بعد مرور عشرين سنة على تأسيس العراق الجديد من قبل أمريكا، ذلك العراق الجديد الذي كان مقرراً أن يصبح أنموذجاً للديمقراطية الأمريكية يقدم للشرق الأوسط، تمكن أنطوني بلينكن، وزير خارجية جو بايدن، من المكوث في بغداد ساعة و45 دقيقة فقط، وهو يرتدي سترة واقية من الرصاص ويستقل سيارة مصفحة ويحميه جيش من الحرس والقوات الخاصة الأمريكية والعديد من شبكات الاستخبارات المتأهبة التابعة لـ CIA وامتداداته، وكما دخل بغداد بسرعة وخفية غادرها أيضاً بسرعة وبسرية.
إدارة الرئيس بايدن تدرك جيداً أن العراق لم يكن قط، حتى في عهد صدام حسين، بعيداً كبعده الآن عن أمريكا وقريباً كقربه الحالي من إيران. الرئيس بايدن يعي أن العراق هو أول أنموذج لدولة قائمة على أساس ميليشياوي، وهذا الأنموذج لعراق ما بعد صدام حسين سينتقل إلى الشرق الأوسط. الرئيس بايدن يعي أن الحكومة العراقية الآن وهنا، هي الجناح السياسي للحشد الشعبي، وليس العكس. أي أن الحشد الشعبي ليس الجناح العسكري للحكومة، بل أن الحكومة على المستوى الواقعي وليس النظري هي الجناح السياسي للحشد.
من هنا، يستطيع وزير خارجية الرئيس أن يزور بغداد ويجتمع مع رئيس الوزراء وهو يعلم تمام العلم أن مركز القرار في النهاية قابع في مساحة أخرى، لذا لا يمكن أن يكون أي من تعهدات الحكومة، الجناح السياسي للحشد، قطعياً بحيث يمنح ضمانات تامة لأمريكا ودول النظام العالمي. حتى في الأمسية التي وصل فيها رئيس الوزراء في زيارة رسمية إلى أربيل، في نفس الأمسية وعلى الرغم من كل الوعود التي كانت قد قطعت لوزير بايدن، هاجمت الميليشيات قاعدة حرير العسكرية بالقرب من أربيل.
الميليشيات، ليس في العراق وحده بل في لبنان وسوريا واليمن أيضاً، تدرك أن يد الرئيس ترتعش! يد الرئيس مقيدة إلى شيئين اثنين. أولهما هو وهم عدم تخريب الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط. حيث تستخدم إدارة الرئيس بايدن الحالية كل الآليات لتضييق مساحات التماس، وإن كان الثمن غالياً. فلم يأت من لاشيء قول بلينكن في مؤتمر سبق السابع من أكتوبر بثلاثة أيام فقط، إن الشرق الأوسط لم يكن قط آمناً مستقراً كما هو الآن! تريد أمريكا عن طريق هذا الوهم تكثيف عملية الفرار (التي تحدثت عنها بالتفصيل في عدة مناسبات) من الشرق الأوسط. الثاني يتمثل في الانتخابات الأمريكية السنة القادمة، والتي يدل الكثير من المؤشرات على أن اللعبة بين بايدن وترمب ستتكرر، ويريد بايدن عدم تضييع وقته بإدارة مشاكل خارج أمريكا ليتفرغ لهذه الحرب مع ترمب، ويستخدم وهم الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط كسلاح في الانتخابات.
مشكلة بايدن الكبرى حالياً تتمثل في وجود فجوة كبيرة بين العالم الواقعي وعالم الوهم. فبقدر إرادة أمريكا الرئيس بايدن الفرار من الشرق الأوسط، يجبرها الشرق الأوسط بنفس القدر وباستمرار على العودة إليه.
في العام 2011، أقدمت إدارة الديمقراطيين التي كان الرئيس أوباما يدريها، على سحب الجيش الأمريكي من العراق، وأعلن أوباما في خطاب له: سنعود إلى الديار ونسحب جيشنا لأن العراق أصبح أجمل تجرية ناجحة في الشرق الأوسط. لكن بعد ثلاث سنوات فقط، تمكن داعش من احتلال نحو نصف أراضي هذه التجربة الجميلة على الأقل ولم تكن تفصله سوى كيلومترات قليلات عن الدخول في العاصمة بغداد! في مثل تلك اللحظة، عادت أمريكا أوباما إلى العراق مضطرة!
والآن، ورغم أن يد الرئيس بايدن ترتعش، فإن السابع من أكتوبر ونتائجه أجبروه على أن يملأ البحر الأبيض المتوسط بالسلاح وحاملات الطائرات بل وحتى 24 صاروخاً حاملاً لرؤوس نووية ونحو 150 صاروخ توماهوك كروز، إضافة إلى رسو السفينتين الحربيتين الأشهر، جيرالد فورد وآيزنهاور، في مياه الشرق الأوسط.
لكن كل هذا لا يخيف الأمين العام لحزب الله اللبناني، حسن نصرالله، الذي قال في خطبته الأسبوع الماضي لكن بصورة غير صريحة: إليكم الميدان فقارعونا! كما أنه لا يخيف ميليشيات الحشد الشعبي بل أنها بعد السابع من أكتوبر واصلت ضرباتها للمصالح الأمريكية في العراق حتى أن أمريكياً متعاقداً مع الجيش الأمريكي قتل في قاعدة عين الأسد بدون أن تتوقف يد الرئيس بايدن لحظة عن ارتعاشها، ليرد رداً عسكرياً قوياً. بل على العكس، تهاجم الميليشيات أمريكا بالمسيرات والصواريخ في العراق، وترد عليها أمريكا باجتماعات رومانووسكي مع الجناح السياسي للحشد، المتمثل في حكومة الإطار.
في ظل هكذا ظروف، وحتى الآن، بعد مرور شهر وثلاثة أيام على بدء الحرب، فإن المنتصر الأول ليس إسرائيل ولا أمريكا، بل إيران والجبهة العريضة التي تبدأ في طهران وتمر عبر العراق وسوريا وفلسطين لتستقر في اليمن.
خلال السنوات الثلاث الأخيرات، بإمكاننا القول إن إدارة الرئيس بايدن تعاملت أسوأ تعامل مع الشرق الأوسط وقضت حتى على الثقة المهزوزة التي كانت باقية عند قسم من أصداقاء واشنطن بها. الآن وهنا، يندر أن تتمكن أمريكا من العثور على صديق لها في الشرق الأوسط.
حتى إقليم كوردستان الذي كان سابقاً صديقاً ستراتيجياً لواشنطن، ضعفت ثقته بأمريكا خلال هذه السنوات الثلاث أيما ضعف. فعندما اُمطرت أربيل باثني عشر صاروخاً باليستياً ذكياً، قالت واشنطن: الهجوم لم يستهدف قنصليتنا لنرد عليه! كما لم يتم خلال هذه السنوات الثلاث استقبال أي من قيادات إقليم كوردستان في البيت الأبيض. فكيف إذن ولماذا قد يثق إقليم كوردستان بواشنطن؟
طالما ظل الرئيس بايدن يدير أزمات الشرق الأوسط بيد ترتعش، ستظل أمريكا تفقد أصدقاءها الواحد تلو الآخر وعلى بلينكناتها أن يزوروا العواصم وهم يرتدون سترات واقية من الرصاص، وفي ظل هكذا ظروف لا ينبغي أن يندهش وهو يرى توسع وتفاقم نفوذ جبهة جمهورية إيران الإسلامية في عموم الشرق الأوسط.


.jpg&w=3840&q=75)
.jpg&w=3840&q=75)