نعلم جيداً أن الاستقرار يحتاج
إلى مصالح تحميه، هذه واحدة من الحقائق التي أثبتتها تجارب الدول أكثر مما أثبتتها
الاتفاقات والخطابات، فعندما ترتبط حياة الناس والشركات والأسواق بمشروع ما، تصبح
حمايته واستمراره حاجة مشتركة وتتسع دائرة الحريصين عليه كلما اتسعت دائرة
المستفيدين منه، من هنا يمكن أن نقرأ طريق التنمية.
فالعراق أمام فرصة تتجاوز إنشاء
ميناء وسكة حديد وطريق بري وانابيب نقل إلى بناء حركة اقتصادية تمتد من الفاو عبر
مدنه ومحافظاته وتفتح حولها مساحة واسعة للاستثمار والعمل والصناعة والخدمات.
ولعل السؤال الأهم منذ الآن: ماذا
سيبقى للعراق من كل حاوية تعبر أراضيه؟ الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد الفرق
بين طريق تعبره التجارة وطريق تصنع حوله التنمية.
يمكن للحاوية أن تدخل الفاو وتصل
إلى الحدود خلال ساعات أو أيام، ويكون ذلك نجاحاً في النقل، ويمكن للحاوية نفسها أن
تحرك معها عاملاً وشركة ومخزناً ومصنعاً وسوقاً ومدينة، وهنا يبدأ النجاح
الاقتصادي.
نحتاج أن نرى آلاف المشروعات التي
يمكن أن تنشأ حول الطريق بقدر ما نرى السكة نفسها. النقل والخزن والصيانة والتأمين والمصارف والفنادق والمطاعم والصناعات
التحويلية والمدن الصناعية والخدمات الرقمية، وصولاً إلى المشروعات الصغيرة التي
ستجد سوقاً جديداً بفعل حركة الناس والأموال والبضائع. وهنا يصبح طريق التنمية
قريباً من حياة المواطن، فالاقتصاد العراقي يحتاج إلى مساحات جديدة للعمل خارج
الوظيفة الحكومية، والشباب يحتاجون إلى سوق يستطيع استيعاب طاقاتهم، والمحافظات
تحتاج إلى مشروعات تحرك اقتصادها، والقطاع الخاص يحتاج إلى بيئة كبيرة يستطيع أن
ينمو داخلها.
ومع كل فرصة عمل يخلقها المشروع،
وكل شركة عراقية تدخل في نشاطاته، وكل مدينة تنتفع من امتداداته، تتسع قاعدته
الاجتماعية ويصبح نجاحه مصلحة للناس أنفسهم، وهذا جزء من الاستقرار أيضاً.
الاستقرار لا تصنعه السياسة
والأمن وحدهما، يصنعه كذلك شاب يرى أمامه فرصة وعائلة تمتلك دخلاً مستقراً ومدينة
تتحرك فيها الأعمال، وقطاع خاص يجد مجالاً للنمو ودولة تتعدد مواردها وتقل
حساسيتها تجاه تقلبات مورد واحد.
وربما تكون هذه إحدى أهم الفرص
التي يقدمها طريق التنمية للعراق: أن يضيف إلى معادلة الاستقرار بعداً اقتصادياً
واسعاً ويمتد الأمر إلى خارج الحدود. ولعل ما يجري في المنطقة اليوم يمنح هذه
الفكرة معنى أكبر مما كان لها عند إطلاق المشروع، فالحروب عادة ما تغلق الطرق
لكنها تفتح التفكير في طرق أخرى.
وما يحدث اليوم في الخليج ومضيق
هرمز والبحر الأحمر كشف مرة أخرى مقدار ما يمكن أن تفعله أزمة في ممر بحري بحركة
التجارة والطاقة والأسواق وكيف يمكن لصراع يقع في مساحة محدودة أن تمتد كلفته إلى
العالم.
وقد يكون في هذه الأزمة شيء من
الفرصة للعراق فالعالم الذي يبحث اليوم عن طرق أكثر أمناً وتنوعاً لحركة تجارته
سيعيد حساباته في الممرات التي يعتمد عليها والشركات التي دفعت كلفة التأخير
والتأمين وتعطل الشحن ستبحث هي الأخرى عن خيارات تقلل مخاطرها. وهنا يأتي
"طريق التنمية" في توقيت مختلف، فالحاجة إلى تنويع طرق التجارة أصبحت
أكثر وضوحاً مما كانت عليه قبل سنوات.
وقد تكون المفارقة أن الصراع الذي
يحيط بالعراق يمكن أن يعزز قيمة مشروع يقوم في جوهره على الاستقرار.
وهذه فرصة ينبغي التقاطها مبكراً،
عبر تسريع المشروع وبناء شراكاته وتقديمه للعالم ضمن شبكة من الطرق المتعددة التي
تمنح التجارة خيارات إضافية عندما تضطرب الممرات التقليدية.
كما تمنح الأزمة الحالية العراق
درساً يخصه مباشرة، فقد كشفت اضطرابات المنطقة مقدار حساسية الاقتصاد العراقي
عندما تضطرب منافذه، ومن هنا يصبح تنويع طرق التجارة والنقل جزءاً من مفهوم أوسع
للأمن الاقتصادي العراقي.
ان ارتباط دول الجوار والإقليمية
والشركات والأسواق الدولية بمشروع اقتصادي كبير داخل العراق يضيف نوعاً مختلفاً من
العلاقات، فمع مرور الوقت تتكون مصالح تحتاج إلى عراق آمن وطرق مفتوحة ومؤسسات
تعمل وحدود مستقرة، وعلاقات إقليمية تسمح باستمرار حركة التجارة.
وكلما كبرت هذه المصالح، كبر معها
عدد الذين تعنيهم سلامة العراق واستقراره. وهنا يمكن أن تتحول بعض علاقات العراق
الإقليمية من إدارة الأزمات إلى إدارة المصالح. وهذه مسألة تستحق التفكير طويلاً،
فالمنطقة التي استهلكت عقوداً في صناعة مساحات للصراع تحتاج اليوم إلى صناعة
مساحات للمصلحة. والعراق يستطيع من خلال مشروع بهذا الحجم أن يكون أحد ميادين هذه
المصالح، خاصة إذا استطاع أن يجمع حوله دولاً وشركات وأسواقاً ترى في نجاحه منفعة
لها، لهذا يحتاج طريق التنمية منذ الآن إلى رؤية تتجاوز سنوات التنفيذ.
كيف سيكون شكل المدن القريبة منه؟
ما الصناعات التي ستنشأ على
امتداده؟
ما حصة الشركات العراقية؟
كم فرصة عمل سيخلقها؟
كيف ستستفيد المحافظات؟
ما الذي سيضيفه إلى الموازنة
العامة؟
وأي موقع سيمنحه للعراق في اقتصاد
المنطقة بعد عشرين عاماً؟
هذه الأسئلة أهم من عدد
الكيلومترات التي ستنجز كل سنة، لأنها تتعلق بالعراق الذي نريد أن ينتج عن المشروع. كما أن مشروعاً بهذا الحجم يحتاج إلى استقرار في القرار نفسه. الحكومات تتغير والأولويات السياسية تتبدل، بينما المشروعات الكبرى
تحتاج إلى عقود حتى تظهر آثارها الكاملة. ومن هنا تبدأ مسؤولية الدولة في تحويل طريق التنمية إلى مشروع وطني
طويل الأمد، تحميه المؤسسات والتشريعات والحوكمة ويعرف القطاع الخاص موقعه فيه
ويشعر المجتمع بأنه شريك في منافعه.
لدينا اليوم فرصة يمكن أن تجمع
ثلاثة احتياجات عراقية في مشروع واحد: اقتصاد أكثر تنوعاً، وفرص أوسع للمجتمع، ومصالح
إقليمية ودولية ترتبط باستقرار العراق. وإذا استطعنا جمع هذه العناصر حول طريق التنمية، سنكون أمام شيء أكبر
بكثير من مشروع للنقل. سنكون أمام استثمار طويل الأمد في استقرار
العراق نفسه، فالدول الأكثر أمناً ليست دائماً تلك التي تحيط نفسها بأكبر عدد من
الأسوار، وإنما تلك التي تبني حول استقرارها أكبر عدد من المصالح.
قد لا يكون العراق قادراً على
إيقاف اضطراب المنطقة، لكنه قادر على أن يعرف ماذا يفعل بالفرصة التي يولدها هذا
الاضطراب. وهنا يبدأ المعنى الحقيقي لـ "طريق التنمية".
.jpg&w=3840&q=75)


