لا صوت يعلو في العراق هذه الأيام على أصداء ما قاله وزير الدفاع خالد العبيدي في جلسة استجوابه بمجلس النواب .
ومع أن الفساد هو من المسلمات في عراق العملية السياسية منذ العام ٢٠٠٣ ، فإن حجم وكارثية ما كشفه العبيدي وعاطفية التفاعل الشعبي المؤيد له أعاد مجدداً الى الواجهة التساؤل عن مدى جدية وقدرة المؤسسات القائمة والياتها على الإصلاح .
وبعد ان صحى الجميع من سكرة وهول الحدث ، اصبح النقاش مُنصباً على النتائج التي ستتمخض عنها اتهامات العبيدي المباشرة لحفنة من كبار المسئولين ، ومدى جدية الرجل في تقمص دور المُنقذ في بلدٍ احوج ما يكون لشخصية المُخلّص الراسخة في الوجدان الشعبي العام .
ومن خلال محاولة تدوير زوايا المشهد ،يمكننا مراجعة ما يلي:
- لا يمكن لا للعبيدي ولا لغيره من شخوص العملية السياسية تحقيق الاختراق الوطني الذي يحقق طموحات الناس لاعتبارات تتعلق بطبيعة ادارة الحكم في العراق ونوعية المهيمنين على ما يمكن وصفه بالإدارة العميقة للسلطة في البلاد ،وطبيعة ارتباطاتهم بقوى إقليمية ودولية نافذة ومتحكمة بالملف العراقي بكل كلياته.
- صحيح ان للعبيدي كاريزما واضحة تجلتْ اكثر في المواجهة التي أدارها لصالحه خلال جلسة استجوابه النيابية وتحركات (الشو) الإعلامي التي قام بها بُعيد الجلسة ، وصحيح انه استفز في العقل الجمعي الباطن للعراقيين صورة الزعيم القوي ،لكن كل هذا غير كافٍ إطلاقاً لاحداث الاختراق المطلوب في بنية عملية سياسية متماسكة وفق أسس محاصصية وفئوية تؤازر بعضها بعضاً مدعومة بقوى عنفية تمسك بالأرض وتتحكم بمصادر المال.
- مآلات ما غامر العبيدي بكشفه، تتحكم بها خيوط اللعبة السياسية وأبرزها القضاء الذي هو من الواضح (تشير الى ذلك عشرات الوقائع) مُسيرٌ وفق اليات في معظمها تعتمد لي عنق القوانين او اعادة تفسيرها لضبط الايقاع العام ومنع (النشازات) التي قد تظهر هنا وهناك ، وبالتالي فإن اي مَخرج قضائي متوقع سيكون محكوماً باتفاقات سياسية تُعيد بهذا الشكل او ذاك العملية السياسية الى نصابها المعوّج.
- لقد حقق العبيدي ( ولو إعلامياً) ببضع ساعات ما حاول غيره من اللاعبين في المشهد السياسي ان يناله عبر سلسلة متواصلة من التحركات على الارض استمرت لأسابيع طويلة رُفعت خلالها عديد الشعارات ضد الفساد والمفسدين ،كما ان محاولة خصومه إحراجه من خلال إظهاره بمظهر المتمرد على الطائفة تحجمتْ ولم يكتب لها النجاح ،ما قد يُعَجِّل في اتخاذ خطوات لاحتواء الموقف من قبيل التخلص من رئيس مجلس النواب سليم الجبوري المثخن بالفضائح والذي أُجبر على التخلي عن كرسي رئاسته للبرلمان مرتين في غضون اقل من شهرين فصار عبئاً يصعب على جميع الفرقاء تحمله.
- ومع هذا، فلا مستقبل سياسي مؤكد بعد اليوم لخالد العبيدي ، فهو وان تُمكنه تحالفاته مع قوى الحكم الشيعية على البقاء في منصبه حتى انتهاء هذه الدورة الانتخابية فإن الطبيعة الطائفية والمحاصصية للحكم ( إن لم تشهد الخريطة السياسية في العراق تغيّرات متوقعة مرتبطة باحتمالات عودة الجمهوريين للبيت الأبيض ) ستحول دون ان يكون له دور سياسي مؤثر مقبل لاسيما وان خصومته الفاقعة مع الاسلام السياسي السني المهيمن على تمثيل سُنة العراق منذ العام ٢٠٠٣ ستمثل عقبة كأداء امام توليه مناصب كبرى قادمة ،كما ان طبيعة شخصية الرجل (القيادية) سوف لن تسمح له القيام بأدوار ذيلية ،ليكون بمثابة سعدون الدليمي آخر.
- لا تغيّر دراماتيكي متوقع في المشهد السياسي بشكل عام ، الضغوطات الإقليمية والاجتماعات الليلية المكوكية بدأت بالفعل وستنجح -كما في كل مرة- في اعادة الأمور الى الحال الذي كانت عليه قبل ما قاله العبيدي ،شركاء الحكم مختلفون ومتناحرون في وعلى أشياء كثر،لكنهم بالتأكيد موحدون ازاء اي خطر قد يهدد هيمنتهم وتفردهم واستحواذهم على مقاليد الأمور في البلاد .
في كل الأحوال ،خالد العبيدي وللإنصاف كان شجاعاً في ارض المعركة وفي قاعة البرلمان (لاحظ محاولة كسر هذه الصورة بعد تسريب جلسة الاستجواب السرية) ، لكنه ليس بطلاً قومياً وليس هو المنقذ او المخلص ،كما انه ليس السيسي ولا هم يحزنون ،كل ما حصل لا يعدو ان يكون نوبة مرضية حادة اخرى يتعرض لها الجسد العليل لهذه العملية السياسية ،فلا مستفيد وطنياً مما حصل ،ولا رابح يُذكر مما جرى ،الفضيلة الوحيدة ان صورة سياسي اليوم الضاجة بالفساد والنهب والسرقات تكرستْ اكثر وفضائحهم اصبحت قولاً وفعلاً على كل لسان .
إنقاذ الاوطان في الملمات الكبرى كالتي يواجهها العراق هي مهمة شعب وقضية أمة ،لا تعويل فيها على مغامرات وزير أو مناورات زعيم.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له علاقة بوجهة نظر شبكة رووداو الاعلامية



