تتعمق المشكلة الأكثر بروزاً في الإعلام الكوردي وتحديداً الحزبي، كونه لم يبحث عن الإجابة حول سؤال ما هو الجمهور؟ فيلجأ للاستعاضة عنه بمحاولات دمج الجميع في روح واحدة وعاطفة مشتركة، وبمقاربة لزومية إلغاء التمايزات الشخصية وإلغاء حقيقة الملكات العقلية وفروقاتها. ما نتج عنه صفرية النتائج في الإعلام الحزبي لجهة القيمة المضافة، والتوجيه الجماهيري صوب حقائق تأريخية كوردية في سوريا، وصوب بناء جسر حقيقي متّين بين الكورد وعموم السوريين، والخروج بصيغ جديدة للتواصل والتوجيه للنشئ. ففي 22 نيسان 1898 أصدرت أول جريدة كوردية بأسم "كوردستان" من القاهرة على يد مدحت بدرخان. وهو التاريخ المتفق عليه بين كُل الكورد في كل مكان. وفي سوريا محور حديثنا، كانت بعض الأحزاب الكوردية تحتفل بهذا اليوم، وفق الظروف الأمنية المتبعة آنذاك. لكنها لم تسعى لتطوير أدائها الإعلامي بما يتناسب والتغيرات الجذرية التي طرأت على منظومة الإعلام العالمي برمته. وحيث بدأت بالمنشورات الحزبية التي ساهمت لدرجة كبير في ربط الكورد بقضيتهم القومية في سوريا آنذاك قبل عقود، بيد أن سقوط الإعلام الكوردي في ساحة الاستهلاك جراء اجترار القضايا والمواضيع عينها، افقدها قيمتها وبريقها، وما عادت المُحاججات التي تصفها بغير وجه حق بــ"العقلية" والمحاولات الخجولة لمخاطبة مخيلة الجماهير بما يتناسب وهواها، تصلح مع الطفرة الإعلامية اليوم. خاصة وأن ثمة أعلام بديل راح يكبر وينمو مع ثورات الربيع العربي، واجتاحت السوشيال ميديا العالم كله، لكنها لم تصل بعد إلى مضارب الإعلام الحزبي الكوردي في سوريا. مقابل مساعيها-الإعلام الحزبي- الحثيثة لإحداث تأثير شعبي مماثل للتأثير الذي يتعرض له الإنسان أثناء التنويم المغناطيسي، دون الأخذ بالحسبان أهمية ما تحتاجه الجماهير اليوم من خطابٍ إعلامياً رصين ممزوج بين الهدوء والهدف، وأصبح الإعلام الحزبي بمثابة المُركب الكيماوي الناتج عن صهر عناصر عديدة مختلفة ساعياً صوب ذوبان جميع العناصر حتّى تفقد خصائصها الأولية الأساسية، ومن ضمنها المساعي الحثيثة لترويض الإعلاميين المحليين ليُصبحوا جزءاً من تلك التفاعلات التي تسعى صوبها الأحزاب الكوردية. الشرق الأوسط والعالم العربي برمته يشهد تحولاتً سياسية ضخمة، ومن ضمنها سوريا، يقابله خطوات إعلامية مفروزة ما بين غير جريئة وبسيطة وسطحية وخجولة، أو تضخيم وتسييس كُل ما يخطر ببال الإعلام والقائمين عليه، ورغبة صوب استثمار ما يُمكن لإنكار الأخر وتشويهه ونفيه. رُبما المؤشر الأكثر قوةً في كل هذه المجادلات الإعلامية الحزبية، إن الشعب ما عاد يصدق ما يقال له عبر مختلف المنابر، فالتغيرات المحيطة أصابت أفكار الناس وحيواتهم وقناعاتهم أيضاً. غالبية الإعلاميين والكتُّاب الصحفيين الكورد، عُرف نتاجهم لعموم السوريين وتالياً العرب، عبر الإعلام الغير كوردي سواء السوري أو العربي. مفارقة غريبة جداً، إذ تقتصر الحقول الإعلامية الحزبية على إصدار جريدة شبيها بالمنشورات القديمة، لكنها لا تجهد نفسها عناء البحث حول الآليات المطلوبة للتخاطب الوطني وتوضيح حقيقة الخطاب القومي الكوردي ضمن سوريا، خارج إطار الكلمات الافتتاحية، بما تتطلبه الحالة السياسية الحالية من توافر مجموعة من آليات التواصل والحوار. المفارقة تكبر مع عدّم استقطاب الصحفيين السوريين عرباً وسرياناً للكتّابة عن الهّم السوري أو الكوردي في سوريا، عبر ما تمتلكه تلك الأحزاب من وسائل إعلامية خجولة. والمفارقة الأكثر عمقاً وغرابةً أن أقلامً وقامات عربية راحت تدافع عن الكورد وقضيتهم، ولهم من الأثر الكبير لتحريك الرأي العام الشعبي، وضربات للرسمي المُعادي للحقوق والديمقراطية، في الوقت الذي لم يلتفت الإعلام الحزبي لهم ولا لقضايا بلدانهم المنتمين إليها، أو التشبيك معهم ، ولا ربط كُتابهم وصحفييهم الكورد مع الأخر العربي الذي بقي غريباً ومجهول الهوى حتّى طالت أقلام الكورد عتبات الصحافة العربية، وهي تلك الغمامة التي ما أُريد لها الانقشاع؛ لأن القائمين لا يُحبذون أيّ علاقاتً بين نُخبهم والأطر السورية الأخرى خارج قوقعاتهم. إن الفترة الحالية تشكل إحدى اللحظات الحرجة التي يشهد فيها الإعلام الحزبي تكورً وتصدعاً مقابل أطوار التحول والتبدل المخيف الذي يصيب العالم، وتأثيره السلبي المباشر على الكورد، فثمة عاملان أساسيان يشكلان الأساس الجذري لهذا التأثير هما أولاً: تدمير الإنسان الكردي من داخله وكتحصيل حاصل تدمير كل حيواته وأفكاره السياسية والاجتماعية نتيجة التصدعات المتراكمة في الجسد السياسي الكوردي وتأثيره المباشر على الواقع الصحافي والإعلامي. ثانياً: ثمة إعلام عربي جديد خلق شروط جديدة كليا بالنسبة للوجود والفكر، سواء كوردياً أو عربياً وأصبح واحة لمن شعر بمتانة الحبال الرابطة بين ساعديه، ووجد نفسه فجأة أمام فُسحة ضخمة للتعبير والعمل. متى ستدرك الأحزاب الكوردية أن العقد الحالي هو التاريخ الأكثر خروجاً عن تاريخ الحركة السياسية الكوردية منذ نشأتها وحتّى اليوم، وما عادت المرويات حول الإعلام الحزبي سابقاً تأتي بثمارها وان جاز التطرق لها بصورة وجيزة بيد أن التغني به أصبح عابرا للتاريخ ومضيعة للوقت.
اراء26-10-2026من المسيّرات إلى الحوار.. كواليس النقاشات حول المفاوضات الافتراضية بين إيران والأحزاب الكوردية المعارضةزريان روجهلاتي