لماذا تكره الحكومات العراقية، منذ نظام صدام حسين وحتى اليوم، وزارة الثقافة والمثقفين؟ باستثناء إقليم كوردستان الذي أسند وزارة الثقافة في الإقليم للشاعر المبدع الراحل فلك الدين كاكائي عام 2006، وفي العراق الاتحادي تم اختيار حسن ناظم، وهو ناقد ومترجم وأكاديمي، وزيراً للثقافة عام 2020، وبالتأكيد كان مقيداً بحصار المحاصصة والموازنة، فإن كل من أُسندت له وزارة الثقافة، حتى اليوم، لا علاقة له بالثقافة ولا بالمثقفين. مرة تولى الوزارة صاحب مصنع علف حيواني، وآخر سرق أموالها المخصصة لبناء دار الأوبرا، وهكذا. واليوم يتم الحديث عن ترشيح شيخ عشيرة لا يحمل شهادة جامعية لتولي هذه الوزارة.
سوى المحاصصة وما يطلقون عليه الاستحقاق الانتخابي، فإن هناك كرهاً واحتقاراً واستصغاراً من قبل الحكومات والسياسيين وقادة الأحزاب السياسية للثقافة في العراق، ربما لأن موازنة هذه الوزارة قليلة و(الدخل) قليل وهامش الفساد فيها ضيق، لكن تبقى الثقافة في العراق والمثقفون والمبدعون العراقيون رغم كل هذا هي إحدى أبرز قلاع الثقافة عربياً وكردياً، وربما هناك خوف من المثقفين.
لا أريد أن أطيل عليكم سوى أن أذكر لكم هنا، على سبيل الذكر لا المقارنة، لا سمح الله، بعض رموز الإبداع والثقافة في العالمين الغربي والعربي الذين تولوا وزارات الثقافة في بلدانهم.
تُعتبر فرنسا الدولة الرائدة في هذا التقليد، فكان الروائي والمفكر الفرنسي الشهير أندريه مالرو وزيراً للثقافة، حيث عيّنه الرئيس شارل ديغول عام 1959 واستمر في منصبه حتى 1969. وموريس دريون، روائي فرنسي معروف وعضو الأكاديمية الفرنسية، تولى وزارة الثقافة بين عامي 1973 و1974. ثم المخرج السينمائي والكاتب فريدريك ميتران الذي كان وزيراً للثقافة الفرنسية من عام 2009 حتى 2012.
أما اليونان فقد فاجأت العالم عندما اختارت الممثلة والمغنية العالمية المبدعة ميلينا ميركوري، الحائزة على جوائز دولية، وزيرة للثقافة لفترتين (1981–1989 ثم 1993–1994).
واختارت إسبانيا الكاتب والروائي الشهير خورخي سيمبرون، الذي ترشح لجائزة الأوسكار، لمنصب وزير الثقافة بين عامي 1988 و1991.
وتولى الفنان التشكيلي الألباني إيدي راما منصب وزير الثقافة والشباب والرياضة في ألبانيا من عام 1998 حتى 2000 قبل أن يصبح رئيساً لبلدية تيرانا ثم رئيساً لوزراء ألبانيا الحالي. اشتهر بمشروعه لتلوين مباني العاصمة وتحويلها إلى لوحات فنية.
وفي إيطاليا تولى ألبيرتو رونكي، وهو كاتب وصحفي إيطالي بارز، وزارة التراث الثقافي الإيطالية بين عامي 1992 و1994، وساهم في إصلاح القوانين المنظمة للمتاحف.
وعلى مستوى العالم العربي كانت وما زالت مصر هي الأولى والأبرز في اختيار كتّاب وفنانين لشغل منصب وزير الثقافة، فقد أُسندت وزارة الثقافة للروائي المعروف يوسف السباعي عام 1973. كما تولى كل من الكاتب والروائي والصحفي عبد المنعم الصاوي الوزارة عام 1977، والأكاديمي جابر عصفور، وهو كاتب ومفكر ومترجم، تولى الوزارة مرتين (الأولى عام 2011، والثانية عام 2014). أما الفنان التشكيلي المصري فاروق حسني، الذي يُلقب بـ "الوزير الفنان" فهو صاحب أطول فترة لتولي وزارة الثقافة المصرية (من 1987 حتى 2011). وكانت الفنانة الموسيقية الأكاديمية العالمية إيناس عبد الدايم، عازفة "الفلوت"، المفاجأة عندما أُسندت إليها وزارة الثقافة المصرية، وهي أول سيدة تتولى هذا المنصب في مصر (2018-2022).
وفي سوريا تولى الأكاديمي رياض عصمت وزارة الثقافة بين عامي 2010 حتى 2012، وهو قاص وروائي ومسرحي وناقد سوري بارز. له عشرات المؤلفات في النقد والمجموعات القصصية والمسرحيات التي عُرضت داخل سوريا وخارجها.



