تمضي 19 عاماً على أول انتفاضة وحِراك شعبي سوري في الألفية الجديدة حين انطلقت من قامشلو وعمت كل مناطق الكورد في سوريا، كما يدخل الحدث السوري عامه الثاني عشر، وتمازج دماء السوريين بحثاً عن الحرية والكرامة.
والمؤسف أن تستمر معها مُسببات التباعد الشعبي بين المكونات السورية. واستمرار شعور الكورد إن لا أحدَّ وقف معهم في مصابهم وحِراكهم في تلك الأيام. والأصح أن السوريون اليوم مطالبين بضرورة طيّ جميع الصفحات للخروج بمخرجات جديدة، تحمل سوريا إلى السّلم الأهلي والعيش المشترك الحقيقي القائم على حقوق المكونات والالتزام بقضاياهم الدستورية المختلفة. فمن اذار عام 2004 إلى أذار 2011، شكلَّ الحدثين إثباتاً أن للسورين أنفة وعزة وكبرياء.
وصحيح أن شبكة العلاقات بين المجتمع الكوردي ونظيره العربي في سوريا، تنطبق عليها جميع اشكال العلاقات التقليدية المحكمة لطبيعة العلاقات بين المكونات في أيّ مجتمع أخر، من مصاهرة، وعلاقات تجارية، وحسن الجوار، وتبادل الزيارات و...إلخ. لكن المُشكلة أن تلك الشبكة من العلاقات على صعيد تعاطي المجتمعات والشعوب مع قضاياهم المشتركة، غائبة. كالإحجام الشعبي العربي عن المشاركة بمختلف المناسبات الكوردية.
فبعد مضي 19 عاماً، نادراً ما وجد الكورد مشاركة المكون العربي في أحياء ذكرى انتفاضة 12 اذار، ولو بإشعال شمعة واحدة حدادً على أرواح من استشهدوا وفقدوا حياتهم. خاصة لمن يعيشون بعيداً عن سيطرة القوات الحكومية السورية. وهو ما يدفعنا للتأكيد على ضرورة توافر الخصائص النوعية في مستقبل العلاقات الكوردية العربية في سوريا؛ تماهياً مع الظروف والمناخات التي يجب أن توجد في سوريا مستقبلاً وحالياً كممهد لها. بالمقابل رُبما تكون واحدة من المشاكل المعقدة في تركيبة العلاقات الاجتماعية-السياسية، هي توجس المكون العربي من رغبة الكورد في الحصول على نوع من الاهتمام والتضامن الإقليمي والدولي بالقضية الكوردية في سوريا، وهو ما يخلق ردات فعل ومخاوف غير مبررة، ويُشكّل ذلك الشعور نموذجاً هشًّ لعلاقات واضحة المعالم بين الجماعات البشرية التي تعيش في سوريا.
فمن نتائج وتداعيات استمرار الأزمة السورية، والمعارك بين مختلف الأطراف، أن عمقت من الخوف الكوردي. فمثلاً وجد أهالي عفرين - رأس العين - تل أبيض، أنفسهم خارج منازلهم واستمرار ارتكاب الفظائع الكبيرة بحقهم، دون أن يتلقى الكورد أيّ تعاطف أو دعم لأحقاق الحق. وبالطرف الأخر، فإن الكورد أيضاً مُقصرين إلى حدٍ ما في هذا الاتجاه مما يحصل في درعا أو غرب الفرات على سبيل المثال. وينحصر التعاطف والمؤازرة لدى كل طرف لملته وجماعته فحسب، منطلقين من نازع وتضامن قومي، الكوردي مع الكوردي، والعربي مع العربي، وكل طرفٍ يشعر بتعرضهم للمأساة التي لا يتعرض لها غيرهم، لكن من يظلم الكورد والعرب في المناطق المعروفة بــ" درع الفرات - غضن الزيتون، نبع السلام" هم جماعات يُعرفون أنفسهم بــ"الثوار"، علماً أن الموقف من الحريات والديمقراطية واحد لا يتجزأ، ومن أدعى الخروج لنصرة المظلوم، لا يظلم إلا من كان يحمل نزعة الحقد والكراهية.
وبالمحصلة فإن السوريين أمام معضلة مجتمعية عميقة متمثلة بانفراط عقد الأخوة والشراكة المجتمعية، وصحيح أن الكورد والعرب في سوريا خرجوا في تظاهرة يوم جمعة الانتفاضة الكوردية، واحتضنت المنطقة الكوردية آلاف الأسر والعوائل الهاربة من أتون الحرب، ولم يُذكر أن تعرض أحد النازحين لعمليات التنمر، التمييز، المحاربة في لقمة العيش، الاعتراض على تشابه مهنهم مع مهن المجتمع المحلي، واُستقبلت الأسر السورية في البيوت..إلخ وأَعتبر ذلك جزءاً من واجب "شراكة السوريين والأخوة الكوردية والعربية"؛ حيث أختبر الكورد المظلومية المشابهة، خاصة عمليات النزوح واللجوء إلى كوردستان العراق بسبب الملاحقات الأمنية للمشاركين في التظاهرة الشعبية العارمة في 12 أذار 2004.
وشكل ذلك الشعور البُنية المركزية الصُلبة الذي وجه المشاعر العاطفية والسلوكيات النفسية للكورد تجاه العرب النازحين من مختلف المناطق والمحافظات السورية. كُل ذلك صحيح، لكن نمط العلاقات السليمة والمؤدية لمجتمع ودولة قوية مازال غائباً، ويزداد الشرخ الاجتماعي تعميقاً، وإن كانت الألسن في المجالس المختلطة تؤكد على العلاقات التاريخية بين الشعبين، لكن لا تطبيقات ولا مؤشرات ولا ممارسات لاستمرار تلك العلاقات، وفقاً لما تتطلبه تلك العلاقات من سلوكيات لديمومتها.
أن النمط المُشكل لطبيعة العلاقة حالياً يُمكن أن نُسميه "القطيعة غير المُعلنة"، والاندماج الاجتماعي بين الشعبين وصل للحدّ الأدنى، متجاوزاً فضاء العلاقات الاجتماعية، ليشمل القطاعات السياسية والثقافية والاقتصادية أيضاً، فلم يشهد أن بادر كاتّب أو مثقف عربي للتأكيد على ضرورة اللغة والتاريخ والتراث الكوردي في المناهج المقبلة، أو أسقاط الضوء عليها ببوست فيسبوكي أو محاضرة أو ..إلخ على سبيل المثال، ومع إتقان وبراعة مئات الأقلام الكوردية باللغة العربية، أدباً، وسياسةً، وشعراً، لم يصدف أن تعلم مثقفً عربياً للغة الكوردية، أو دافع عن مظلوميتهم إلا البعض القليل. ويكفي زيارة أحد المقاهي والمطاعم ليُظهر حجم التقوقع والتفاعل اليومي. وبل حتّى الجلسات والسهرات أصبحت بلون واحد في غالب الأحيان، وأنحصر التواصل في لزومية التعامل عبر المؤسسات الخدمية سواء للإدارة الذاتية أو الحكومة السورية، هي النافذّة الأكثر تفاعلاً بين الكورد والعرب في سوريا، مع الإبقاء على أغلب أشكال التوتر والخلافات التقليدية بينهم، وهو ما يقود لمخاوف الفصام العميق بينهم، وتحول العلاقات الاجتماعية السليمة القائمة على التنوع والتعدد، إلى حلقة شبه مُغلقة تخص كل جماعة على حدة.
كل طرف يستشعر نقاط القوة التي يتفوق فيها على غيره، حيث ينظر الكورد لأنفسهم إنهم أكثر تحضراً وتمدناً من العرب في محافظة الحسكة، ويفوقونهم في قضايا الحريات والديمقراطية والليبرالية، والبحث العلمي، في حين أن العرب ينطلقون من قناعة ثابتة بأحقيتهم في إدارة المؤسسات والدولة واللغة والمجتمع، وأن أيَّ طرح كُوردي إنما ينتهي به المطاف إلى الانفصال وتجزئة سورية. كما يستمر اعتقاد المكون العربي بامتلاكه اليوم وغداً مؤشرات القوة وأحقية اكتناز مظاهر الهيمنة والسلطة في علاقتهم بالكورد، وبل استمراراهم بفكرة الاستملاك القانوني للمنطقة، بما فيها الشرائح والقوى العربية المنخرطة في الإدارة الذاتية، واستمرار شعورهم بعقدة التفوق وتشكيلهم جوهر عمل الإدارة والسلطة رافضين أيّ مسًّ بمصطلح "العربية" من أسم الجمهورية، معتمدين على مُحاججات أخوة الشعوب وضرورة عدّم الطرح القومي للكورد ضمن الإدارة الذاتية، وهو فعل الاستقواء بسلطة القانون، ضمن المساحات التي يقطنها العرب المؤيدين للإدارة الذاتية. في حين يجد الكورد أن التاريخ يجب أن لا يعيد نفسه، وأنهم ذوو حق شرعي في شراكة البلاد، وأن المركزية مرض عضال سينتهي بهم المطاف، كما بدؤه. ويستقوي العرب الموالين للحكومة السورية في قراهم ببيئتهم الاجتماعية والسلطة المُساندة لهم. أما شرائح الكورد المتواجدين خارج دائرة الإدارة الذاتية لا يملكون سوى أوراق المواجهات الشفهية والبحثية والإعلامية تجاه الأخر الرافض أو المعترض على طروحاتهم.
المشكلة الأخرى أن الظروف والعلاقات الاقتصادية والسياسية تتكاتف لتعميق المشاكل والتباغض وتمتين ذلك النوع من العلاقات غير السليمة. كاستفادة التجار والرساميل الكورد/العرب من علاقات تزاوج المال مع السلطة ما أدى إلى تفاوت طبقي رهيب، وتالياً خلق صراعاً طبقياً واضحاً بين الكورد والكورد، والكورد والعرب، والعرب والعرب. لذا لا فكاك من القول أن شعور اكتناز القوة والحق والهيمنة متواجد لدى الجميع؛ وسببه الأساسي غياب أي عقد اجتماعي متفق عليه، وفقدان للمشروع الوطني الجامع الذي يحمي كل المكونات ويمنحهم اعترافهم الدستوري وحقوقهم.
لكن أكثر أشكال التوترات العلاقاتية تتجلى حول مصير ومستقبل سوريا والمكونات، خاصة أمام سيولة الخطابات القومية لدى الطرفين، وبالرغم من استمرار الكورد السوريين من حمل شعور الرغبة بالعيش في المجتمع السوري كمان وكيان جغرافي وحيز نفسي للاستقرار السياسي، لكن إصرار الأخر على المركزية وعروبة الدولة واللغة العربية كلغة رسمية وحيدة، هي اكثر ما يعمق ذلك الشرخ، ليكون الانكفاء والابتعاد عن بعضهم البعض أفضل الحلول المتاحة للكل هرباً من سوداوية الوضع المعاش. والإضاءة الوحيدة الموجودة إن المكونات لم تتقاتل ولم يحصل أي نزاع شعبي بينهم ولا سلوكيات تدفع بذلك الاتجاه.
لذا في الذكرى التاسعة عشر من انتفاضة الكورد في سوريا، والثانية عشرة من بدء التظاهرات والحِراك الشعبي السوري، هي دعوة للمشاركة العربية في بلسمة جراح الكورد، وكيها من العمق. سواء عبر الكتّابة أو البحث أو المشاركة ولو بإشعال شمعة واحدة، ودعوة للمزيد من الانفتاح الكوردي العربي على بعضهم البعض.



