عندما سقط بشار الأسد في أواخر 2024 وانفتحت أبواب السجون، وخاصة سجن دمشق، تذكرت كمال سَيدو. في مساء ذلك اليوم الذي سقط فيه الأسد، اتصلت زوجة كمال سَيدو، السيدة أنجليكا سَيدو، وهي تشغّل نشيد "أي رقيب" بصوت عالٍ، لتدفع كمال للكلام وللفرح. كانت لحظة حزينة للغاية، إذ رأيت كمال سَيدو في ذلك اليوم، يوم سقوط الديكتاتور، لا يبدي أي ردة فعل.
في 1959، كان كمال سَيدو شاباً يبلغ من العمر 20 ربيعاً، لكن تطلعه للحرية ورغبته في حياة جميلة، حياة كإنسان، زج به في السجن ليواجه ظروفاً صعبة للغاية، فالعنصريون يعذبونه جسدياً وروحياً، لكن إيمان سَيدو بكورديّته يزداد قوة. يقضي أيام السجن مع أشخاص أكبر سناً وأكثر خبرة، مع عثمان صبري ونورالدين زازا، وكان دائماً يتحدث عن عثمان صبري بإجلال وفخر قائلاً: "أستاذي العظيم في محبتي وانتمائي لقضية أمتي".
بعد خروجه من السجن، قرر سَيدو الرحيل عن سوريا، وعاهد نفسه ألا يعود إلى الأبد، ما دامت سوريا ليست بلداً حراً وديمقراطياً، ما دام لا يُحترم فيها كرامة الإنسان. وفى كمال بوعده ولم يعد إلى سوريا، سوريا التي تُنكر حتى اليوم كل صوت ولون مختلف فيها.
في ظهر يوم (1 أيلول 2025) اتصلت السيدة أنجليكا سَيدو، وكانت عادة تسبق اتصالاتها بإرسال رسائل قصيرة، لكنها هذه المرة اتصلت مباشرة بدون رسالة، فخفق قلبي وأحسست بالقلق. "عزيزي، فقدنا كمالنا، منذ صباح اليوم، في الساعة 07:10 ودّعنا كمال الحبيب إلى الأبد."
عند وصول خبر الموت، لا تسعفنا الكلمات بسهولة، في تلك اللحظات يصاب المرء بالذهول، لكن رغم ذلك قلت للسيدة أنجليكا: لقد كنتما سعيدين معاً، كان كمال محظوظاً بأن عاش مع حبك وأنت أيضاً حتى اللحظة الأخيرة كنت تسقين روح كمال المليئة بالحسرة بدفء محبتك. أشهد يا سيدة أنجليكا على المحبة التي كنت تبدينها في هذه السنوات الأخيرة عندما مرض كمال سَيدو، هذه المحبة إن لم تكن أكثر مما في السابق، لم تكن أقل. قرابة ستين عاماً عشتما معاً، حياة في المحبة، واستمرار المحبة بهذا النقاء، نوع من المعجزة.
عندما أنهى كمال سَيدو قسم السينما والتلفزيون، في ألمانيا سنة 1967، كانت الحرب لا تزال دائرة في كوردستان، وفي نهاية 1969 وصل إلى مناطق الثورة وسجل أفلاماً وتقارير عن الوضع لصالح التلفزيون الألماني. كان يقول: "هذا مجال تخصصي، أريد أن أخدم شعبي وقضية أمتي من خلال هذا المجال". في العامين 1970 و1972 جاء إلى كوردستان مرتين وفي المرتين أحضر فريق عمل وأنتجوا أفلاماً وثائقية عن وضع كوردستان، عن المفاوضات والحرب، وفي تلك الفترة فكر كمال سَيدو في تأسيس تلفزيون كوردي، لكن للأسف لم يكن وضع كوردستان ملائماً لمثل هذا العمل، وأحياناً كما كان يقول: "كان بعض المسؤولين في الثورة يسخرون من فكرتي".
جزء مهم من تسجيلات تلك الرحلات التي قام بها سَيدو وسجله بكاميراته الخاصة لا يزال محفوظاً. عمل سَيدو في ألمانيا كثيراً في مدينتي كولن ومونستر لمدة 35 عاماً كمصور ورئيس مصورين للتلفزيون الألماني WDR وتقاعد بكرامة.
نحن أيضاً، فقدنا فرداً من أفراد عائلتنا، فقد أصبح كمال وأنجليكا منذ قرابة ست سنوات الجد والجدة المعنويين لابنتنا مينا.
آخر لقاء لنا كان في نهاية 2024، لكن للأسف كان سَيدو قد نسي كل شيء، الشيء الوحيد الذي بقي في ذاكرته كان بعض ألحان الأغاني الكوردية، لم يكن يتكلم، لكنه كان يردد باستمرار ألحان جميل هورو و"عيد، عيد كوردستان، عيد نوروز".
كان من أهل عفرين، لكنه كان يعرف اللهجتين الكورديتين جيداً، لأنه كان يحب اللغة الكوردية. كان يستمتع بالاستماع لعائشة شان وخالقي أيضاً. حتى مرضه، كان كونه كوردياً من الأسس المهمة في حياته، وكان حبه لكوردستان وألمانيا في تنام، كان شاكراً لألمانيا لأنه بنى حياته في ذلك البلد، كان دائماً طيب القلب، كان دائماً محترماً وكريماً.
برحيل هذا الصديق الكريم، قلبي مع شخص واحد، قلبي مع السيدة أنجليكا وأتمنى أن تستطيع تحمل هذا الحزن. كان صوت بكاء أنجليكا في الهاتف مشحوناً بحب عميق جداً بين هذين الزوجين والصديقين.
أنجليكا العزيزة، الأكثر تأثيراً من دموعك هو القسوة الطاغية على هذا العالم، الحروب والقتل والجوع وتشرد البشر على أيدي بعضهم البعض. عدم حرية الأرض واللغة والإنسان على يد الإنسان. يا للأسف؛ مات كمال سَيدو ولم تتحرر سوريا. للأسف مات سَيدو وحمل معه إلى القبر حسرة الحرية.



.jpg&w=3840&q=75)