في السياسة ليست كل زيارة
بروتوكولية وليست كل مصافحة تمر أمام عدسات الكاميرات ثم تنتهي، هناك لقاءات تكتب
نتائجها بعد أشهر وربما بعد سنوات، لأن قيمتها الحقيقية لا تكمن في الصور التي
تلتقط بل في الرسائل التي تحملها وفي التوقيت الذي جاءت فيه، وفي الملفات التي تفتح
خلف الأبواب المغلقة.
لهذا أرى أن زيارة رئيس إقليم
كوردستان نيجيرفان بارزاني إلى دمشق ولقاؤه الرئيس السوري أحمد الشرع ليست مجرد
زيارة رسمية، بل محطة سياسية مهمة قد تكون بداية لمرحلة جديدة من العلاقات
والتفاهمات في منطقة لاتزال تعيش على وقع الأزمات، فالشرق الأوسط اليوم يمر بمرحلة
مختلفة تماماً عن السنوات الماضية التحالفات تتغير، والمواقف تتبدل، والحدود
السياسية لم تعد تدار بالطريقة التقليدية، الجميع بات يدرك أن الحروب استنزفت
الدول، وأن لغة السلاح مهما حققت من مكاسب مؤقتة، فإنها لا تستطيع أن تبني استقراراً
دائماً لذلك أصبح الحوار هو الخيار الأكثر واقعية حتى بين الأطراف التي كانت حتى
وقت قريب بعيدة عن بعضها.
أهمية الزيارة
إقليم كوردستان ليس بعيداً عما
يحدث في سوريا، بل ربما يكون من أكثر المناطق تأثراً بأي تطور هناك فالجغرافية لا
يمكن تغييرها وأي اضطراب أمني في سوريا ينعكس بصورة مباشرة على العراق وعلى
الإقليم بشكل خاص، سواء من خلال الإرهاب أو نشاط الجماعات المسلحة أو موجات النزوح
أو حتى التأثيرات الاقتصادية والتجارية لذلك فإن التواصل المباشر مع دمشق ليس خطوة
بروتوكولية، وإنما ضرورة سياسية وأمنية تفرضها المصالح المشتركة، وما يجعل هذه
الزيارة أكثر أهمية هو أنها تأتي في لحظة دقيقة تمر بها سوريا والمنطقة بأكملها
فدمشق تعمل على إعادة بناء علاقاتها مع محيطها، بينما تبحث دول المنطقة عن صيغ
جديدة للتعاون بعد سنوات طويلة من الصراعات وفي مثل هذه الظروف تصبح اللقاءات
السياسية وسيلة لرسم المستقبل وليس فقط لإدارة الحاضر.
ومن وجهة نظري، فإن الرئيس
نيجيرفان بارزاني لا يمثل في هذه الزيارة إقليم كوردستان فقط، بل يمثل أيضاً تجربة
سياسية أثبتت خلال السنوات الماضية أنها تفضل الحوار على التصعيد، والتفاهم على
القطيعة، والدبلوماسية على لغة الأزمات وهذا ما جعل اسمه يحظى باحترام في كثير من
العواصم الإقليمية والدولية.
لقد اعتاد الرئيس نيجيرفان
بارزاني أن يفتح أبواب الحوار حتى في أصعب الظروف. رأيناه يتحاور مع بغداد عندما
كانت الخلافات في ذروتها، ويتواصل مع دول الجوار رغم تعقيد الملفات، ويحافظ على
علاقات متوازنة مع القوى الدولية رغم تضارب المصالح بينها، وهذه ليست مهمة سهلة في
منطقة تتغير فيها التحالفات باستمرار، وربما لهذا السبب أصبح إقليم كوردستان اليوم
يمتلك حضوراً سياسياً يتجاوز مساحته الجغرافية وعدد سكانه فالقيمة في السياسة لا
تقاس بالحجم فقط، وإنما بالقدرة على بناء الثقة، وإدارة العلاقات، وامتلاك قنوات
تواصل مع مختلف الأطراف، ومن الجوانب التي تستحق التوقف عندها أيضا، أن هذه
الزيارة تحمل رسائل تتعلق بمستقبل الكورد في سوريا فهذا الملف ظل واحداً من أكثر
الملفات حساسية خلال السنوات الماضية ولا يمكن أن يبقى رهينة السلاح أو التجاذبات
الإقليمية أو الحسابات العسكرية والحل الحقيقي لا يمكن أن يولد من ساحات القتال بل
من طاولات الحوار، فالاستقرار لا يتحقق إلا عندما يشعر كل مكون بأنه شريك حقيقي في
بناء الدولة وأن حقوقه مصانة ضمن الدستور والقانون، بعيداً عن الإقصاء أو التهميش.
لاشك أن إقليم كوردستان بما
يمتلكه من تجربة سياسية ودستورية داخل العراق يستطيع أن يقدم نموذجاً للحوار
والتعايش وإدارة التنوع وهي تجربة قد تكون مفيدة لأي نقاش يتعلق بمستقبل سوريا
الجديدة، ومن الرسائل المهمة التي تحملها هذه الزيارة أيضا أنها تؤكد أن أربيل
أصبحت لاعباً سياسياً لا يمكن تجاهله في الملفات الإقليمية فقبل سنوات كان كثيرون
ينظرون إلى الإقليم باعتباره شأناً عراقياً داخلياً، أما اليوم فإن حضوره في
القضايا الإقليمية أصبح واضحاً، سواء في ملفات الأمن أو الطاقة أو العلاقات
الدولية أو مكافحة الإرهاب وهذا التطور لم يأت من فراغ، بل جاء نتيجة سياسة
متوازنة استطاعت أن تبني جسوراً مع الجميع دون أن تتحول إلى طرف في صراعات
المنطقة، كما أن توقيت الزيارة يحمل دلالات لا تقل أهمية عن الزيارة نفسها
فالمنطقة تواجه اليوم تحديات أمنية معقدة وتنظيم داعش مازال يشكل تهديداً رغم
تراجعه والاقتصاد يواجه ضغوطاً كبيرة، والتوترات الإقليمية لم تنته بعد وفي مثل
هذه الظروف فإن أي قناة حوار جديدة بين القيادات السياسية تمثل خطوة في الاتجاه
الصحيح لأن البديل هو المزيد من سوء الفهم، والمزيد من التصعيد، والمزيد من
الخسائر.
السياسة الناجحة لا تعني أن جميع
الخلافات ستختفي بين ليلة وضحاها لكنها تعني وجود إرادة للحوار واستعداد للاستماع
وبحث عن نقاط الالتقاء بدلاً من توسيع نقاط الخلاف وقد لا تظهر نتائج هذه الزيارة
فوراً، وربما لن يصدر عنها اتفاق كبير في اليوم الأول فالسياسة لا تقاس بسرعة
النتائج كثير من الاتفاقات التاريخية بدأت بلقاء واحد، أو بمصافحة واحدة، أو بحوار
استمر ساعات قليلة، ثم تحول لاحقاً إلى مسار سياسي كامل، لذلك فإن النجاح الحقيقي
لهذه الزيارة لا يقاس بعدد البيانات التي ستصدر، وإنما بقدرتها على فتح باب جديد
للتواصل، وبناء الثقة، وتقريب وجهات النظر حول الملفات العالقة، ويبقى الأمل أن
يكون السلام هو الرابح الأكبر من هذا اللقاء، لأن شعوب المنطقة دفعت ثمناً باهظاً
للحروب والصراعات والانقسامات الناس اليوم لا تبحث عن خطابات حادة ولا عن انتصارات
إعلامية، بل تبحث عن الأمن، والاستقرار، وفرص العمل، والتنمية، وحياة كريمة
لأبنائها.
وفي تقديري فإن أي خطوة تبعد
المنطقة عن التوتر وتفتح باباً للحوار تستحق الدعم لأن المستقبل لا يبنى
بالمواجهات وحدها بل يبنى أيضاً بالشجاعة السياسية، وبالقدرة على الجلوس حول طاولة
واحدة رغم كل الخلافات وأعتقد أن زيارة الرئيس نيجيرفان بارزاني إلى دمشق ليست
خبراً عابراً في نشرات الأخبار، بل رسالة سياسية تحمل معاني أكبر من الاجتماع نفسه
إنها رسالة تؤكد أن الحوار مازال ممكناً وأن الدبلوماسية قادرة على فتح أبواب
أغلقتها سنوات الصراع، وأن إقليم كوردستان أصبح رقماً مهماً في معادلات المنطقة،
وأن الاستقرار الحقيقي لن يتحقق إلا عندما تختار القيادات السياسية بناء الجسور
بدلاً من الحواجز، والتفاهم بدلاً من المواجهة، فالمنطقة لا تحتاج اليوم إلى أزمات
جديدة، بل تحتاج إلى رجال دولة يدركون أن مستقبل الشعوب يصنع بالحكمة، وأن السلام
مهماً كان طريقه طويلاً يبقى أقل كلفة من أي حرب.



