رووداو ديجيتال
بالنسبة لمعظم العائلات في إقليم كوردستان، لا يُعدّ الذهب مجرد حُليّ وزينة، بل يمثل مدخرات تُحتفظ بها لمواجهة الأوقات الصعبة، إذ تراه غالبية الأسر بديلاً أكثر أماناً من الاحتفاظ بالأموال النقدية.
ولهذا، فإن التقلبات الأخيرة في أسعار الذهب العالمية، ولا سيما في بورصتي نيويورك ولندن، تنعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين. فكل ارتفاع أو انخفاض كبير في سعر الأونصة يؤثر في قيمة المدخرات العائلية، ويُحدث اضطراباً في سوق الصاغة، وينعكس على قرارات المواطنين بشأن البيع والشراء.
وشهد الذهب مؤخراً انخفاضاً حاداً ومفاجئاً، بعدما سجل في كانون الثاني 2026 مستوى قياسياً بلغ نحو 5,595 دولاراً للأونصة، قبل أن يفقد قرابة 1,700 دولار، أي ما يعادل نحو 30% من قيمته.
وأغلق الذهب تداولات الجمعة (30 تشرين الأول 2026) عند نحو 3,885 دولاراً للأونصة، مسجلاً أدنى مستوى له منذ نحو عام. وخلال تشرين الأول وحده، تراجعت أسعاره بنسبة 6.5%، مواصلة بذلك موجة الانخفاض التي بدأت في أيلول.
لماذا ينخفض الذهب رغم الحروب والصراعات العالمية؟
يثير تراجع أسعار الذهب تساؤلاً رئيسياً: لماذا تنخفض أسعاره بدلاً من ارتفاعها، في وقت يشهد فيه العالم تصاعداً في التوترات الجيوسياسية وحالة من الغموض بشأن مستقبل الاقتصاد العالمي؟
ترتبط الإجابة بصورة أساسية بالسياسة النقدية للبنك المركزي الأميركي (الاحتياطي الفيدرالي)، إذ إن الذهب، بخلاف الأصول المالية الأخرى، لا يدر عوائد أو فوائد بمجرد شرائه والاحتفاظ به.
في المقابل، تُعدّ سندات الخزانة الأميركية من الأصول المالية الآمنة نسبياً، نظراً إلى التزام الحكومة الأميركية بسداد قيمتها عند الاستحقاق، فضلاً عن العوائد التي توفرها للمستثمرين.
وعندما يتوقع المستثمرون ارتفاع أسعار الفائدة، تصبح سندات الخزانة الأميركية وغيرها من الأصول المدرة للعوائد أكثر جاذبية مقارنة بالذهب، ولا سيما في ظل استمرار الضغوط التضخمية في الولايات المتحدة، التي تعزز احتمالات إبقاء الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة مرتفعة أو رفعها مجدداً.
وقد عززت بيانات التضخم الأميركية الأخيرة هذه المخاوف، بعدما ارتفع مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE) في أيلول بنسبة 0.5% على أساس شهري، و3.6% على أساس سنوي، متجاوزاً بفارق كبير المستوى المستهدف للاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%.
ومن جهة أخرى، أسهم ارتفاع أسعار النفط في زيادة تعقيد المشهد الاقتصادي، إذ أدت عودة المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار الطاقة، ما انعكس على تكاليف النقل والإنتاج وأسعار السلع.
وفي الظروف الاعتيادية، يدعم ارتفاع أسعار النفط وتصاعد حالة عدم الاستقرار الطلب على الذهب، باعتباره ملاذاً آمناً وأداة للتحوط من التضخم.
لكن الوضع هذه المرة جاء مغايراً، إذ أثارت زيادة أسعار الوقود مخاوف من استمرار الضغوط التضخمية، الأمر الذي قد يدفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.
وبذلك، أصبح تأثير السياسة النقدية وتوقعات أسعار الفائدة أقوى من الدور التقليدي للذهب بوصفه ملاذاً آمناً في أوقات الأزمات.
ويبرز عامل آخر وراء تراجع الأسعار، يتمثل في سلوك المستثمرين خلال فترات الاضطراب في أسواق الأسهم.
فعندما تتعرض البورصات لخسائر حادة، يضطر بعض المستثمرين إلى بيع جزء من حيازاتهم من الذهب لتوفير السيولة النقدية وتغطية خسائرهم في قطاعات أخرى من السوق.
وهذا ما حدث خلال تداولات الجمعة، عندما تراجع مؤشر ناسداك بنسبة 2.9%، ومؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 1.8%، إذ اتجه بعض المستثمرين إلى بيع الذهب بدلاً من شرائه باعتباره ملاذاً آمناً.
البنوك الكبرى لا تزال تتوقع مستويات قياسية جديدة
على الرغم من الانخفاض الحاد في أسعار الذهب، لا تزال المؤسسات المالية الكبرى تتوقع عودته إلى الارتفاع خلال الفترة المقبلة.
ففي استطلاع أجرته وكالة رويترز ونُشر في 27 تشرين الأول، حدد 30 من أبرز المحللين والمتعاملين في الأسواق توقعاتهم لسعر أونصة الذهب عند 4,495 دولاراً خلال عام 2026، و4,650 دولاراً في عام 2027.
من جانبه، يتوقع خبير الأسواق المالية في بنك يو بي إس (UBS)، جيوفاني ستاونوفو، أن يصل سعر أونصة الذهب إلى 5,000 دولار أو أكثر خلال العام المقبل، في حال بدأ الاحتياطي الفيدرالي الأميركي خفض أسعار الفائدة.
وتستند هذه التوقعات المتفائلة إلى عدة عوامل، أبرزها استمرار البنوك المركزية في شراء الذهب، في ظل توجه عدد من الدول إلى تقليل اعتمادها على الدولار الأميركي.
كما أن المخاوف المرتبطة بارتفاع مستويات الديون السيادية وتراجع القوة الشرائية للعملات لا تزال قائمة، وهي عوامل تدعم الطلب على الذهب على المدى الطويل، حتى وإن شهدت أسعاره تراجعات مؤقتة.
هل حان وقت شراء الذهب؟
يثير الانخفاض الأخير في أسعار الذهب تساؤلات بشأن ما إذا كانت المستويات الحالية تمثل فرصة مناسبة للشراء والاستثمار، أم أنها بداية لموجة هبوط طويلة الأمد.
وعلى المدى القصير، ستؤدي بيانات التضخم وسوق العمل في الولايات المتحدة، إلى جانب قرارات الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة، دوراً حاسماً في تحديد اتجاه أسعار الذهب.
فاستمرار أسعار الفائدة عند مستوياتها المرتفعة، أو رفعها مجدداً، قد يُبقي الذهب تحت الضغط ويدفعه إلى الاستقرار عند مستويات منخفضة.
في المقابل، فإن أي تحول نحو تيسير السياسة النقدية وخفض أسعار الفائدة قد يعزز الطلب على المعدن النفيس، ويدعم تعافي أسعاره.
ويُظهر التراجع الأخير أن الذهب، رغم مكانته التاريخية بوصفه أحد أبرز الملاذات الآمنة وأدوات حفظ القيمة، ليس بمنأى عن الصدمات والتقلبات التي تشهدها الأسواق المالية العالمية.
ورغم استمرار التوقعات المتفائلة لدى البنوك الكبرى والمؤسسات المالية العالمية بشأن مستقبل أسعار الذهب، فإن العودة إلى المستويات القياسية السابقة قد تكون أكثر صعوبة وتستغرق وقتاً أطول مقارنة بموجة الصعود السريعة التي شهدها المعدن النفيس مطلع العام الجاري.


.jpg&w=3840&q=75)
