إن المنجزات السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية التي تحققت خلال الكابينة الوزارية التاسعة لإقليم كوردستان والتي يقودها الحزب الديمقراطي الكوردستاني تستوجب دعم فرص النجاح لتشكيل الحكومة الجديدة ، ولاسيما أن الإقليم قدم نموذجاً إدارياً وسياسياً مهماً. ومن هنا تبرز أهمية تشكيل الكابينة الوزارية العاشرة بالتوازي مع تفعيل دور السلطة التشريعية والرقابية لتعزيز فاعلية المؤسسات.
ولا يمكن النظر إلى إعادة تفعيل برلمان إقليم كوردستان بوصفها مجرد استئناف لعمل مؤسسة تعطلت لأكثر من عامين، بل ينبغي التعامل معها باعتبارها خطوة لاستعادة التوازن السياسي والمؤسسي وإعادة الاعتبار للإرادة الانتخابية ووضع حد لمرحلة انعكست آثارها على الحياة السياسية والإدارية في الإقليم.
إن استئناف البرلمان عمله يضع القوى السياسية أمام اختبار إعادة بناء المؤسسات وتشكيل حكومة فاعلة ومناقشة الملفات الاقتصادية والمالية والخدمية وتعزيز الرقابة والشفافية لا وضع العصي في دواليب النجاح. ويتطلب ذلك من جميع الأطراف احترام نتائج الانتخابات والمشاركة في تشكيل الحكومة وفقاً للاستحقاق الانتخابي وبعيداً عن تعطيل المؤسسات أو فرض معادلات لا تستند إلى صناديق الاقتراع.
وفي الوقت الذي تتطلع فيه القوى السياسية والمواطنون إلى تشكيل الحكومة الجديدة، برزت أزمة عطلت المفاوضات رغم التفاهمات التمهيدية بين الحزبين الرئيسيين. وتتمثل الأزمة في رفض الاتحاد الوطني الكوردستاني مسارات تشكيل الحكومة مع التلويح بخيار الانفصال وتشكيل إقليم خاص يضم السليمانية وحلبجة. طرح يمس مستقبل الإقليم ووحدته التي ينبغي ان لا تكون ورقة تفاوضية في الخلافات الحزبية. فالسليمانية وحلبجة وأربيل ودهوك ليست ممتلكات حزبية أو مناطق نفوذ قابلة لإعادة رسم حدودها وفقاً لموازين القوة، بل محافظات يسكنها مواطنون متساوون في الحقوق وترتبط بمستقبل كيان دستوري لا يملك أي حزب حق التصرف به بمعزل عن إرادة السكان والأطر القانونية. لذلك فإن الحديث عن فصل بعض المحافظات أو إنشاء إقليم منفصل يتجاوز الخلاف السياسي ويستدعي تغليب المصلحة العامة والحوار المسؤول ويؤشر وجود رغبة لتصدير ازمة ربما يعيشها الاتحاد الوطني اليوم. وبحسب الأرقام التي أفرزتها الانتخابات، حصل الاتحاد على اقل من 25 % من مقاعد برلمان الإقليم في الانتخابات الأخيرة وينبغي أن تحضر هذه النتيجة عند تحديد الاستحقاقات مقابل حصول الحزب الديمقراطي على قرابة ضعف تلك المقاعد.
موقف الاتحاد الوطني وضع الحزب الديمقراطي صاحب المركز الأول في الانتخابات أمام تحدي البحث عن تسوية تنهي الأزمة مع استعداده لمنح جميع الأطراف مساحة مشاركة أوسع لاسيما انه قد منح الاتحاد الوطني مناصب هامة خارج الإقليم وصلت حد موقع رئيس الجمهورية الذي تؤكد جميع المعايير انه من حصة الحزب الديمقراطي الرافض للعودة إلى معادلات المناصفة بمعزل عن نتائج الاقتراع لما يترتب عليها من إضعاف للتمثيل الانتخابي. فالتوافق مطلوب لتسهيل الحكم لا ليكون بديلاً عن إرادة الناخبين والأغلبية لا تعني احتكار القرار، بل تمنح حق قيادة المؤسسات مع احترام التعددية وحقوق المعارضة.
إن الشراكة الحقيقية لا تعني أن يتخلى طرف عن استحقاقاته تحت ضغط التعطيل. وإنما تقوم على معادلة تمنح كل قوة حجمها الطبيعي في المؤسسات وتحفظ حقها في المشاركة والتأثير.فلا يمكن أن تكون الديمقراطية وسيلة للوصول إلى السلطة ثم تصبح عبئاً عند توزيعها، ولا يمكن احترام نتائج الانتخابات عندما تلائم طرفاً وتجاوزها عندما تفرض واقعاً مختلفاً. كما لا ينبغي أن تتحول الشراكة إلى غطاء لتعطيل المؤسسات، بل يجب أن تكون إطاراً يحمي التعددية ويصون الحقوق ويعزز الاستقرار.
ولا تقتصر تداعيات الأزمة في إقليم كوردستان على حدوده، إذ يمكن أن تنعكس على المشهد السياسي العراقي ولاسيما في ظل التفاهمات المتعلقة بالمناصب الكوردية في الحكومة الاتحادية والاستحقاقات الأخرى. ومن ثم فإن احتواء الأزمة لا يمثل مسؤولية القوى الكوردية وحدها، بل مصلحة وطنية تقتضي من جميع القوى تقريب وجهات النظر وتغليب التفاهم والشراكة ومنع انتقال آثارها إلى مؤسسات الدولة خصوصاً مع وجود أطراف داخلية وخارجية قد تسعى إلى تأجيج الانقسام.
في المحصلة، لا تحتاج كوردستان إلى انتصار حزب على آخر بقدر حاجتها إلى انتصار المؤسسات على منطق النفوذ، ولا إلى تسويات مؤقتة تعيد إنتاج الأزمات، بل إلى شراكة تحترم صناديق الاقتراع وتحمي التعددية وتصون وحدة الإقليم. فالمواطن ينتظر مؤسسات فاعلة وحكومة تعزز ما صنّعته الكابينة التاسعة قادرة على تلبية تطلعاته، لا صراعات تستنزف فرص التنمية والاستقرار بعيداً عن الحسابات الضيقة والمصالح الحزبية الآنية ومناطق النفوذ السياسي.



.jpg&w=3840&q=75)