منذ أكثر من أسبوع طفا على السطح مجدداً الحديث عن إخراج أميركا من العراق، وتجري مناقشة الموضوع خلف كواليس الدبلوماسية وأمام القنوات الإعلامية، من واشنطن إلى باريس، ومن بيروت إلى بغداد. أما الأمر الذي زاد من أهمية هذه الحكاية أكثر من ذي قبل، هو حضور رئيس مجلس الوزراء العراقي بنفسه وظهوره عدة مرات وتحدثه صراحة عن إخراج أمريكا من العراق. لكننا لو سألنا أنفسنا بأسلوب موضوعي يجانب العواطف: هل حقاً العراق كدولة يتمتع بظروف ومقومات موضوعية تؤهله لكي يلوح بأصبعه ويهدد ويقول لكبرى القوى العظمى أخرجي؟
حالة دولة هشة خارجة من حرب
بحسب التعريف السوسيولوجي للعلوم السياسية، فإن الدولة الهشة Fragile state هي الدولة التي تمتلك قدرة غاية في الضعف في إدارة مواطنيها إدارة صحية على المستوى العام، ويكون فيه عدم الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة في حالة انتقالية من حيث ظروفه البنيوية والموضوعية. في مساحة كهذه، يكون لعدم الثقة بعد ثنائي القطب. فلا المواطنون يثقون بالدولة، ولا الدولة تثق بالمواطنين. أي أننا حتى لو لم نضعهما في موضع من ينظر إلى الآخر نظرته لعدو، فإنهما في أحسن الأحوال ينظران إلى بعضهما البعض كخصوم. فبدلاً عن حل الخلافات من خلال اتفاقيات بين المجاميع الاجتماعية والسياسية لتحقيق العقد الاجتماعي والسياسي، سيتسبب هذا في دفع الدولة ومؤسساتها إلى استغلال الصراعات لإدارة علاقات القوة.
هذا بالتحديد هو الإطار الذي لا تقبع داخله حكومة الإطار لوحدها، بل كل الدولة العراقية، لأنه ومن الأساس وخاصة بعد احتلال العراق في 2003، لم تعد إدارة الجماهير حكراً على الدولة، بل تتقاسمها مع العديد من الجماعات الميليشياوية والقبلية والسياسية والدينية، وحصة الدولة منها تؤدة بصورة غاية في الضعف.
هذا واحد من كبريات العوامل التي تجعل نحو 89% من المواطنين، حسب دراسة أجراها المركز الفرنسي للبحوث حول العراق، لا يثقون بأي شكل بالدولة ومؤسساتها، وفي حال توفر أي فرصة للانخراط في حرة ساخطة فإنهم سينتهزونها بسرعة. من جانب آخر، ومنذ 2003 إلى الآن، لم تحل الدولة ومؤسساتها ونخبها أبداً مشاكل الشرائح المجتمعية والسياسية، بل عمقتها أكثر.
وخير مثال هو المادة 140 من الدستور العراقي الخاصة بالمناطق المتنازع عليها بين أربيل وبغداد، وكذلك قانون اجتثاث البعث الذي استخدم فيما بعد من قبل بعض فاعلي السلطة لغرض اجتثاث السنة.
مخرجات العراق كدولة هشة
في ظل هكذ ظروف ليست الدولة العراقية على المستوى الموضوعي المجرد قادرة على تحمل أي صدمة داخلية أو خارجية، وستنهار كبيت من ورق. على سبيل المثال، بعد انتخابات 2021 النيابية، وفوز مقتدى الصدر ورغبته في تشكيل حكومة أغلبية وطنية، هذه الصدمة الداخلية تسببت في اقتتال الإخوة داخل المنطقة الخضراء التي يفترض أنها المنطقة الأكثر أماناً في العراق وسقط فيه قتلى وجرحى، ولولا أن مقتدى الصدر انسحب لتحول العراق إلى بركة دماء. كذلك في العام 2014 عندما هاجم بعض مئات من جهاديي داعش الموصل، انهارت الدولة العراقية بالمجمل أمام هذه الصدمة الخارجية وفر الجيش الذي أنفقت عليه مليارات الدولارات وترك أسلحته المتطورة جداً للجهاديين ليضطر العراق في الأخير إلى دعوة أمريكا للعراق وإنقاذ بغداد من سقوط مأساوي.
وبعيداً عن الصدمات السياسية والعسكرية، فإن دولة العراق الهشة هذه تفتقر إلى كل البنى التحتية القوية والفعالة والتاريخية لمواجهة الصدمات الأخرى من قبيل تغير المناخ أو الديموغرافيا. فكل المتاح هو خطاب أجوف يفتقر إلى برنامج ستراتيجي. كل المتخصصين متفقون على أنه إن لم يتدارك العراق نفسه، فإنه في السنوات العشرين القادمات سيواجه كوارث كبرى. بل أن متخصصاً فرنسياً يعمل في مجال تغير المناخ والديموغرافيا في العراق أخبرني بأن العراق إن استمر على هذا النحو، فلن يكون هناك وجود لشيء اسمه العراق في المستقبل.
إحدى النقاط التي يتباهى بها العراق باستمرار هي بعدها الاقتصادي من منطلق ظنها أن العالم مرغم على التعامل معه، لأن عند العراق موارد طبيعية ضخمة ولأنه بلد ثري، لكن هذه في الحقيقة ليست سوى وهم نخبة لامسؤولة في هذا البلد. فمصدر العائدات الوحيد للعراق هو النفط وأسعار النفط لا يتحكم بها العراق بأي شكل، فعندما ترتفع هذه الأسعار تتلقى الدولة المبالغ وتوزعها ويتحقق السلم الاجتماعي، لكن عندما تنهار الأسعار سيتوقف كل شيء وتنتهي الأسطورة وتتفجر الأزمات. قد تمتلك دولة هشة كالعراق في ظل ظروف خاصة المال، لكنها لن تمتلك أبداً نظاماً اقتصادياً راسخ الأركان.
البديل عن خطاب إخراج أميركا من العراق
هذا هو الإطار العام الذي يحيط العراق سواء كدولة أو محكومة، وفي ظل هكذا ظروف هل يمكن حقاً أن يحقق خطاب إخراج أمريكا من العراق هدفاً صحياً وستراتيجياً؟ هل يمكن حقاً أن يكون هذا الخطاب مسؤولاً؟ بالتأكيد لا.
ما يحتاج إليه العراق الآن ومستقبلاً هو استعادة مؤسسات الدولة شرعيتها، واستعادة ثقة المواطنين التي فقدت، وتأمين نظام خدماتي في عموم العراق، وإعادة الكرامة للعراقيين، والعودة إلى حقوق الإنسان، والعودة إلى هيبة القانون، وتحرير الدولة من نفوذ الميليشيات التي تتخذ من الدولة رهينة، وإعادة بناء جسور العلاقات بين السنة والكورد والشيعة.
ما يحتاجه العراق الآن وهنا، هو وضع حد للفساد الذي عمّ، وتقليص الإجحاف الاجتماعي الذي قضى على الطبقة المتوسطة، والتنمية الاقتصادية التي ليست الآن سوى كلام في حضور الكاميرات وفي المؤتمرات. ما يحتاجه العراق الآن وهنا، هو مشاريع ستراتيجية واسعة لحل الكارثة الديموغرافية، وقطع الطريق على التحول من مجتمع إلى قبيلة، والعثور على حلول لآلاف مؤلفة من العراقيين النازحين داخل وطنهم.
ما يحتاجه العراق الآن وهنا هو قطع الطريق أمام عودة إرهاب داعش الذي يتفق العالم كله على أنه واحد من أكبر الأخطار، وقطع الطريق على تحول العراق إلى مرتع لمافيات المواد المخدرة العالمية الذي فتحت الأبواب في وجههم حالياً للأسف، وحل مشاكل الحدود مع الكويت وإيران وتركيا والسعودية وهي المشاكل التي باتت مصدراً للعديد من الأزمات التي حلت بعموم العراق.
الآن وهنا، يحتاج العراق إلى مشاريع ستراتيجية لكل هذه المواضيع، وليس إلى حكاية إخراج أميركا من العراق والتي يمكن أن تصبح السبب الذي سيؤدي إلى الإنهيار التام للعراق نفسه.



