لم يعد مطار الموصل مجرد محطة سفر تربط نينوى بالعالم، بل أصبح ساحة لاختبار قدرة الدولة على استعادة إدارتها للمرافق الحيوية من النفوذ غير الرسمي، وفي خطوة وصفها مراقبون بأنها رسالة سياسية واقتصادية واضحة قرار يتجاوز العقود.
الحكومة العراقية، وعبر قرار إلغاء العقود الثلاثة التشغيلية دخلت اختبارا مبكرا لمشروعها الأوسع المتمثل في حصر السلاح والنفوذ بيد الدولة. فالتوجيه الصادر عن رئيس الوزراء علي فالح الزيدي شمل إلغاء عقود شركات متعددة على خلفية ارتباطها بجهات مسلحة، مع التوجه لإحالة هذه المهام إلى شركات عالمية متخصصة.
ولا تبدو الخطوة إجراءً اداريا معزولا؛ إذ تتقاطع مع خارطة طريق أعلنتها الحكومة لمعالجة ملف السلاح خارج سيطرة الدولة، وتحديد 30 حزيران 2027 موعدا نهائيا لاستكمالها. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إلغاء العقود وحدها، بل في قدرة الدولة على إستبدال النفوذ غير الرسمي بتعاقدات شفافة، وخدمات عامة فعالة، وسلطة مؤسسية واضحة في الموصل تحديداً.
توقيت القرار يحمل دلالة إضافية ، إذ جاء بعد نحو خمسة أسابيع من إعلان رئيس الوزراء علي فالح الزيدي، في الأول من تشرين الأول 2026، أن تلك الفترة تمثل “بداية جادة” لمعالجة ملف السلاح خارج سيطرة الدولة، ضمن خارطة طريق وجداول زمنية تمتد حتى 30 حزيران 2027. وبذلك، لا يبدو إلغاء عقود مطار الموصل مجرد رد فعل على تجاوزات محلية، بل خطوة عملية مبكرة قد تُترجم الخطاب الحكومي حول حصر السلاح إلى إجراءات ملموسة في قطاع حيوي يمسّ حركة المسافرين والاقتصاد المحلي.
كما أن اختيار مطار الموصل، وهو منشأة استراتيجية في محافظة نينوى، يمنح القرار رمزية تتجاوز حجم العقود الثلاثة؛ فالمطار ليس خدمة عادية، بل بوابة تَنّقل وإقتصاد وأمن. ومن ثم، فإن نجاح الحكومة في إحالة الخدمات إلى شركات عالمية وفق معايير شفافة قد يرسّخ رسالة مفادها أن مشروع حصر السلاح لا يقتصر على الأسلحة، بل يمتد إلى تفكيك شبكات النفوذ الاقتصادي والإداري المرتبطة بالجهات المسلحة.
الموصل في قلب القرار
لم يأتِ قرار إلغاء العقود منفصلًا عن السياق المحلي في نينوى؛ إذ صدر خلال لقاء عقده رئيس الوزراء علي فالح الزيدي مع محافظ نينوى عبد القادر أحمد الدخيل، ورئيس محكمة استئناف المحافظة رائد حميد حسين، لبحث الواقع الخدمي والتنموي في المحافظة وسبل تسريع إنجاز المشاريع. وبذلك، يبدو أن القرار جاء ضمن مسار حكومي أوسع يستهدف إعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والمرافق الحيوية في نينوى: فمن جهة، يُلغى النفوذ غير الرسمي المرتبط بالجهات المسلحة في إدارة خدمات المطار، ومن جهة أخرى، يُوجّه نحو إدخال شركات متخصصة لضمان إستمرارية الخدمة وتحسين أدائها، غير أن نجاح هذا المسار سيتوقف على مدى شفافية التعاقدات الجديدة، وقدرة الحكومة على ضمان ألا تتحول الإدارة العالمية إلى بديل شكلي عن غياب السيادة المؤسسية المحلية.
يبقى أمام الحكومة عدد من الأسئلة التي ستحدد مدى جدية القرار وإستدامته:
- من هي الشركات العالمية التي ستتولى إدارة وتشغيل المطار، وما معايير اختيارها؟
- هل ستُطرح العقود الجديدة في مناقصات علنية تضمن المساواة والشفافية؟
- هل ستشمل المراجعة عقودا أخرى في المطارات والمرافق الحكومية المرتبطة بجهات مسلحة؟
- كيف سيتم ضمان ألا تتحول الإدارة العالمية إلى غطاء لاستمرار النفوذ المحلي بصورة جديدة؟
هذه الأسئلة تجعل من مطار الموصل أكثر من خبر إداري؛ فهو مؤشر مبكر على قدرة الدولة في تحويل مشروع حصر السلاح من تصريحات سياسية إلى ممارسة مؤسسية يومية.
إحالة خدمات المطار إلى شركات عالمية متخصصة قد تكون بداية لإستعادة ثقة المواطنين بكفاءة الخدمة وشفافية الإدارة، لكنها لن تكون كافية وحدها. فنجاح المسار سيُقاس بقدرة الدولة على ضمان تعاقدات علنية ومساءلة واضحة، ومنع تحول النفوذ من شكل إلى آخر، حتى يصبح مطار الموصل نموذجا لا لقرار استثنائي، بل لسياسة ثابتة في إدارة المرافق العامة وخدمة المواطن مع ترسيخ لمفهوم الدولة ومؤسساتها الوطنية الدستورية وقوة تنفيذ القانون فوق الجميع.



