الفورية بالدولة الجديدة،
من دون ضمانات دستورية واضحة، تتجاهل أن الثقة السياسية لا تُبنى بالخطابات
والمراسيم وحدها، وإنما بالاعتراف والعدالة والتجربة العملية. فالكورد لا يرفضون
سوريا وطناً، لكن الدولة السورية، في مراحل طويلة من تاريخها، رفضت الاعتراف بهم
شركاء أصليين في هذا الوطن.
ويزداد هذا القلق بسبب الخلفية
الفكرية والتنظيمية لبعض القوى التي شاركت في تكوين السلطة الجديدة. ولا يتعلق
الأمر بالدين أو بالمتدينين، بل بتوظيف الدين في إنتاج سلطة احتكارية ترى الأكثرية
الدينية صاحبة حق طبيعي في الحكم، وتنظر إلى بقية المكونات بمنطق الحماية أو
التسامح، لا بمنطق المواطنة المتساوية.
كما أن الانتهاكات التي استهدفت
مدنيين علويين في الساحل السوري، وما شهدته السويداء من أعمال عنف وتوترات دامية،
جعلا مخاوف الأقليات أكثر واقعية. فالحديث الرسمي عن المواطنة لا يكفي إذا بقيت
ضمن المؤسسات الأمنية والعسكرية جماعات تحمل ثقافة الانتقام أو التكفير. ولا يمكن
بناء دولة جديدة بالأدوات الذهنية والأمنية نفسها التي دمّرت الدولة القديمة.
ويضيف العامل التركي إلى المخاوف
الكوردية مستوى آخر من التعقيد. فأنقرة لا تنظر إلى الكورد السوريين من زاوية
حقوقهم داخل سوريا فقط، بل تضعهم غالباً في إطار صراعها مع حزب العمال الكوردستاني.
ولذلك رحّبت بحلّ قسد ورأت فيه تعزيزاً لمبدأ "دولة واحدة وجيش واحد"،
مؤكدة استمرار دعمها للحكومة السورية الجديدة.
لكن تركيا ليست، من وجهة النظر
الكوردية، وسيطاً محايداً. فمنذ عام 2016 نفذت عمليات عسكرية متكررة داخل الأراضي
السورية، وكانت السيطرة على عفرين عام 2018 لحظة شديدة القسوة في الذاكرة الكوردية
المعاصرة. فقد رافق العملية نزوح أعداد كبيرة من السكان الكورد، ثم شهدت المنطقة
استيلاءً على الممتلكات واعتقالات وخطفاً وانتهاكات ارتكبتها فصائل سورية مدعومة من
أنقرة، وفق تقارير حقوقية دولية.
ومن هنا يبرز السؤال: هل ستساعد
تركيا على بناء دولة سورية تعددية تعترف بحقوق الكورد، أم ستستخدم نفوذها لمنع أي
اعتراف دستوري بوجودهم القومي وحقهم في إدارة شؤونهم المحلية؟ إن وحدة سوريا مصلحة
للكورد أيضاً، لكنها لا يمكن أن تقوم وفق النموذج القومي المركزي الذي يرى كل
تعبير كوردي مستقل تهديداً أمنياً.
إن الدولة الواحدة والجيش الواحد
لا يشكلان مشكلة في ذاتهما، إذا كانت الدولة دولة جميع مواطنيها والجيش مؤسسة
وطنية مهنية. أما إذا كانت الدولة محكومة بهوية قومية أو دينية واحدة، فإن شعار
الوحدة قد يتحول إلى وسيلة لإلغاء التعدد. فالجيش الوطني ليس الجيش الذي يجمع جميع
الأسلحة تحت قيادة واحدة فحسب، بل الذي يشعر كل جندي ومواطن، أياً كانت هويته
القومية أو الدينية، بأنه يمثله ويحميه.
هنا تظهر أهمية اللامركزية
باعتبارها الإطار الأكثر قدرة على الجمع بين وحدة سوريا وحقوق مكوناتها.
فاللامركزية ليست تقسيماً، كما يحاول الخطاب القومي تصويرها، بل صيغة دستورية
لإدارة التنوع وتوزيع السلطة ومنع عودة الاستبداد. لقد كانت المركزية الشديدة أحد
أسباب انفجار سوريا؛ لأنها ركزت السلطة والثروة والقرار في العاصمة، وحولت
المحافظات والمجتمعات المحلية إلى أطراف تنتظر تعليمات المركز.
وتسمح اللامركزية للسكان بإدارة
شؤون التعليم والثقافة والخدمات والتنمية المحلية، مع بقاء الدفاع والسياسة
الخارجية والسيادة العامة ضمن اختصاص الدولة. كما أنها ليست مطلباً كوردياً حصراً؛
فالعلويون والدروز والسريان والآشوريون والأرمن والإيزيديون والمناطق العربية
المهمشة يحتاجون جميعاً إلى نظام يضمن المشاركة ويمنع احتكار السلطة.
بذلك تتحول القضية الكوردية من
قضية جماعة تطالب بامتيازات خاصة إلى مدخل لإعادة بناء الدولة السورية على أساس
المواطنة والتعددية. ويصبح الاعتراف بالكورد وبلغتهم وخصوصيتهم القومية جزءاً من
الاعتراف بسوريا كما هي في الواقع، لا كما أرادتها الأيديولوجيات القومية والدينية
المغلقة.
أما قرار مظلوم عبدي، فلا ينبغي
الحكم عليه من خلال لحظة الإعلان وحدها. فالتاريخ لا يقيس القيادات بعدد الأسلحة
التي احتفظت بها، بل بما حققته لشعوبها من أمن وحقوق ومستقبل. وإذا استطاع عبدي
والقوى الكوردية تحويل الاندماج إلى اعتراف دستوري بالكورد، وتعليم رسمي للغة الكوردية،
وإدارة محلية واسعة الصلاحيات، وتمثيل فعلي في الجيش والحكومة والبرلمان، وضمان
عودة مهجري عفرين وسري كانيه وتل أبيض واستعادة ممتلكاتهم، فسيكون القرار امتداداً
ناجحاً لنهج البراغماتية الكوردية في العراق.
أما إذا انتهى المسار بحلّ قسد
والإدارة الذاتية من دون تثبيت البديل الدستوري والمؤسساتي، فستكون القيادة قد
أخذت من التجربة العراقية جانب المرونة والتنازل، لكنها لم تحصل على جانبها الأهم:
الاعتراف القانوني الدائم والقدرة على حماية المكتسبات.
لذلك فإن الامتحان الحقيقي لمظلوم
عبدي لا يكمن في جرأته على حلّ قسد فقط، بل في قدرته على تحويل نهاية القوة
العسكرية المستقلة إلى بداية حضور كوردي مؤسساتي داخل الدولة. كما أن امتحان دمشق
لا يكمن في استيعاب المقاتلين والموظفين والمنشآت، بل في الاعتراف بأن القضية الكوردية
لا تُحلّ بإلغاء أدواتها، وإنما بإزالة الأسباب التاريخية التي أدت إلى ظهورها.
لقد انتهت قسد اسماً وبنيةً
عسكرية مستقلة، لكن القضية التي أدت إلى نشوئها لم تنتهِ. وما سيحدد معنى هذا
التحول ليس حفل الإعلان ولا المناصب التي أعقبته، بل الدستور المقبل، وشكل الجيش
والأجهزة الأمنية، وحدود اللامركزية، ومصير اللغة الكوردية، وعودة المهجرين،
واستعادة الحقوق والممتلكات، وقدرة القضاء على محاسبة مرتكبي الانتهاكات.
تقول تجربة كوردستان العراق إن
السلاح يستطيع حماية الوجود في لحظة تاريخية، لكنه لا يستطيع وحده تحويل هذا
الوجود إلى حق دائم. فالسياسة والدستور والمؤسسات والعلاقات الدولية هي التي تنقل
القضية من الجبال وساحات القتال إلى قلب الدولة. ومن هذا المنظور، لا يبدو قرار
مظلوم عبدي إعلاناً عن نهاية الدور الكوردي في سوريا، بل محاولة لإطلاق مرحلته
الأكثر صعوبة ونضجاً: مرحلة الانتقال من قوة تحمي نفسها خارج الدولة إلى شراكة
تعمل على تغيير الدولة من الداخل. وقد يكون هذا هو المعنى الأعمق لموقف نيجيرفان
بارزاني المؤيد للاتفاق
إن الانتصار الحقيقي ليس في
استمرار الحرب، ولا في الاحتفاظ بالسلاح إلى الأبد، وإنما في الوصول إلى اليوم
الذي يصبح فيه السلاح المستقل غير ضروري، لأن الدستور والقانون والدولة نفسها
أصبحت أدوات لحماية الحقوق. وعندها فقط يمكن لقرار حلّ قسد أن يتحول من تنازل
عسكري تفرضه موازين القوى إلى خطوة تاريخية تفتح أمام الكورد وسوريا معاً طريقاً مختلفاً
نحو السلام والشراكة والاستقرار.

.webp&w=3840&q=75)
