لم تمر فتـرة عبـر التاريخ الحديث لدولة العراق إلا وكانت هناك مشاكل عالقة بيـن الحكومات التي حكمت العراق والشعب الكوردي، وكانت هذه المشاكل جلها تتمحور حول الحقوق الوطنية والشرعية للشعب الكوردي فيما يتعلق بأرضه وثقافته ولغته وتقرير مصيـره. فلم تكن لدى تلك الحكومات إرادة جدية وحقيقية لمعالجة القضية الكوردية بشكل جذري. ويبدو ان الحكومات الإتحادية التي تشكلت في العراق بعد (2003) قد ورثت عن سابقاتها المماطلة وعدم الجدية في التعامل مع حقوق الشعب الكوردي على الرغم من ان الكورد قد اصبحوا شركاء سياسييـن في بغداد بعد سقوط النظام البعثي.
العقلية التي تعاملت بها الحكومات الإتحادية مع حقوق الشعب الكوردي تفسر الحالة التي نعيشها الآن، حيث ان عدد المشاكل والقضايا العالقة بيـن الحكومتيـن الإتحادية وإقليم كوردستان في تزايد مستمر. فعدم تطبيق المادة (140) من الدستور وقطع رواتب موظفي الإقليم وعدم صرف حصة الإقليم من الموازنة الإتحادية وحرمان قوات البيشمركة من مستحقاتهم المالية والمشاكل المتعلقة بأحقية إستخراج النفط وتصديره وإبرام العقود النفطية، كلها قضايا عالقة غيـر محسومة ادت الى نوع من القطيعة السياسية بيـن الحكومتيـن.
القراءة الأولية لموقف الحكومة الإتحادية الحالية برئاسة العبادي تشيـر الى وجود نية، طوعية كانت ام إضطرارية، لحل المشاكل المتعلقة بالنفط ورواتب موظفي الإقليم وحصة الإقليم من الموازنة الإتحادية والمستحقات المالية لقوات البيشمركة وذلك في ظل المستجدات والمتغيـرات الإقتصادية (نظرا لحاجة العراق الى عائدات نفط كوردستان) والسياسية (لخلق نوع من المشاركة الفعلية في العملية السياسية وتفادي حالات التهميش والاقصاء السياسي) في الساحة العراقية، وكذلك الأحداث العسكرية التي حدثت بعد سقوط بعض المدن العراقية ذات الأغلبية السنية بيد مسلحي تنظيم داعش (اصبحت الحكومة الإتحادية بحاجة ماسة الى قوات البيشمركة لمواجهة داعش على الأرض).
ومع ذلك، إلا اننا نعتقد ان تطبيق المادة (140) من الدستور لتحديد مصيـر المناطق المتنازع عليها سيكون موضع نقاش جدي وإختلاف حاد بيـن الحكومتيـن الإتحادية وإقليم كوردستان في المستقبل القريب نظراً لخصوصية تلك المناطق واهميتها، لا سيما بعد دخول قوات البيشمركة الكوردية الى تلك المناطق بعد إنسحاب الجيش العراقي منها بعد سقوط مدينة الموصل بيد مسلحي تنظيم (داعش) وبات من المؤكد ان الحكومة الإتحادية لن تقبل بوجود قوات البيشمركة في تلك المناطق بعدما تعيد السيطرة على المناطق الخاضعة لداعش حالياً. وهذا ما اكده التحالف الوطني الشيعي، حيث طالب نظيـره الكردستاني بإنهاء وجود قوات البيشمركة في المناطق المتنازع عليها وتسليمها الى قوات الجيش العراقي واكدوا على عدم جواز اخذ مناطق في ظروف استثنائية ودون مسوغات قانونية والسيطرة عليها في وقت الأزمة.
المناطق المتنازع عليها، هي تلك المناطق في العراق التي قام النظام البعثي بتهجيـر سكانها وإستقطاع مناطق منها وإضافتها الى مناطق ومحافظات اخرى، بهدف تغييـر التـركيبة السكانية لتلك المناطق والمحافظات. وقد اخذت المناطق الكوردستانية النصيب الأكبـر من عمليات التهجيـر القسري للسكان الكورد الأصلييـن والتغييـر الديموغرافي لصالح توطيـن العرب فيها، لا سيما في المناطق التابعة لمدن مخمور وسنجار وخانقيـن ومندلي وجلولاء ومعظم محافظة كركوك.
المادة (140)، كما هو معروف، هي مادة دستورية ملزمة ضمن مواد دستور جمهورية العراق لسنة (2005) رسمت للسلطة التنفيذية (الحكومة الإتحادية) في العراق خارطة طريق لتسوية النزاع بشأن المناطق المتنازع عليها في العراق وتحديد مصيـرها، عبـر ثلاث مراحل، تتعلق المرحلة الأولى بالملكية وإلغاء سياسات النظام السابق، بينما تتعلق المرحلة الثانية بالتعداد السكاني، والمرحلة الثالثة والأخيـرة تتعلق بإجراء إستفتاء شعبي لتحديد مصيـر تلك المناطق بضمها الى إقليم كوردستان او البقاء تحت إدارة الحكومة الإتحادية، على ان تنفذ المراحل الثلاث في موعد اقصاها (31/12/2007).
ومع ذلك، خرقت الحكومة الإتحادية احكام الدستور حيث تباطأت وتماطلت في تنفيذ فحوى المادة (140) من الدستور وتهرب من إلتزاماتها ولم تقم بتطبيقها بمقتضى الآليات التي حددتها ولم تتقيد بها وبالجداول الزمنية لمراحل تنفيذها التي تضمنتها تلك المادة. وعلى مدى السنوات الماضية إشتكى الكورد من عدم تنفيذ تلك المادة وإتهموا بغداد بالمماطلة وعدم الجدية في تسوية النزاع، وقد اكدت القيادية في دولة القانون (حنان الفتلاوي) صحة إدعاء الكورد عندما اقرت في مقابلة تلفزيونية بشكل صريح وقاطع بـ((انها عندما دخلت لجنة تطبيق المادة (140) من الدستور وجدت انهم قد وصلوا الى مرحلة الإستفتاء وقد ارسلوا كتاباً الى المفوضية العليا المستقلة للإنتخابات لإجرائه لإعادة كركوك الى إقليم كوردستان، لافتة الى انها اوقفت تطبيق المادة وعرقلت إجراء الإستفتاء الى ان انتهت المهلة المحددة في الدستور)).
وبتقديري، وفي ظل المعلومات التي تسربت من إجتماعات تشكيل الحكومة الإتحادية برئاسة العبادي، انه لا توجد إرادة جدية لدى الحكومة الإتحادية الحالية لحل مشكلة المناطق المتنازع عليها مع إقليم كوردستان، ومن المؤكد ان هذا الوضع سيؤدي الى تفاقم الوضع السياسي في العراق مما قد تنذر بوقوع إشتباكات عسكرية بيـن الطرفيـن مستقبلاً، وعلى الأخص بعد ان تستعيد الحكومة الإتحادية سيطرتها على المناطق الخاضعة لسيطرة مسلحي تنظيم داعش.
السؤال الرئيس الذي يشغل ذهن كل كوردستاني في الوقت الحاضر هو كيفية الوصول الى حل مشكلة المناطق الكوردستانية المتنازع عليها؟ فقد رسخت لدى الفرد الكوردستاني قناعة تامة بعدم تقبل إنسحاب قوات البيشمركة من تلك المناطق مرة اخرى، لا سيما بعد إستشهاد العديد من افرادها دفاعاً عنها في ظل إعلان السيد رئيس الإقليم إنتفاء الحاجة الى المادة (140) من الدستور مع سيطرة قوات البيشمركة على المناطق المتنازع عليها التي تعود للكورد تاريخياً.
من الناحية القانونية، ان إنتهاء السقف الزمني لتطبيق مضمون المادة (140) من الدستور يعني ان هذه المادة اصبحت معطلة تماماً وغيـر قابلة للتطبيق، لأنها لم تنفذ في المدة الزمنية التي اقرها الدستور بنهاية عام (2007). ومع ذلك، نرى ان التوافقات السياسية ستلعب دورها في المستقبل القريب لإعادة إحياء مضمون المادة (140) من جديد إما بثوبه السابق او بثوب جديد وذلك ضمن إتفاقات وصفقات جديدة، حيث ان الكورد لا يزال يحتفظ بدوره المؤثر في التوازنات السياسية في العراق، وعلى ساستهم ان يستفيدوا من تجارب الماضي وان يتعاملوا مع الأمر بجدية اكثر كونهم الآن شركاء سياسييـن وفعلييـن في الحكومة الإتحادية، ويجب ان يتحملو، اكثر من غيـرهم، مسؤولية إعادة إحياء تلك المادة بثوب جديد، وان يعملوا على إفشال المخططات التي تهدف الى عدم ضم إقليم كوردستان لتلك المناطق وذلك بالإعتماد على انفسهم و توحيد كلمتهم و خلق مستلزمات النصر على اعدائهم.
مما يعني، ان الواقع الجديد (اي وجود قوات البيشمركة الكوردية في معظم المناطق المتنازع عليها بعد انسحاب الجيش العراق منها طوعاً) سيفرض نفسه على طاولة المفاوضات التي ستجرى مستقبلاً بيـن حكومة إقليم كوردستان والحكومة الإتحادية لحل مشكلة المناطق المتنازع عليها في إطار قانوني جديد.
لذلك، بات من الضرورة ان تستغل حكومة إقليم كوردستان ضعف الحكومة الإتحادية الحالية وإنشغالها بمقاتلة مسلحي تنظيم داعش والوضع الأمني الهش في العراق والخلافات السياسية القائمة فيه، بهدف تدعيم وتوسيع سيطرتها المادية على المناطق المتنازع عليها وتثبيت الواقع المادي القائم حالياً وذلك من خلال زيادة قوتها العسكرية في تلك المناطق وتوسيع نفوذها فيها. ومن ثم العمل على تغييـر الواقع المادي الى واقع قانوني بهدف بسط السيطرة القانونية على تلك المناطق عن طريق التعجيل في إجراء عملية الإستفتاء بدعم من الحكومات المحلية وسن قوانيـن خاصة بضم تلك المناطق الى إقليم كوردستان وربط دوائرها الرسمية وموظفيها بالمؤسسات الرسمية في الإقليم.
ان إستغلال حكومة إقليم كوردستان للوضع الحالي في العراق سيؤدي الى زيادة مكاسبها السياسية فيما يتعلق بالمناطق المتنازع عليها، وسيمكنها من فرض الواقعيـن المادي والقانوني على الطرف الإتحادي وقت التفاوض بشأن المناطق المتنازع عليها، حينها تستطيع ان تفرض شروطها عليهم كما فرضوه عليها في السابق، لأن الواقع الجديد ستؤدي حتماً الى التفكيـر بحلول جديدة في ظل مواد قانونية جديدة. لذلك، على حكومة إقليم كوردستان ان تكون هي من تصنع الواقع وتفرضه على الطرف الإتحادي وان تكون هي التي تضع الحلول الجديدة بصياغة قانونية جديدة.


