يبدو أن سنجار لم تعد مجرد ملف إداري معلّق بين بغداد وأربيل. ولا هي سترجع كما كانت عليه قبل اجتياح داعش الإرهابي عليها في الثالث من آب عام 2014.
فقد تسللت هذه المنطقة برمتها، إلى قلب معادلة إقليمية أكبر بكثير وكثير من حدودها الجغرافية والسياسية والاجتماعية.. الضيقة.
فما كان يوماً نزاعاً محلياً على السلطة والخدمات اليومية، صار اليوم بنداً له حجمه وكيانه بل ثقله على طاولات التفاوض التي تجمع أطرافاً لا علاقة مباشرة لها بسكان المنطقة وآلامهم.
هنا لم تكن الجغرافيا يوماً بريئة، فمنذ أن شهدت سنجار نفسها وهي تحتضن الخيرات الكثيرة في جوفها، ووجودها على تماس مباشر مع سوريا، وتطل من بعيد على ممرات تربط إيران بالبحر المتوسط عبر العراق وسوريا، وهنا إيران لا تخفي حرصها على أن تبقى طرقها اللوجستية سالكة، بعيداً عن أي اهتزاز قد تفرضه تحولات ميدانية مفاجئة.
والدور التركي فيها لوجود عناصر مرتبطة بـ (PKK) الذين يشكلون - بحسب اعتقادها - تهديداً مباشراً لأمنها القومي، الأمر الذي تعطي الحق لنفسها التدخل بين الحين والآخر بضربات جوية بالمسيَّرات.
أما واشنطن، فهي الأخرى تتدخل من خلال مراقبتها المنطقة من بعيد، وهي حريصة كل الحرص على ألا تتحول المنطقة إلى ساحة اشتباك مفتوحة بين حلفائها المتنافرين، فهي تشكل ممراً غاية في الأهمية لأجندات قديمة طال انتظار تطبيقها وقد يبدو أن الوقت قد حان.
ناهيك أيضاً عن وجود أعراق فيها لا تشبه ساكني أعراق محيطها، مما يجعل منها محطة أخرى لأطماع عرقية عشائرية...
إذاً، شئنا أم أبينا، ستبقى سنجار محطة لا يمكن تجاوزها في أي حسابات نفوذ إقليمي.
بين هذه الأطراف والأسلاك والمطبات والحواجز جميعاً، يقف أهل سنجار الأصليون أنفسهم، وقد أنهكتهم سنوات الإبادة والتهجير، لدرزنٍ كامل من السنوات العجاف، ينتظرون حلاً يعيدهم إلى بيوتهم يعيشون فيها تحت سقف يحافظ على حياتهم وكرامتهم .. لا أجندات دولية تعيد رسم خرائط النفوذ فوق رؤوسهم.
اتفاق سنجار الموقع عام 2020 بين بغداد وأربيل، برعاية أممية، بقي إلى حد كبير حبراً على ورق، إذ تعثر تطبيقه مراراً أمام تعقيدات لا تحصى: من يتولى الأمن؟ من يدير الإدارة المحلية؟ وكيف يُعاد دمج الفصائل المسلحة المتعددة الولاءات في نسيج الدولة؟
الأخطر أن سنجار باتت، في أعين بعض اللاعبين، ورقة ضغط تُستخدم في مفاوضات أوسع، قد لا تتعلق بها مباشرة، بل بملفات أخرى كسوريا ما بعد الحرب، أو مستقبل العلاقة بين بغداد وأربيل، أو حتى بمسار التفاهمات الأميركية - التركية. وكأن المدينة تدفع، مرة أخرى، ثمن موقعها لا ثمن قرارها.
ما يحتاجه هذا الملف اليوم، ليس مزيداً من التصريحات الدبلوماسية المرنة التي تُطمئن الجميع دون أن تُلزم أحداً، بل إرادة سياسية حقيقية تترجم الاتفاقات الموقعة إلى واقع معاش، يعيد لأهل سنجار حقهم في أن يكونوا أصحاب قرار في أرضهم، لا مجرد بند في أجندة إقليمية متشعبة الأطراف.



