لم يكن مستغرباً قرار المحكمة الاتحادية العليا بعدم دستورية قرار اقالة نواب رئيس الجمهورية من مناصبهم، فالكل اصبح يدرك الالية التي يعمل بها القضاء ورئيسه، كما انها ليست المناسبة الاولى ولن تكون الاخيرة التي يصطف فيها هذا القضاء ضد إرادة الأمة.
ان سؤال الجائزة الكبرى هنا هو لماذا انتظر قضاة اعلى هيئة قضائية في البلاد كل هذا الوقت (نحو عام وشهرين) ليحكموا بمخالفة قرار الإقالة للمادة (٦٩ ثانيا) من الدستور؟ الم يكن هؤلاء القضاة يعرفون هذه المادة؟ وهل مراجعة مواد الدستور تحتاج كل هذا الوقت؟
ان اعلان قرار المحكمة الاتحادية العليا يأتي في توقيت يثير الكثير من التساؤلات التي لا يمكن الإجابة عنها من دون فحص المعطيات التالية :
• جاء اعلان القرار في توقيت محرج للجميع، معركة الموصل على الأبواب والتحشيد الإعلامي والسياسي والعسكري في أوجه وبالتالي من يأبه لقرار قضائي في حكم التحصيل حاصل والكل يترقب حدثاً كبيراً، الحديث عن سواه لا معنى له بل قد يدخل في إطار تثبيط العزائم.
• صدر في نفس يوم قرار بطلان اقالة نواب الرئيس، قرار اخر من نفس المحكمة الاتحادية العليا يقضي برد جميع الطعونات التسعة التي قدمها وزير الدفاع المقال خالد العبيدي، لا تفسير يمكن لعاقل ان يقدمه هنا سوى ان قضاة هذه المحكمة يكيلون للناس بمكاييل مختلفة باختلاف درجات النفوذ والارتباطات الخارجية.
• انتظر من يقف خلف هذا القرار تراجع نغمة الإصلاحات إعلامياً وشعور الناس بلاجدوى مثل هذه الإصلاحات المزعومة وعدم جدية من أطلقها او تلقفها او دعا اليها، وبالتالي فإن الامر لا يخلو من كونه نوع من التحايل على الشعب الذي تظاهر مطالباً بالتغيير، بيد ان الدعوات التي أُعلن عنها للتظاهر امام مقر المحكمة في الساعة، قد أربكت القائمين على هذه المحكمة فمشهد اقتحام مقري مجلسي النواب والوزراء لايزال عالقاً في الاذهان.
• انه جاء مع اقتراب كل من انتخابات مجالس المحافظات والانتخابات النيابية في العام ٢٠١٨، وبالنسبة للمستفيدين من هذا القرار فإن دخولهم الانتخابات بمناصبهم الرفيعة خير لهم مليون مرة من خوضها بلا عنوان او منصب (معظم التجارب الانتخابية ترجح كفة من هو في السلطة على منافسيه خارجها، فضلاً عن ان من يكون في المنصب سيعمل على تسخير إمكانات الدولة ومؤسساتها للاغراض الانتخابية كما حدث في الانتخابات السابقة).
• الفائز الابرز في هذا القرار هو نوري المالكي، صحيح ان من قدم الطعن هو اسامة النجيفي الذي سيستفيد هو الاخر لكن بنسبة اقل على اعتبار ضبابية مستقبله وتحالفاته السياسية المرتبطة بمآلات قضية الموصل، لكن المالكي المتربص بالسلطة وتحديداً بمنصب رئيس الوزراء هو اكبر المستفيدين لا سيما وانه لم يتخل عملياً -برغم اقالته- ولو للحظة واحدة عن اي من صلاحياته وامتيازاته، وبالتالي سيمثل قرار إعادة المالكي لمنصب عالٍ في هذا التوقيت تدشيناً مبكراً لحملته التي ما توقفت يوماً للعودة الى صدارة المشهد في البلاد .
• علاوي التائه والمحبط، لم يعد يمثل خياراً عملياً، فهو واقعاً بلا مشروع، وبالتالي سيتقاسم كعكة قرار العودة كل من المالكي والنجيفي ليرسخا طموحهما الشخصي كزعيمي طوائف .
• سيقوي هذا القرار من النفوذ المتزايد للمالكي بين صفوف فصائل الحشد الشعبي التي يديرها ويشرف عليها، وبالتالي تجيير مشاركتها في معركة الموصل لصالح المالكي الذي سيقدم نفسه محرراً للمدينة التي اُحتلت خلال فترة حكمه، في إطار محاولاته المستميتة للتخلص من اثقل الموضوعات التي انهكته ودمرت صورته بين أنصاره (لاحظوا استعجاله توجيه كلمة للشعب قبل اي مسئول اخر لمناسبة الشروع في معركة الموصل) ومثلت مادة خصبة لخصومه للتنكيل به وتقديمه دائماً بصورة المهزوم امام داعش، وهو ما يتشارك به مع النجيفي الذي سقطت تحت حكم عائلته ثاني اكبر مدن البلاد.
• توقيت القرار أيضاً يوجه اكثر من ضربة موجعة للعبادي ففضلاً عن كونه استنساخ لقرارات سابقة اصدرها وسرعان ما نقضت او عطلت، فإن التوقيت بحد ذاته يبعث رسالة الى الجميع مفادها ان العبادي ليس وحده المهيمن على مقاليد الأمور في البلاد، وانه لا ينفرد بتأدية دور البطولة في المعارك ضد داعش، لدينا المالكي بإعلامه ونوابه وفصائله وحظوته لدى ايران، كما ان هنالك النجيفي بفصيله المسلح الذي يتوعد بمسك الارض بعد معركة الموصل وكتلته السياسية وولائه العلني لتركيا.
• في كل الأحوال، يبدو ان المطلوب في هذه المرحلة هو تعزيز حكم الطوائف في العراق من خلال رموز طائفية مرتبطة بالخارج وتدعي زوراً دفاعها عن الطائفة التي تمثلها، والمالكي والنجيفي خير من أضطلع بمثل هذا الدور طيلة السنوات الماضية.
هكذا إذاً يبدو توقيت اعلان قرار المحكمة الاتحادية العليا -المعروفة بتماهي قراراتها مع النافذين سياسياً- مفهوماً، انه بمنتهى الاختصار اعادة تدوير للمهيمنيين طائفياً على مقاليد السلطة في البلاد، وهو اكثر من مجرد قرار قضائي عابر، هو اعادة مكررة وممجوجة لوجوه بائسة توهم المتوهمون انها غادرت المشهد او انتهت صلاحيتها.
صلاحية هذه الوجوه التي تشي بكل معاني العار والشنار-للاسف الشديد- متجددة وصالحة وباقية ببقاء هذه العملية السياسية المشئومة.
المالكي والنجيفي ومن خلفهما زمر الفشل والفساد والطائفية وضياع الاوطان، باقيان ويتمددان !
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الإعلامية.



