بعد أكثر من عقد من الحرب، والتشظي، والمعاناة، تدخل سوريا اليوم مفترق طرق مصيري مع بوادر التحولات الإقليمية والدولية التي تنذر بإعادة رسم المشهد السياسي. وبعد سقوط نظام البعث فُتح أمام السوريين فرصة نادرة لإعادة بناء وطنهم من جديد، لكن هذه الفرصة محفوفة بالتحديات، أبرزها محاولات إقصاء مكونات أساسية من أي تسوية سياسية، وعلى رأسها المكون الكوردي. وهذا الإقصاء، إن حصل، لن يكون مجرد ظلم لفئة، بل تهديد لجوهر المشروع الوطني السوري.
الكورد ليسوا طارئين على الجغرافية السورية، بل هم جزء من نسيجها التاريخي والثقافي والسياسي. في المراحل المفصلية، أثبت الكورد حضورهم الفاعل، سواء في مقاومة الاستبداد، أو في مواجهة تنظيم داعش الإرهابي، أو في بناء مؤسسات مدنية في مناطق شمال وشرق سوريا. هذا الدور لا يمكن إنكاره أو التقليل من شأنه، ومن غير الممكن تصور أي "سوريا جديدة" من دون وجود الكورد كشركاء حقيقيين في تقرير مصير البلاد.
رغم كل التضحيات التي قدمها الكورد، تبرز اليوم أصوات تسعى لبث الفتنة وتأجيج خطاب الكراهية القومي والمذهبي، بهدف تجريم المكون الكوردي، وتحميله مسؤوليات مفتعلة، وتشويه تطلعاته القومية والحقوقية. هذا الخطاب لا يخدم سوى أعداء وحدة سوريا، لأنه يستند إلى منطق الاستئصال نفسه الذي استخدمه النظام لعقود. من يتبنى هذا النهج، سواء بدافع قومي أو سياسي أو ديني، إنما يكرر مأساة الماضي ويغلق الباب أمام أي مصالحة وطنية حقيقية.
تجربة العقد الماضي كشفت أن الدولة التي لا تعترف بتعدد مكوناتها، وتصر على صبغ نفسها بهوية واحدة مهيمنة، مصيرها التفكك. سوريا المستقبل لن تُبنى على الإنكار بل على الاعتراف: الاعتراف بالكُورد كقومية لها لغتها وثقافتها وحقوقها، والاعتراف بالعرب كأغلبية لها همومها، وبالسريان الآشوريين والتركمان وسائر المكونات كمواطنين متساويين. الدستور الجديد للبلاد لا بد أن يكون شاملاً، دستوراً توافقياً مبني على قاعدة المواطنة والحقوق الجماعية والعدالة التاريخية.
لطالما روجت بعض الجهات خاصة تلك القريبة من بعض القوى الإقليمية؛ لفكرة أن الكورد يسعون للانفصال أو لتقسيم سوريا، وهذا تبسيط مخل للواقع معظم القوى السياسية الكوردية في سوريا، بما فيها تلك التي تسيطر على الأرض، أعلنت مراراً وتكراراً أن مشروعها سياسي ديمقراطي ضمن إطار الدولة السورية الموحدة، على قاعدة اللامركزية السياسية أو الإدارة الذاتية. هذه المطالب لا تختلف كثيراً عما تطرحه مكونات أخرى، وهي مطروحة للنقاش السياسي لا للمواجهة العسكرية أو الدخول في صراعات جانبية.
المهمة اليوم لا تقع على عاتق الكورد وحدهم، بل على السوريين كافة: عرباً وكورداً؛ سريان آشوريين؛ تركمان وأرمنيين وجميع المكونات الأخرى. بناء سوريا جديدة يحتاج إلى شجاعة أخلاقية قبل أن يكون مجرد مشروع سياسي. يحتاج إلى كسر الصمت عن الجرائم، وإلى مساءلة الجلادين، وإلى خطاب جامع لا يقصي ولا يهمش. المصالحة لا تعني التنازل عن الحقوق، بل تعني الاعتراف بها واحتضانها ضمن مشروع وطني مشترك، لا مستقبل لسوريا دون مشروع ديمقراطي تعددي. وهذا المشروع لن ينجح ما لم يجلس السوريون، بكل مكوناتهم، على طاولة واحدة، لبناء دستور جديد يُنهي الاستبداد، ويؤسس لدولة القانون، ويضمن التمثيل العادل، ويُقرّ بالتنوع الثقافي واللغوي والديني، لا باعتباره تهديداً، بل ثروة وطنية.
إن محاولة إقصاء الكورد عن التسوية السياسية ليس فقط خياراً خاطئاً، بل وصفة للفشل. سوريا الجديدة لا يمكن أن تقوم على الإقصاء أو التهميش أو التبعية، بل على الشراكة والتعددية والعدالة. ولعلّ اللحظة الراهنة، بكل ما فيها من مخاطر وأطماع وتدخلات، تضعنا أمام خيار واحد: إما أن نعيد بناء سوريا لجميع أبنائها، أو نعيد إنتاج المأساة بأقنعة جديدة.
