فن الصحافة والصحافي الملمّع.. طبّال هابط في حفل "أوركسترا"

08-12-2025
رووداو
الكلمات الدالة الصحافة
A+ A-
على ما يبدو، أنّ فكرة الانتقال بين زمنين أخذت وقتاً أطول مما ينبغي؛ فرهاب السلطة الذي زرعه النظامُ السابق في نفوس العراقيين خلق حالة فريدة من الوعي، يصعب تجاوزها، ومعالجاتها وإن بدت ممكنة، إلا أن الأيام والمتغيرات سرعان ما تعيد إنتاجها. إذ إن العراق لم يغادر عقلية تلك المرحلة التي كان الولاء فيها صك نجاة، والمعارضة تهمة جاهزة، والكلمة التي كانت كفيلة بأن تلقي بصاحبها خلف الشمس، ما زالت هي ذاتها، وإن جاءت اليوم مُؤطَّرة بالحماية الدولية وبديمقراطية محلية مُدّعاة، لكنها لا تزال مكبّلة ومقيّدة بمحددات رسمها التخادم بين السلطة والتجّار.
 
وللمشهد اليوم طريقان لا ثالث لهما: إمّا أن تكون جزءاً من صفقة المال السائب، تغنّي وتطبّل ليبدو الخبر كما لو كان أغنية هابطة، سريعة الانتشار، مدفوعة الثمن، عديمة المعنى.. أو أن تترك أرضية الملعب طوعاً، قبل أن تُجبَرَ على تركها.
 
التطبيل اليوم لم يعد مجرّد رأي مُجامل للسلطة، بل تحوّل رويداً رويداً إلى وحدة قياس تُقاس على أساسها الوطنية ودعم مؤسسات الدولة والقانون. وعلى أساسها تُحدد أرزاق الناس وسمعتهم ومستقبلهم المهني، بل وحتى أمنهم الشخصي والاجتماعي.
 
إن النسخة الجديدة من هذه الثقافة لا ترتدي "الخاكي"، لكنها تستخدم أدوات أكثر هدوءاً.. وأكثر فتكاً. فبدل أن تُوجَّه الاتهامات باسم "القائد الضرورة"، صارت تُطلَق باسم "الديمقراطية" و"حرية التعبير" في مقارنة تبدو أخطر من الأولى.
 
نعم، لا يُطارَد الصوت المختلف اليوم بتقارير حزبية، لكنه قد يُحاصَر بـ"منشور" يكتبه على فيسبوك، وبحملات تشهير منظمة، وبمحاولات لإقصائه من عمله أو تجفيف مصادر رزقه، وإغلاق منصاته باستخدام صلاحيات الدولة.
 
خطورةُ التطبيل وتمجيدِ المنجزات الوهمية تكمن في إفقار الوعي العام، وتحويل مساحات الحوار الهادفة إلى معركة ولاء لا معركة أفكار. فبدل تشخيص الأخطاء وطرح الحلول أو البحث عن إمكانية المعالجات، يجرّ الفاشلون ومنظوماتهم النفعيةُ المنتقدين والمعارضين إلى سجالاتٍ واتهاماتٍ وإيهاماتٍ تنتهي بحرف أنظار الناس عن القضية الأساس. ثم، تدريجياً، يُقاد وعيُ الجميع إلى التسطيح، حتى تتقلّص دائرة التشخيص والتمحيص، فيصبح الخطر ليس في السلطة فحسب، بل في المجتمع الذي يشارك في صناعة الصنم الذي صار من الصعب كسره فيما بعد.
 
وأخيراً، أشير إلى ما لفتني قبل مدة قصيرة، وأنا أتصفّح أحد مواقع التواصل الاجتماعي، من منشور في حسابٍ وهمي ساخر، وهو يعلّق على صورة لشباب في إحدى الجامعات الأهلية العراقية وهم يرتدون زياً غريباً كما لو كان نسائياً. فجاء التعليق الساخر بأنّ صدام حسين كان يخشى الجامعات لأنها نواة ومعقل الحركات الاحتجاجية والنشاطات الحزبية السرية المعارضة، أمّا ما نخشاه اليوم فهو أن تسود هذه المشاهد المريبة. وهي إشارة إلى غياب الشباب عن صناعة الوعي والمشاركة في القرار الذي فسح المجال أمام تغوّل السلطة وسيطرتها، وإلّا فمن سيقود دفة المستقبل؟ الكهول؟

زينب ربيع 
مديرة مركز النخيل للحقوق والحريات الصحفية

تعليقات

علق كضيف أو قم بتسجيل الدخول لمداخلات أكثر

أضف تعليقاً

النص المطلوب
النص المطلوب
 

آخر الأخبار

كاميران حاج عبدو

بين الاندماج الوطني والانصهار القومي

تثير عملية الاندماج الجارية بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية أسئلةً عميقةً حول طبيعة الدولة السورية المنشودة، ومعنى الاندماج السياسي، وحدود العلاقة بين الهوية القومية والانتماء الوطني. فبينما يُقدَّم هذا المسار بوصفه خطوةً نحو توحيد البنية الإدارية والعسكرية وإنهاء الانقسامات التي أفرزتها سنوات الحرب، تنظر إليه شرائح كوردية واسعة بريبةٍ متزايدة، خشيةَ أن يتحول الاندماج إلى صيغةٍ جديدة من الانصهار القومي الذي يُفرغ الخصوصية الكوردية من مضمونها السياسي والقومي/الإثني، ولاسيما في ظلّ الخطابات المتبادلة التي تميل، تارةً، إلى إنكار الخصوصية الجغرافية والتاريخية للشعب الكوردي في سوريا، وتؤكد، تارةً أخرى، أحادية الهوية اللغوية والقومية للدولة، بما يعيد إنتاج نموذج الدولة المركزية المهيمنة بأدوات مختلفة.