دوروثيا كايست اسم مهم علينا أن نعرفه.
ما أهمية السيدة كايست لنا؟
دعك من كون دوروثيا صديقة لي ويجمعنا الاحترام والمحبة، فهذا شأن يخصنا نحن. أنا لا أتحدث عن دوروثيا من منطلق الصداقة والمحبة. فبإمكان كل إنسان أن يكون رؤوفاً رحيماً كدوروثيا، لكن ثم نقطتين مهمتين لنا، نقطتين مهمتين توجبان علينا أن نعرف هذه السيدة:
1- إنجاز أعمال فيديوية عن الكورد وكوردستان.
2- العمل في مجال محو أمية النساء الكورديات.
كثير منا لا يعرف هذه السيدة ولا علم له بأعمالها من أجل الكورد والنساء الكورديات. قبل كل شيء، ولكي تعمل دوروثيا من أجل الكورد وحول الكورد، عمدت إلى تعلم اللغة الكوردية. تعلمت الكوردية جيدة في مدينة زيوريخ السويسرية وفي المعهد الكوردي بباريس، فأصبحت تتحدث بها بطلافة وتكتب بها، وتؤلف بها كتب التدريب والتعليم.
بعد الانتفاضة مباشرة كانت الأوضاع في كوردستان شديدة التعقيد. كان لوطن محاصراً من جهات كثيرة. في تلك الأثناء، في أواخر العام 1991، جاءت دوروثيا وسيدة مساعدة لها (كريستينا كارار) إلى كوردستان وأنتجتا فيلماً وثائقياً عن المرأة الكوردية. عنوان الوثائقي هو "حياتنا"، ويروي قصص أربع سيدات كورديات سيدة من شمال كوردستان وأخرى من بارزان وأخرى من السليمانية وواحدة من سنندج، رواة الأحداث المهمة واللافتة في هذا الوثائقي كانوا هما والنساء الكورديات.
"حياتنا"، لم يرو فقط طريقة عيش هاته السيدات الأربع، بل كشف النقاب بوضوح شديد عن حياة نساء كوردستان، إلى جانب ذلك جرى التركيز بصورة عامة على أوضاع البلد. بعد أن يشاهد المتلقي الفيلم تتولد لديه صورة واضحة عن أوضاع كوردستان والنساء الكورديات، وخاصة في تلك الفترة. تتضح الصورة للمتلقي، وفي نفس الوقت يشاهد مناظر كوردستان ويطلع على تفاصيل الحياة اليومية والمشاركة الفاعلة للمرأة في كثير من المجالات المهمة والحساسة. "حياتنا"، وثائقي استخدمت فيه عدسة الكاميرا بدقة وحساسية وسجل الكثير من المشاهد والمناظر المهمة للغاية.
تعرفت إلى دوروثيا في صيف 1992 في جمجمال – كوردستان. دوروثيا من مدينة لوتزرين السويسرية وولدت هناك. لوترين واحدة من أجمل مدن العالم طراً، لكن دوروثيا تركت تلك المدينة الخلابة وجاءت إلى كوردستان ما بعد الانتفاضة ومكثت فيها فترة طويلة في ظروف صعبة للغاية حيث انعدام الكهرباء ومياه الشرب والكثير من التحديات والعقبات الأخريات، إلى جانب اختلاق المشاكل لها على الحدود، حيث لم يكن القائمون عليها يريدون لشخص مثل دوروثيا أن يقصد كوردستان. واجهت دوروثيا كل العقبات والصعاب تلك، فقط من أجل بلوغ هدفها، نقل صوت وصورة النساء الكورد من خلال المشاهد والفيلم. كان واحداً من أيام تموز 1992، إذ كنت جالساً في مقر جمعية الفنون الجميلة الكوردية بجمجمال، إذ دخلت علينا السيدتان دوروثيا كايست وكريستينا كارا رفقة عارف عمر. كان الصديق العزيز عارف كول في تلك الأيام يعمل كمترجم لغة إنكليزية مع السيدتين منتجتي الفيلم. كانوا يقصدون قرية (هشةزين) في منطقة جمجمال، وكان عارف كول قد اقترح أن أشاركهم أنا أيضاً في رحلتهم تلك.
لدوروثيا قصة صداقة طويلة مع اللغة الكوردية والثقافة الكوردية والمشكلة الكوردية، قصة تقول عنها إنه كان يجب أن يستقر بي المقام في هذا المكان الملائم وأن أعمل مع الكورد وعن الكورد. في سويسرا أيضاً، ساعدت دوروثيا الكورد على مدار عشرات السنوات. حتى في بلدها، كانت هذه السيدة تقدم الخدمات للثقافة الكوردية وللمرأة الكوردية، ونتاجاتها وأعمالها تبدو وكأنها تنبع من وادي الصمت، تمر بدون أي ضجيج. كانت تعمل في وادي الصمت من أجل المبادئ والقيم الإنسانية المهمة.
في السنوات الأولى من تسعينيات القرن العشرين، ولكي تتمكن دوروثيا من الوصول إلى كوردستان والعمل على إنتاج الفيلم الوثائقي، واجهت أحياناً مشاكل كبيرة، فمنذ سنوات لم يكن ممكناً لأحد أن يسافر إلى كوردستان مباشرة، وكان عليه أن يدخل كوردستان مروراً بالدول المجاورة. لذلك، وفي تلك الأيام كان يكتب اسم دوروثيا في العناوين وبناء على طلبها: دريا كويستاني.
كتاب تعلم القراءة والكتابة باللغة الكوردية (اللهجة الكرمانجية العليا) واحد من الأعمال المهمة لدوروثيا، الكتاب هو وسيلة لتدريب وتعليم النساء الكورديات، وخاصة المهاجرات من شمال كوردستان إلى الدول الأوروبية. دوروثيا لغوية وتربوية، ودرست اللغة والآداب الألمانية والانكليزية، ولهذا تعرف حقاً ما هي اللغة وما هي قوة اللغة. تعرف مدى خطورة سلب اللغة، وتعرف أن اللغة الكوردية محظورة في تركيا وسوريا، ولهذا تقول: دعنا نوفر الفرصة على الأقل في أوروبا للنساء الكورديات وخاصة الأمهات منهن، ليتعلمن اللغة. كانت دوروثيا تقول: وهذه مساهمتي في انبعاث أمة ولغتها، هذه المساهمة وإن كانت يسيرة فإنها نابعة من قلب ومن مبدأ إنساني.
في مجال التفكير والالتفات إلى الكورد وإلى نمو لغتهم وفنهم، تأتي دوروثيا في صف الرواد. لو كان للكورد رواد مثلها في محيطهم، لكان الأمر أسهل.
اسم دوروثيا مهم وسيبقى محبوباً، لأنها:
- سجلت فيديوياً قسماً مهماً من مرحلة عسيرة من حياة النساء الكورديات في "حياتنا"، وفي مجموعة أعمال فيديوية أخرى.
- وصاغت كتابة أساساً لتعليم النساء الكورديات، تينك النسوة اللائي أدخل في روعهن أن الكوردية لا تصلح لتكون لغة للتربية والتعليم، لكن عندما رأين ذلك في سويسرا وبمبادرة من سيدة سويسرية مثقفة خبيرة باللغة، عشن العملية، وأدركن مدى الظلم الذي مارسه الحكام في محيطنا بحق الكورد وثقافتهم ولغتهم.
شكراً لدوروثيا كايست ولأعمالها. لك المحبة من كوردستان أيتها السيدة المحترمة، أرجو لك الصحة صديقتي العزيزة.



.jpg&w=3840&q=75)