لم تكن محاولة العائلات الكوردية
المهجّرة، العودة إلى كري سبي (تل أبيض)، مجرد خطوة لاستعادة المنازل والممتلكات،
بل كانت اختباراً لمدى احترام حقوق المهجّرين وقدرة الجهات المعنية على حمايتهم.
فما جرى يوم الإثنين (26 تشرين
الأول 2026) أعاد إلى الواجهة سؤالاً يتجاوز الحادثة نفسها: ما قيمة التفاهمات
السياسية إذا لم تضمن للكورد العودة إلى ديارهم بأمان واستعادة ممتلكاتهم؟.
وأفادت تقارير إعلامية بأن نحو
(50) عائلة كوردية، توجهت إلى كري سبي وريفها في محاولة لاستعادة منازلها
وممتلكاتها، قبل أن يتعرض أفراد منها للاعتداء وتتضرر سيارات، وفقاً لما أوردته
تلك التقارير.
وذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان
أن نحو (20) سيارة تعرضت للتكسير أو الإحراق، فيما أفادت رووداو بمحاصرة نحو (100)
عائلة داخل مبنى إدارة المنطقة.
ولاحقاً، أُعلن عن إجلاء العائلات
وتأمين خروجها، أما بشأن التنسيق المسبق، فقد نقلت التقارير روايات متباينة، وهو
ما يستدعي توضيحاً من الجهات المعنية، لكنه لا يغيّر من حقيقة أن حماية المدنيين
واجب لا يجوز التهاون فيه.
وبدلاً من أن تكون العودة بدايةً
لإنهاء سنوات التهجير، وجدت العائلات نفسها أمام مخاوف جديدة، وكأن استعادة المنزل
لم تعد تتطلب إثبات الملكية فحسب، بل تحتاج أيضاً إلى ضمانات تحمي أصحاب المنازل
من الاعتداء حين يقررون العودة.
غياب التنسيق لا يبرر الاعتداء
حتى إذا ثبت وجود خلل في إجراءات
التنسيق، فإن ذلك لا يبرر الاعتداء على العائلات أو تهديدها أو إلحاق الضرر
بممتلكاتها. فالتنسيق ضروري لتنظيم العودة وتوفير الحماية، لكنه لا يمنح أحداً حق
الاعتداء على المدنيين، ولا يبرر تحويل خلاف إداري إلى مواجهة يدفع ثمنها
المهجّرون.
كان بالإمكان معالجة أي خلاف بشأن
آلية العودة بالحوار والتنسيق بين الجهات المعنية، بدلاً من تعريض العائلات للخطر.
وإذا كانت هناك إجراءات لم
تُستكمل، فإن مسؤولية معالجتها تقع على الجهات المختصة، لا على عائلات دفعت ثمناً
باهظاً بسبب التهجير، فحق الإنسان في العودة إلى منزله لا يسقط بسبب خلاف على
الإجراءات، ولا يجوز أن يتحول التنسيق من وسيلة للحماية إلى عقبة تُستخدم لتبرير
الاعتداء.
دمشق أمام مسؤوليتها
لا يمكن التعامل مع ما جرى
باعتباره خلافاً محلياً معزولاً، أو إعفاء السلطات السورية في دمشق والأجهزة
الأمنية المعنية من مسؤولياتها، فحماية المدنيين ليست إجراءً ثانوياً يمكن تأجيله
إلى حين تسوية الخلافات الإدارية والسياسية، بل واجب أساسي يقع على عاتق السلطات
المعنية التي تملك صلاحية التدخل لحفظ الأمن.
وقد نُقلت عن قيادة الأمن الداخلي
في محافظة الرقة، مواقف تؤكد رفض الاعتداءات على الممتلكات والتوجه إلى محاسبة
المتورطين وفق القانون.
كما نُقل عن متحدثة مساعدة باسم
الأمين العام للأمم المتحدة، تأكيد مسؤولية السلطات السورية عن توفير بيئة آمنة
لجميع المكونات.
لكن التصريحات، مهما كانت واضحة،
لا تكفي وحدها، فالمطلوب تحقيق شفاف يحدد ملابسات الاعتداءات، ويكشف أسباب عدم
تدخل الجهات الأمنية لمنع الاعتداءات أو إيقافها فور وقوعها، ويحدد المسؤوليات
الأمنية والإدارية وفق الأدلة، ومن حق العائلات أن تعرف من اعتدى عليها، ومن أحرق
سياراتها أو أتلفها، وما الإجراءات التي ستُتخذ لمنع تكرار ما حدث، فالمحاسبة ليست
انتقاماً، بل شرط لاستعادة الثقة ومنع الإفلات من العقاب.
القادة الكورد وضمانات الدمج
تقع على عاتق القادة الكورد الذين
وافقوا على مسار الدمج مسؤولية سياسية لا ينبغي تجاهلها، لا لأنهم مسؤولون مباشرة
عن اعتداءات ارتكبها آخرون، بل لأن عليهم متابعة الضمانات المتعلقة بحقوق الكورد
وأمنهم وممتلكاتهم، والتأكد من أن الاتفاقات لا تبقى حبراً على ورق.
إذا كان الدمج يُقدَّم بوصفه
مدخلاً إلى الاستقرار وضمان الحقوق، فمن حق الناس أن يسألوا: ما الآليات التي
تحميهم حين يقررون العودة إلى ديارهم؟. ومن يتدخل إذا تعرضوا للتهديد؟ وكيف ستُصان
ممتلكاتهم وتُعالج الانتهاكات التي قد يتعرضون لها؟.
إن المسؤولية السياسية لا تنتهي
بتوقيع الاتفاقات أو الإعلان عن التفاهمات، بل تبدأ فعلياً عند تنفيذها على الأرض،
ومن حق العائلات أن ترى تحركاً واضحاً من ممثليها لمتابعة قضيتها، والضغط من أجل
تحقيق مستقل، وضمان عودة آمنة وكريمة، وتعويض المتضررين.
أما الاكتفاء بالمواقف العامة من
دون متابعة ملموسة، فلن يبدد مخاوف المهجّرين ولن يعيد إليهم الشعور بالأمان. والسؤال هنا ليس ما إذا كان الدمج هدفاً سياسياً مشروعاً، بل ما إذا
كانت آلياته قادرة على حماية الناس وصون حقوقهم. فما قيمة التفاهمات إذا بقيت عائلة كوردية عاجزة عن العودة إلى منزلها،
أو اضطرت إلى طلب الحماية بعد أن قررت استعادة أرضها.
التحريض لا يصنع سلاماً
تثير الاعتداءات، وما أوردته بعض
التقارير عن شعارات استهدفت الكورد، مخاوف جدية بشأن الخطاب القومي الذي قد يحوّل
قضية العودة واستعادة الممتلكات إلى مواجهة بين مكونات المنطقة.
وقد أوردت تقارير إعلامية شهادات
ومشاهد مرتبطة بخطاب عدائي خلال الأحداث، لكنها أشارت أيضاً إلى عدم التحقق بصورة
مستقلة من هوية جميع المسؤولين عن الاعتداءات أو انتماءاتهم.
وهنا تبرز ضرورة التمييز بين
إدانة التحريض حيثما ثبت، وبين إطلاق اتهامات عامة لا تستند إلى أدلة. فالمطلوب ليس تأجيج الانقسام أو تحميل جماعة كاملة مسؤولية أفعال
أفراد، بل تحديد المتورطين ومحاسبتهم، ومواجهة كل خطاب يدعو إلى استهداف الناس
بسبب هويتهم القومية أو السياسية.
فالسلم الأهلي لا يتحقق بإجبار
المهجّرين على التنازل عن حقوقهم، ولا بتركهم في مواجهة من يعارض عودتهم، بل
بإقرار حق الجميع في الأمان والملكية والعودة، وبإنفاذ القانون على الجميع من دون
تمييز.
من يعوّض العائلات؟
تبقى العائلات المتضررة الطرف
الذي دفع الثمن المباشر، فإلى جانب سنوات التهجير وما رافقها من خسارة الاستقرار
والعمل والحياة اليومية، واجهت هذه العائلات، وفق التقارير المنشورة، اعتداءات
وأضراراً طالت سياراتها، واضطرت إلى الاحتماء داخل مبنى الإدارة المحلية خلال
الأحداث.
والآن، من يحصر الخسائر ويعوّض
المتضررين؟ ومن يضمن ألا تتكرر الحادثة مع عائلات أخرى؟ المطلوب حصر الأضرار بصورة
رسمية، والتحقيق في الاعتداءات، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، ووضع آلية واضحة
لتنظيم العودة بالتنسيق مع الجهات المعنية وتأمينها فعلياً.
ولا يكفي أن تُدان الاعتداءات في
البيانات، ثم تُترك العائلات لمواجهة خسائرها وحدها، فالإدانة لا تصلح سيارة
أُحرقت، ولا تعيد ممتلكات أُتلفت، ولا تمنح أسرة شعرت بالتهديد، ضمانة حقيقية
للعودة. كما لا يجوز أن تتحول إجراءات التنسيق إلى بديل
عن واجب الحماية، أو أن يُطلب من المهجّرين الانتظار إلى أجل غير معلوم من دون
جدول واضح وخطوات قابلة للمحاسبة. لقد دفعت هذه العائلات ثمن التهجير بما يكفي، ولا يجوز أن تدفع ثمن
العودة أيضاً.
العودة حق وليست مغامرة
ما جرى في كري سبي ليس حادثة،
ينبغي تجاوزها بمجرد إجلاء العائلات من المبنى أو انحسار التوتر، بل هو اختبار
لجدية الحديث عن حماية الحقوق وقدرة التفاهمات السياسية على تغيير واقع الناس. فالاستقرار لا يُقاس بعدد الاتفاقات الموقّعة أو التصريحات الصادرة، بل
بقدرة المواطن على استعادة منزله والعيش فيه من دون خوف.
وتقع على عاتق السلطات السورية
والأجهزة الأمنية المعنية مسؤولية حماية المدنيين والتحقيق في الاعتداءات ومحاسبة
المتورطين، وعلى الجهات المحلية مسؤولية تنظيم العودة بالتنسيق مع لجان المهجّرين،
فيما تقع على عاتق القادة الكورد مسؤولية متابعة الضمانات السياسية والدفاع عن
حقوق المهجّرين، ويجب تحديد مسؤولية كل جهة وفق دورها وصلاحياتها، من دون تبرير
الاعتداء أو تحميل أي طرف مسؤولية أفعال لم يثبت تورطه فيها.
العائلات الكوردية التي قررت
العودة إلى كري سبي، لا ينبغي أن تُضطر إلى الاختيار بين استمرار التهجير
والمخاطرة بسلامتها لاستعادة منازلها، فمن حقها أن تُحمى من الاعتداء، وأن تُنصف
إذا تضررت، وأن تتمكن من العودة إلى ديارها بكرامة وأمان. وهنا يعود السؤال إلى جوهر مسار الدمج: ما قيمته إذا لم يضمن للكورد
حقوقهم وممتلكاتهم، ولم يهيئ لهم عودة آمنة إلى ديارهم؟.



