لا عراقي يتنكر لتضحيات غالية سخية قدمها أبناء العراق الشرفاء الذين هرعوا لصد هجمة تنظيم داعش الاجرامي، لولا تضحيات هؤلاء الغيارى لربما كنا نتحدث اليوم بشكل آخر عن ملامح عراق آخر، آلاف العوائل العراقية الكريمة قدمت أبناء لها في ريعان أعمارهم ضمن سلسلة طويلة من المواجهات الشرسة على أبواب بغداد او في معارك تحرير محافظات صلاح الدين والانبار والموصل وغيرها.
لكن كيف تم التعاطي مع هذه الحالة الوطنية المتقدمة؟ ولمن تم تجييرها؟ عن إقرار قانون الحشد الشعبي أقول:
• مرة اخرى، لا شيء في الكون كله يعوض تلك الأرواح الطاهرة لأولئك الفتية الشجعان الذين وقفوا بوجه همجية داعش وما بدلوا تبديلا، لا الرواتب التقاعدية تساوي أعمارهم الندية ولا ديباجات كل قوانين الارض تعادل وقفة العز التي وقفوها.
• واضح تماماً ان توقيت إقرار قانون الحشد الشعبي هو تهيئة الساحة لما بعد استعادة الموصل، صدر القانون برغم ان عدداً من رموز العملية السياسية البائسة من قيادات التحالف الوطني كانوا مختلفين جداً في كيفية التعاطي مع ملف الحشد الشعبي. كيف ولماذا اصطفوا معاً لإقرار ما كانوا مختلفين عليه؟
• ليس بعيداً، الحديث عن ان إقرار هذا القانون يأتي في اطار الصراع الطائفي الذي تشهده المنطقة، المنتصر يضع شروطه والمهزوم يحذف من الوجود، لا دليل أقوى على ارتباط هذا القانون بالصراع المذهبي الإقليمي سوى انه جاء ليضرب بالصميم حالة التوحد العراقي خلف الإنجازات المبهرة في استعادة المدن العراقية الآبية من احتلال تنظيم مجرم اسمه داعش، او ما بدأ الحديث عنه في الداخل العراقي عن صفقات للتسوية السياسية.
• والامر طبعاً لا يخلو من تصفية حسابات صراعات الحكم الداخلية، رائحة (انتصار) لفريق المالكي يمكن ان تُشم عن بعد، فالحشد كما يروج المالكي حشده والفكرة فكرته وذراعه العسكري وقوته الرادعة امام خصومه السياسيين، وبالتالي تجييره لاعتبارات وغايات انتخابية.
• التماهي مع النموذج الإيراني في بناء الدولة العراقية اصبح سمة واضحة في مجمل ملامح عراق ما بعد العام ٢٠٠٣، الحشد الشعبي عراقياً (وفق هذا القانون) يساوي الحرس الثوري ايرانياً، الحرس الثوري أسس في ايران لأن الجيش الإيراني كان ولا يزال في نظر المؤسسة الحاكمة غير جدير بالثقة ومحسوب على نظام الشاه، الحرس الثوري يستمد عقيدته وقدسيته من كونه مرتبط بالمرشد، والحشد تأسس وفقاً لفتوى الجهاد الكفائي، وحيث ان الكثيرين لا تزال خصومتهم مستمرة مع الجيش العراقي، فإنه وبعد إقرار هذا القانون، لا حديث يستقيم بعد اليوم عن جيش عراقي يمثل الضمانة الرئيسة لكل العراقيين، بل قوة رئيسة اسمها الحشد الشعبي واُخرى رديفة اسمها الجيش العراقي.
• لو كان الأمر يتعلق بالامتيازات التي يستحقها وأكثر أبناء العراق الغيارى الذين تصدوا بعراقيتهم المعهودة لداعش، لكان يمكن تشريع عشرات القوانين التي تضمن وتؤمن هذه الحقوق المشروعة لمن ضحوا بأعمارهم الشريفة دفاعاً عن العراق، لكن إقرار قانون لتشكيل جيش رديف من لون مذهبي واحد هو ما يثير لدى كل العراقيين المخلصين والطامحين لعودة روح التوحد بين أبناء الوطن، عديد التساؤلات عن الدوافع والغايات لا سيما ان هذا القانون صدر من مجلس نواب يعرف العراقيون اكثر من غيرهم ان فيه اكثر من عيب ومثلبة، ويحفل سجله بالكثير من السوابق السيئة.
هل لعاقل ان ينتظر خيراً من مجلس نواب فاسد شرعن كل مظاهر الفساد في البلاد؟
• يبدو ان قدر ابنائنا هو ان يظلوا مشاريع موت مستمرة، لماذا لا يُشرّع قانون يضمن لهم الحياة بدل الموت، القبول في الجامعات الكبرى بدل التمترس في جبهات القتال، احتضان حبيباتهم بدلاً من النوم في الخنادق، هل المطلوب ان يبقى هؤلاء الشباب يعايشون الموت ويبتعدون عن الحياة، لماذا لا يدمج الراغب منهم بالاستمرار في العمل العسكري مع بقية صنوف الأجهزة الأمنية، ويكافأ من يريد التفرغ لحياته الطبيعية بحزمة إجراءات تعيده الى اجواء الحياة المدنية؟
• عندما كان المهيمنون على المشهد السياسي في العراق اليوم ينتقدون ادارة الحكم في عراق ما قبل العام ٢٠٠٣، كانوا يقولون ان المجتمع تمت عسكرته بتأسيس مختلف الأجهزة والقوى الأمنية (ولربما كانوا محقين) طيب لماذا هم اليوم يعسكرون المجتمع أيضاً من خلال تأسيس المزيد من التشكيلات الأمنية (الجيش، الشرطة الاتحادية، الشرطة المحلية، قوات مكافحة الارهاب، المخابرات، الامن الوطني، الخ )، لماذا يحللون لأنفسهم ماكانوا يحرمونه على الآخرين؟ وما الذي تغير فأصبحت العسكرة ضرورة وحاجة؟
بعيداً عن كل مزايدات حفنة المستفيدين من خراب العراق وجوقة المنافقين، لا مصلحة للعراق في إصدار مثل هذا القانون، مصلحته في عودة ابنائه سالمين غانمين الى امهاتهم وزوجاتهم وعائلاتهم، مصلحته في ان لا يشعر السني باستقواء أخيه الشيعي عليه، مصلحته في تقوية جيشه الوطني الممثل لكل فئات الشعب ومكوناته، لا مصلحة لنا في استنساخ تجارب الموت وتصدير الثورات، مصلحتنا في توحدنا وفي استثمار حالة النشوة الوطنية بعد مرحلة داعش من خلال إجراءات وتشريعات تثّبت ما تحقق وتبني عليه.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية



