كانت مئوية مدينة قامشلو صورةً
مكثفة من صور انزياح الحضارات، وصراع القوة مع الضعف، وما خلّفته التحولات
السياسية والحدود المصطنعة من تبدلات عميقة في حياة الشعوب ومصائرها عبر التاريخ.
بعد ترسيم الحدود السورية - التركية،
وقعت نصيبين، المدينة التاريخية القديمة التي لا تبعد عن قامشلو سوى نحو
كيلومترين، ضمن الجانب التركي من الحدود، فانقطعت صلتها الطبيعية بمحيطها الجنوبي.
وفي تلك المرحلة بدأت ملامح قامشلو الحديثة بالتشكل، فاستُجلب، إلى جانب السكان
الأصليين من العشائر الكوردية المختلفة، موزاييك بشري متنوع من يهود ماردين
وكوردستان، ومن الذين هربوا من مجازر السيفو، إضافة إلى السريان والآشوريين الذين
فضّل كثير منهم البقاء في المنطقة تحت حماية الفرنسيين وضمانتهم.
وكان لليهود حضور بارز في الحياة
التجارية، حتى إن لهم حارة عُرفت باسمهم، كما كانت هناك حارة للآشوريين، بينما
عُرفت المنطقة الوسطى بحضور السريان والأرمن. أما قدوربك والحارة الغربية
والعنترية والهلالية، فقد سكنتها العشائر الكوردية الأصيلة، وكان من بينها الأوائل
الذين أسهموا في بناء المدينة وتثبيت دعائمها. وفي جنوب المدينة استقرت العشائر
العربية. وهكذا تشكلت قامشلو منذ بداياتها الأولى من نسيج متنوع، جمع الكورد
والعرب والسريان والآشوريين والأرمن واليهود، وعاش أبناؤها، في تلك المرحلة، بكل
وئام وتعاون، في مدينة كانت تتشكل أمام أعينهم من هذا المزيج الفريد.
وقد أسهم موقع المدينة، بعد ترسيم
الحدود، في منحها أهمية متزايدة، ولا سيما مع وجود نصيبين التاريخية على الجانب
الآخر من الحدود. ومع ذهاب الفرنسيين وظهور الدولة السورية بصيغتها الأولى، استمرت
قامشلو في التّوسُّع والتطوُّر، مستفيدةً من أراضيها الخصبة المحيطة بها، ومن
تجارة الحدود، ومن ظهور أيدٍ عاملة فنية وحرفية استقطبت محيطًا واسعًا من القرى
والبلدات التاريخية القديمة.
ثم جاء ظهور البترول ليكون العصب
الجديد للحياة الاقتصادية في المنطقة، فازدادت أهمية المدينة، واتّسع عمرانُها
ونشاطها، وأصبحت بحق عروس الجزيرة.
وحتى ستينيات القرن الماضي، يمكن
النظر إلى تلك المرحلة بوصفها حقبة ذهبية في تاريخ قامشلو، من حيث الاهتمام
السياسي والتطوُّر الاجتماعي والثقافي والعلمي. فقد ظهر من أبنائها قادة في الجيش،
ومنهم عبد الباقي نظام الدين، كما ظهر برلمانيون كورد أوائل، وكان لهم نظراء من
مختلف المكوّنات والفئات الأخرى. وشهدت المدينة في الوقت نفسه حراكاً ثقافياً
وعلمياً وسياسياً متنامياً، وظهور الأحزاب الكوردية التي حملت قضية الشعب الكوردي
ودافعت عنها في جانبها القومي.
لكن المرحلة التالية، ولاسيما بعد
الوحدة مع مصر، شهدت تحولاً جذرياً في بنية الدولة والمجتمع، مع سيادة نهج قومي
وعنصري أخذ يعمل على تفكيك المجتمع السوري، ومنه مجتمع قامشلو بكل مكوناته: عربه
وكورده ويهوده ومسيحييه من الأرمن والآشوريين والسريان.
وبألف طريقة وطريقة، كان معظمها
قائماً على القمع والتنكيل والإقصاء، بدأت مرحلة حزب البعث، وهي مرحلة قاتمة
ومرعبة في تاريخ البلاد والمنطقة. في البداية جرى ترحيل اليهود جميعاً، بدواعي
وسياسات معروفة، ثم اتّجهت السلطة إلى قمع الكورد والتضييق على حياتهم ووجودهم من
خلال مشاريع وسياسات عنصرية، كان من أبرزها مشروع الحزام العربي، والإحصاء الجائر،
وسلسلة من القوانين والإجراءات السياسية التي حاربت الوجود الكوردي في جوهره،
وحاولت اقتلاع الإنسان من أرضه وهويته.
وفي الوقت ذاته، أوقع النظام
الإخوة المسيحيين في أحابيله، من خلال استقطاب بعضهم إلى حزب البعث والأجهزة
الأمنية، وتعزيز الضغائن الكيدية ضد إخوتهم وجيرانهم الكورد، وتصويرهم على أنهم
كانوا مشاركين في جرائم السيفو، وما يسمى بـ"الفرمان" الذي ارتكبته
الدولة العثمانية بحق الأرمن والمسيحيين عامة، سنة 1915. وكان لبعض الكنائس
المحلية، للأسف، تأثير ودور سلبي في تعزيز هذا المزاج المعادي للكورد، رغم أن
السلطات نفسها دفعت المسيحيين، بكل وسيلة وطريقة، إلى الهجرة والرحيل، وأفرغت
البلاد تدريجيًا من جزء مهم من مكوناتها التاريخية.
ولعل من المفيد، في مواجهة هذه
الرواية التي زرعت العداء بين الشعوب، أن نستذكر نماذج أخرى من التاريخ تؤكد
إمكانية التعاون والتضامن بين الكورد والمسيحيين. فقد ضمّت منظمة خويبون الكوردية
التحررية، في اجتماعها الثاني في صوفر بلبنان، إخوة من الأرمن، ولاسيما من
الطاشناق. وبعد ذلك عمل الكورد والأرمن، من دون تمييز، معاً في الحزب الشيوعي
السوري، والجميع يعرف القائد الشيوعي الأرمني أراكيل، الذي كان شخصية محبوبة بين
الكورد في تلك المرحلة.
واستمر هذا التعاون الحثيث
والأخوي في مراحل لاحقة، من خلال العلاقات بين المنظمة الآشورية والمجلس الملي
السرياني وسائر الأحزاب الكوردية القديمة، وصولًا إلى الفترة القريبة في ظل
الإدارة الذاتية. وقد كان لهذه الإدارة، في هذا السياق، دور في تعزيز اللغة
السريانية ودعم المكون المسيحي بصورة عامة، والتأكيد على حضور مكونات المنطقة
وحقوقها الثقافية والاجتماعية.
ومع ذلك، يبقى الخلاف السياسي
والفكري قائماً، إذ إن بعض التنظيمات المسيحية، حتى اليوم، لا تعترف بوجود
كوردستان، ولا تقرُّ بأن هذه المنطقة جزء تاريخي من كوردستان الكبرى من حيث
المبدأ. وهذا الخلاف، مهما كان عميقاً، لا ينبغي أن يتحول إلى قطيعة بين شعوب عاشت
قرناً كاملاً في هذه المدينة، وتقاسمت شوارعها وأحياءها وأفراحها وأحزانها، ولا
سيما أن التاريخ نفسه يقدم نماذج كثيرة للتعاون الكوردي–المسيحي في مواجهة
الاستبداد والقمع.
والآن، بعد مئة عام على بناء
مدينتنا الجميلة قامشلو، ما الذي بقي من تلك المدينة التي كانت مدينة الحب والسلام
والتعايش المشترك؟.
لقد ضمت قامشلو، في حاراتها
وشوارعها، تنوعاً إثنياً وقومياً واجتماعياً قلّ أن احتوته مدينة أخرى في سوريا.
لكنها اليوم تشهد تحولات عميقة؛ فهناك فئات زالت من الوجود تقريباً، كما حدث مع
اليهود، وفئات أخرى أخذت في الانحسار والضعف، وما يزال هذا المسار مستمراً، وهو من
أقسى التحولات التي أصابت المدينة، بفعل التخلف والقهر الديني والثقافي والمجتمعي،
وبفعل سياسات الإقصاء والهجرة والنزوح المتواصل.
أما الفئة الأكبر، شعبياً وعددياً،
أي الكورد، فقد تناقص حضورها نتيجة سنوات طويلة من القهر والظلم المتوالي تحت نير
أنظمة عنصرية شوفينية معادية للشعوب وللإنسانية جمعاء. وقد دفع ذلك جيلاً كاملاً
إلى الهجرة واللجوء، بحثاً عن حيوات أكثر إنسانية وأماناً وكرامة، وترك الآباء
والأبناء أراضي آبائهم وأجدادهم للظروف والمجهول.
وهكذا نجد أنفسنا أمام صيرورة
جديدة، أساسها انزياح حضارة عريقة لشعب يعيش على أرضه التاريخية، لصالح واقع فُرض
بالقوة، وبالسياسات العنصرية والقمعية، وبالصفقات والألاعيب الدولية الغادرة التي
دعمت كيانات ودولاً وقوى إقليمية، مثل تركيا وإيران والعراق والأنظمة العربية، على
حساب حقوق الشعوب وتاريخها وإرادتها.
لقد كانت قامشلو، في بدايتها،
نموذجاً مصغراً لسوريا والجزيرة في تنوعهما؛ مدينةً جمعت اليهود والكورد والعرب
والسريان والآشوريين والأرمن، وجعلت من الاختلاف مصدراً للحياة والعمل والتجارة
والثقافة. واليوم، بعد قرن، تبدو أمامنا مسؤولية تاريخية أكبر من مجرد الاحتفال
بمئوية مدينة؛ إنها مسؤولية الحفاظ على ذاكرتها وتنوعها ووجود أهلها، وعلى المدن
والقرى التي تشكل امتداداً لتاريخ هذه المنطقة.
إننا أمام استحقاق خطير: إما أن
نحافظ على مدينتنا، قامشلو، وعلى كل مدننا وبلداتنا في كوردستان الغربية، بكل ما
فيها من تنوع وذاكرة وهوية، وتحت كل الظروف؛ وإما أن نسمح لانزياح التاريخ
والجغرافية أن يكتمل، فنخرج من التاريخ والجغرافية معاً.
فقامشلو ليست مجرد مدينة بُنيت
قبل مائة عام؛ إنها ذاكرة قرن كامل، وشاهد على قدرة الشعوب المختلفة على العيش معاً،
وعلى ما يمكن أن تفعله الحدود والسياسات العنصرية والحروب والهجرة في مصائر المدن.
والحفاظ عليها اليوم لا يعني إقصاء أحد من أبنائها، بل يعني، قبل كل شيء، الحفاظ
على حق جميع مكوناتها في الوجود والكرامة واللغة والثقافة، وصون الذاكرة المشتركة
التي صنعت من قامشلو، يوماً، مدينة الحب والسلام والتعايش المشترك.



