في الأخير، تمكن التجمع الوطني الذي يتزعمه جوردان بارديلا البالغ من العمر 28 عاماً، والذي تلقى تعليمه في مدرسة مارين لوبان منذ أن كان في السابعة عشرة من العمر، من الحصول على أصوات عشرة ملايين ونصف مليون فرنسي. بعد هذا، سيكون كل شيء في حقل السياسة الفرنسية معقداً، فعلى مدار تاريخ الجمهورية الخامسة التي تأسست سنة 1958، هذه هي المرة الأولى التي يفوز فيها اليمين المتطرف بنسبة 33.1% من الأصوات ويتبوأ الصدارة في الانتخابات البرلمانية ويبدأ زعيم الحزب، التجمع الوطني، استعداداته لتولي رئاسة الحكومة ولم يعد يرى أن فرضية الوصول إلى قصر ماتينيو، قصر رئاسة الوزراء، أمر مستحيل.
قبل عامين، في العام 2022، عندما جرت الانتخابات البرلمانية، فاز التجمع الوطني بنسبة 18.7% في الجولة الأولى، لكن بعد عامين فقط رفع في الجولة الأولى خذخ النسبة لتبلغ 33.1%، وهذه حقيقة تعرف في علم اجتماع الانتخابات باسم: الموجة القوية. عندما تأتي الموجة القوية، فإنها تجرف كل شيء في طريقها، والحقل السياسي في فرنسا يتعرض لهذه الموجة حالياً، فبعد أن فاز حزب التجمع الوطني بـ 88 مقعداً فقط في 2022، يطمح الآن للفوز بـ289 مقعداً ليوصل جوردان بارديلا إلى قصر ماتينيو.
يوم الأحد المقبل، الذي يوافق السابع من الشهر الجاري، سيشهد الجولة الثانية من الانتخابات، وسيكون يوم الامتحان الكبير، واللحظة التي ستحسم فيها أمور كثيرة، لأن كل الأرقام والمؤشرات تدل على أن التجمع الوطني سيفوز بأغلبية الأصوات. لكن السؤال هو:
أي أغلبية؟ هل هي أغلبية مطلقة تعادل 289 مقعداً أم أغلبية نسبية هي أدنى من هذا العدد؟ هذا السؤال غاية في الأهمية، لأن جوردان بارديلا أعلن رسمياً أنه لن يسلك الطريق إلى قصر ماتينيو بدون الأغلبية المطلقة، وأنه لا يريد أن يصبح رئيس وزراء يسوقه الآخرون. لهذا بدأ منذ مساء أمس يدعو الفرنسيين إلى منحه ثقتهم والأغلبية المطلقة وهو يقول: "هذا هو الخيار الوحيد لإنهاء قصة الماكرونية".
لكن هل هذا يسير؟
بالتأكيد لا. فالمشاكل التي يواجهها التجمع الوطني كثيرة جداً. منها النسبة العالية للمشاركة في التصويت التي ستصب في الأخير في مصلحة الجبهة الشعبية اليسارية. صوت 66.7% من الفرنسيين في الجولة الأولى، ومن المتوقع أن ترتفع النسبة في الجولة الثانية. لن تكون الجولة الثانية سهلة على التجمع الوطني، فقد فاز فاز ثلاثة مرشحين بنسبة 12.5% في 305 دوائر انتخابية وسيشاركون في الجولة الثانية. أما ما يزيد من تعقيد اللعبة على التجمع الوطني فهو اتفاق الماكرونيين واليسار على المبادئ الآتية:
في أي دائرة انتخابية يكون بها يساري أو ماكروني في المركز الأول أو الثاني أمام مرشح التجمع الوطني، ينسحب المرشح صاحب المركز الثالث، سواء كان ماكرونياً أو يسارياً وتذهب أصواته للمرشح الأول أو الثاني المنافس لمرشح التجمع الوطني. هذا يعني أن مرشحي التجمع الوطني سيواجهون يوم الأحد المقبل، في 305 دوائر انتخابية، ائتلافاً جديداً بين اليسار والماكرونيين، وهو يسبب لهم مشكلة كبيرة، ويجعل من الصعب للغاية على وكالات استطلاع الرأي أن تخبرنا بدقة بخريطة التصويت يوم الأحد المقبل.
لكن الاتفاق بين الماكرونيين واليسار ليس بهذه السهولة، لأن قسماً مهماً من الماكرونيين لا يصوت لأي يساري كان ويميزون بين يساري عادي ويساري أصولي! من ناحية أخرى، كانت حرب إعلامية شرسة بين اليسار والماكرونيين في الأسابيع الثلاثة الماضية، وقد فعل كل منهما كل ما في وسعه ضد الآخر، وبينما يتحتم عليهم الآن الاتحاد في مواجهة اليمين المتطرف، فإن الجراح التي لا تزال تنزف لن تلتئم بسرعة. من الأمثلة على ذلك، وصف مرشح يساري وبلغة شديدة، الرئيس ماكرون بالمجنون، لكن المرشح نفسه بات الآن محتاجاً إلى أصوات الماكرونيين ليفوز على مرشح التجمع الوطني!
عهد جديد لليسار في فرنسا
من الحقائق التي حيّرت الخبراء في الوضع الفرنسي التجمع السريع للحركات اليسارية الأربع حول طاولة ثم تشكيل كتلة خلال 24 ساعة تسمى الجبهة الشعبية. هذه الحقيقة كانت صادمة للجميع، بما فيهم الرئيس ماكرون. كيف يمكن لهذه الحركات الأربع المتخاصمة المتنافسة أن تشكل بهذه السرعة كتلة ثم تفرض نفسها وتحتل المركز الثاني، وتفوز بـ28% من الأصوات، مقارنة بـ25.7% فقط قبل عامين؟ وأكثر من ذلك، فوز الأمين العام للحزب الاشتراكي في الجولة الأولى، ولم يعد بحاجة لخوض الجولة الثانية.
لكن السؤال الرئيس هو: هل أن هذه كانت الكتلة ستبقى موحدة بعد انتخابات الأحد، أم أن أقساماً من اليسار ستنسلخ عنها وتشكل تحالفاً جديداً مع حزب الرئيس ماكرون لتشكيل الحكومة؟ لكن إذا شكل التجمع الوطني الحكومة، فهل ستبقى كتلة اليسار، كقوة مقاومة موحدة، تتبنى نفس الأساليب والآليات، أم أنها ستنقسم أيضاً إلى يسار عقلاني ويسار الدولة ويسار أصولي؟ ألن يفرقهم الموقف من حماس وإسرائيل مرة أخرى؟ هذه هي التساؤلات التي لا يستطيع أحد أن يجيب عليها الآن.
الخاتمة
ثلاث كتل وثلاثة برامج وثلاث رؤى مختلفة: كتلة اليمين الأصولي بزعامة مارين لوبان (33.1%)، وكتلة اليسار بلا زعيم (28%)، وبين الاثنين كتلة ماكرونيي الرئيس ماكرون (20%). هذه هي الخريطة السياسية لفرنسا حتى الآن وإلى هنا. القوة التي قادت الجمهورية الخامسة لسنوات عديدة، اليمين المعتدل، الذي يسمى أيضاً الجمهوريين، انهارت وباتت جرافة اليمين المتطرف تدهسها.
أما أنا فأرى أنه سيكون من الصعب جداً أن تفوز واحدة من هذه الكتل الثلاث بالأغلبية المطلقة البالغة 289 مقعداً في يوم الأحد المقبل، وتشكل حكومة وترسل رئيس وزراء إلى قصر ماتينيو. كما أن من الصعب جداً على كتلتي اليسار والماكرونيين، تشكيل حكومة وحدة وطنية بعد الانتخابات لأنهما مختلفان على كل شيء، ولا شيء يجمعهما غير رفض التجمع الوطني.
في ظل هكذا ظروف، ومع عدم قدرة الرئيس ماكرون على الدعوة لإجراء انتخابات مبكرة قبل السنة المقبلة، فإن الخيار الوحيد هو تشكيل حكومة تكنوقراط لإدارة فرنسا. ما يعني سنة انتظار، وسنة لإعادة تشكيل الكتل والقواعد الشعبية وبناء قناعات وبرامج وتحالفات جديدة. قد يكون هذا مفيداً لإعادة تنظيم القوى السياسية الفرنسية، لكنه لا يبشر بالخير بالنسبة لاستقرار فرنسا والاتحاد الأوروبي، وخاصة في وقت تدور حرب كبرى على الأراضي الأوروبية بين روسيا وأوكرانيا، وتوقعات قوية في أمريكا بعودة ترمب المعادي لأوروبا، ومخاوف من انفجار واسع النطاق للأوضاع في الشرق الأوسط.
إن فرنسا مستقرة وقوية وموحدة ستساهم بقوة في بناء أوروبا مستقرة وقوية وموحدة! وأي تدهور في الوضع في فرنسا سيكون له بالتأكيد تأثير مباشر على الوضع في الاتحاد الأوروبي كله، لذا من المتوقع أن لا يكون العام المقبل عاماً سهلا على الاتحاد الأوروبي بل عاماً متخماً بالقلق والتردد وانتظار انتخابات جديدة في فرنسا!



