عادة، في المراحل الانتقالية تكون
للتحولات الجيوسياسية مؤشرات وأبعاد سياسية في سياق توقيتها الراهن ورسائلها التي
تنص بصورة غير مباشرة على إعادة رسم التوازنات الإقليمية، وتشييد ممرات ومنافذ
للحوار السياسي عبر تهيئة أطر وآليات جديدة.
بناءً على ذلك، لا تقرأ زيارة
رئيس إقليم كوردستان العراق نيجيرفان بارزاني إلى دمشق بعيداً عن التوازنات التي
تحكم المرحلة، بل تعتبر حدثاً سياسياً بارزاً ذات دلالات تتجاوز أبعادها
البروتوكولية والعلاقات الثنائية إلى رسائل سياسية تتخطى الحدود وانعكاساتها المباشرة
على ملف القضية الكوردية بصورة خاصة ومستقبلها في روجافا كوردستان، وإعادة صياغة
العلاقة بين الكورد والسلطة في دمشق في ظل إعادة رسم ملامح المشهد
السوري الراهن على وقع التوازنات الإقليمية الأشد تعقيداً وتداخلها مع الحسابات
الدولية.
زيارة تتجاوز البروتوكول
تعكس زيارة رئيس إقليم كوردستان
العراق، نيجيرفان بارزاني، إلى سوريا في هذا التوقيت الذي يعيد ترتيب أولويات
المعالجة والحلول للملفات العالقة، خطوة حقيقية وفاعلة للتأثير بشكل إيجابي وطرح
مقاربات تفاوضية وأدوات سياسية واقعية مناسبة للحالة السورية وعلى وجه الخصوص
للقضية الكوردية في سوريا، وكذلك الإقليمية، ما يمنح هذا الحدث التاريخي إضافة إلى
بعدها الدبلوماسي دلالة عميقة ومهمة ربما تؤسس لتفاهمات أشمل فيما يتعلق بمصير
الشعب الكوردي في روجافا في المرحلة المقبلة.
وانطلاقاً من السياق السياسي السوري
الداخلي الحالي، وبعد سقوط نظام الأسدين الأب والابن، حيث القوى الفاعلة المحلية
والإقليمية في سوريا وما يقومان به من تبادل للأدوار في المعادلة السورية
الانتقالية، تعد هذه الزيارة تطوراً ملحوظاً في العلاقة بين البلدين عبر مجموعة
متواصلة من المشاورات واللقاءات بين الطرفين التي تمتد إلى ما هو أبعد من
الاتصالات السياسية المباشرة والمعلنة منذ ما يقارب العام ونيف، حيث الإيجابية
التي سيطرت على تلك الاتصالات لاسيما أثناء التصعيد بين دمشق وقوات سوريا
الديمقراطية مطلع عام 2026، وأيضاً موقف دمشق من الضغوط الإيرانية على الإقليم
الذي تميز بالمساندة والدعم، ما رسخ جسور الثقة بين الطرفين، وتؤكد على أهمية
استمرار التواصل خاصة بعد مسار الانخراط المتبادل في الحوار والرغبة في تقريب
وجهات النظر الكوردية - السورية من خلال منصات للتفاعل والنقاش والتنسيق بين
البلدين فيما يخص الأولويات الطارئة والأكثر تعقيداً وفي مقدمتها العلاقة بين
الكورد ودمشق، ناهيك عن عملية الاستقرار على الشريط الحدودي وأيضاً توازنات جنوب
كوردستان.
الرسائل السياسية العابرة للحدود
لا تقتصر الأهداف غير المباشرة
لزيارة نيجيرفان برزاني إلى سوريا على مظلة التعاون الثنائي والروابط القائمة بين
أربيل ودمشق فحسب، بل، وفي ظل ما تشهده المنطقة من أحداث متسارعة خاصة فيما هو
مرتبط بالمسألة الكوردية في سوريا من جهة وتأثيرها على التوازنات الإقليمية من جهة
أخرى، تمتد لتشمل وتؤكد على الدوام بأن القضية الكوردية لم تعد منفصلة إطلاقاً عن
الحوارات السياسية الدائرة سواء في سوريا أو دول الجوار (المحيط الإقليمي)، وإنما
تعد ركيزة أساسية لمستقبل سوريا الجديدة، فالإقليم يحاول بشتى الوسائل تقديم
مقاربة سياسية حقيقية لدمشق عبر الحوار فيما يخص الاستحقاقات الكوردية ومنجزاتها
بمنأى عن أي محاولة للتهميش والتمييز أو بما يعرف بالمقاربات الأمنية.
إقليم كوردستان يسعى لإضفاء طابع
مستدام على تلك المكتسبات عبر تثبيتها دستورياً وبصورة دائمة وفقاً لموقعه السياسي
وعلاقاته الإقليمية الواسعة، ومنها المرسوم الرئاسي الصادر عام 2026 المتضمن
الحقوق الثقافية واللغوية الكوردية، وحقوق إعادة الجنسية السورية لنسبة كبيرة من
الكورد الذين حرموا منها على مدار عقود نتيجة إحصاء عام 1962، ما يمنح الإقليم
أهمية عميقة في خضم الفراغ الذي تعيشه سوريا وإقليم كوردستان، نتيجة انحسار الحضور
الأميركي وتراجع انخراطه خلافاً للسابق، فقد كان للولايات المتحدة الأميركية دوراً
بارزاً ضمن الترتيبات السياسية المتعلقة بحقوق الكورد وموقعهم، وقد كان يلعب دور
الوسيط والضامن في إطار التفاهمات التي كانت تجري بشأن الكورد في المنطقة لاسيما
في جنوب كوردستان وغربها.
وفي المقابل، يحاول إقليم كوردستان
توجيه القوى الكوردية الفاعلة في سوريا إلى المشاركة في عملية سياسية جامعة
وتوافقية والالتزام بمسار تفاوضي متكامل وموحد بما يتناسب مع المشهد الحالي. لذا،
تريد أربيل التأكيد على رؤية استشرافية لا تتعلق بخيارات الفاعلين المحليين فقط،
بل بكفاءتها في إنتاج توافقات تتسامى فوق المصالح والمآرب اللحظية الضيقة والدفع
نحو إعادة تموضع الكورد في العقد الاجتماعي الجديد في خريطة سوريا المستقبل.
من جانب آخر، يحاول إقليم كوردستان
توظيف مشهد التباعد الراهن بين السلطة في دمشق وبعض الفصائل العراقية
المسلحة لتبديد مخاوفه من التقارب الدمشقي - البغدادي، الذي ربما يترجم إلى محور
نفطي بين البلدين تحت مسمى مشاريع طاقوية تتجاوز مصالح أربيل المحاصرة بخلافاتها
النفطية مع بغداد، وعدها فرصة حقيقية لإعادة التوازنات.
وتشكل دمشق إحدى ساحات الصراع لاسيما
بعد قصف منطقة التنف السورية منتصف تموز 2026 من قبل الحرس الثوري الإيراني، الأمر
الذي يدفع بالإقليم لعد سوريا قوة إقليمية قادرة على إعادة ضبط تمدد النفوذ
الإيراني. هنا، وبسبب التهديدات الإيرانية التي تطال البلدين، تأتي أهمية توطيد
ورفع مستوى التعاون والتفاهمات الأمنية والسياسية بين أربيل ودمشق.
إقليمياً، يمكننا قراءة انفتاح
أربيل على دمشق بوصفه إشارة تهدئة وبناء الثقة لجميع الفواعل الداخلية والخارجية
في سوريا، ما يمنح أربيل حضوراً حقيقياً ويعزز موقعه في شبكة علاقاته مع عدد من
القوى الفاعلة والمؤثرة في المنطقة.
حدود الدور وأفاق التأثير
تفتح زيارة نيجيرفان برزاني الباب
أمام تساؤلات جمة متمثلة بموقع إقليم كوردستان المحتمل في إعادة هندسة المشهد
السوري من جديد، كرسالة سياسية كوردية عابرة للحدود استناداً لخبرة سياسية عميقة
ورصيد قوي، على المستويين الدبلوماسي والسياسي، من التحالفات والشراكات الإقليمية
والدولية، ما يتيح لأربيل الاضطلاع بدور تقريبي بين الفاعلين السياسيين والجهات
المعنية، ويظل هذا الدور منوطاً بالتغيرات في الداخل السوري والتحديات التي تواجه
الأطراف الفاعلة في التأثير على مسار المرحلة المقبلة، وأبرزها وجهات النظر
المختلفة فيما يتعلق بملامح مستقبل سوريا الجديدة والشكل الذي يجب أن تكون عليه
وفقاً لرؤى السوريين والسوريات، والاستحقاقات الإدارية والسياسية، ناهيك عن انعكاسات
التوازنات الإقليمية والدولية على آفاق الترتيبات السياسية المرتقبة.
ومن هذا المنطلق، تبقى هذه
الزيارة بداية جادة لعملية سياسية منتظمة تستند إلى الحوار والثقة حول القضايا
والمصالح ذات الأولوية ذاتها بين البلدين على المستويات الاقتصادية والتجارية
والسياسية والأمنية وفي مقدمتها القضية الكوردية التي تعد أحد أكثر الملفات حساسية
وتأثيراً، مسار الاستقرار على الشريط الحدودي ومصير الحكم المحلي والذاتي في
المرحلة المقبلة. الأمر الذي يتطلب تكثيف الجهود من جميع الأطراف لترجمة المسار
السياسي إلى خطوات عملية وملموسة على أرض الواقع.



.jpg&w=3840&q=75)