تتجاوز كوردستانية شنكال (سنجار)
التصنيفات الجغرافية والقومية المعلنة؛ إذ لا يمكن فهمها بمعزل عن الصراع على
تعريف هذا المكان ووجوده وحدود الانتماء له، فالجغرافية بالنسبة للمناطق التي
تبلورت هوياتها المتعددة نتيجة التحولات السياسية والتغيير الديموغرافي تعتبر
فضاءً تتداخل فيه الأبعاد التاريخية بالاستراتيجيات السياسية ومسارات هندسة الهوية
بمنأى عن المحددات الموضوعية.
وبناءً عليه، فإن شنكال تتبدى
كحالة تقتضي الوقوف عندها ومقاربتها بقراءة متوازنة تتخطى النطاقات الإدارية
الآنية، ليمتد ويشمل اختبار، وتتبع، وسبر أغوار جذورها الثقافية والتاريخية
وروابطها بالهوية الكوردية وعمقها والتحولات التي رسمت واقعها.
ويتطلب تحليل هذه الكوردستانية
الفصل بين البعد القومي والخصوصية الدينية الإيزدية، وبين العمق التاريخي للمنطقة
والأطر القانونية والسياسية القائمة اليوم. فضلاً عن ضرورة تفكيك تداعيات سياسة
التعريب والخطوط الإدارية في إعادة هندسة الخريطة السكانية والجغرافية للمنطقة.
وعليه، لا تقتصر المسألة على مجرد البرهنة على التأصيل التاريخي، وإنما تتجاوز إلى
محاكمة السياسات والآليات الفاعلة في تشكيل ملامح المكان، وما أفرزته من تداعيات
على مستويات التمثيل السكاني، والتعبير الحقيقي عن تطلعات السكان وحقوقهم؛ نحو
مستقبل يحترم التنوع الثقافي ويكفل حق المشاركة الفعلية في تدبير شؤون المنطقة
وتقرير مصيرها.
كوردستانية.. بين التاريخ والواقع
هل يمكن تناول كوردستانية شنكال
بمعزل عن تاريخها الاجتماعي وموقعها الجغرافي وترابطها بالهوية الكوردية؟ يشكل جبل
شنكال، وسط سهول الجزيرة الفراتية، امتداداً منقطع النظير للسلاسل الجبلية
الكوردية، ما يمنحه سمة جزيرة جغرافية ذات خصوصية متصلة اتصالاً وثيقاً بالنسيج
الإنساني والتاريخي وفقاً لكتاب "لقد نسينا العالم: سنجار وإبادة تنظيم
الدولة الإسلامية للإيزديين" لتوماس شميدينغر، كما ويتقاطع هذا المنظور
الجغرافي مع ما يقدمه الباحث الكوردي محمود شيخ سين حسو الريكاني في دراسته
التاريخية عن شنكال خلال العهد الملكي (1921-1958)، مقاربة تاريخية تسهم في إسناد
قراءة المنطقة ضمن امتدادها الكوردي، عبر تتبع تحولاتها السياسية والاجتماعية
والإدارية، وعلاقة هذه التحولات بخصوصية تكوينها الراهن وموقعها ضمن الجغرافيا
الكوردية.
إلى جانب ذلك، للشواهد السكانية
التاريخية أهمية مضاعفة في هذا السياق؛ فالباحثة نليدا فوكارو حاولت نقل بعض
التقديرات السكانية استناداً إلى وثائق تعود للجنة الحدود السورية العراقية لعام
1932؛ حيث 17550 من الكورد الإيزديين، و2380 من الكورد السنة، و1060 من الكورد
العلويين، و6675 من العرب المسلمين و1225 من التركمان المسلمين.
وفي ذات الإطار، سعت فوكارو إلى
استخدام تسمية "الأكراد الإيزديين" في جبل شنكال وفق دراستها المنشورة
عام 1997، وذلك في خضم مسار تأسيس الدولة العراقية وطبيعة سياساتها حيال المكونات
والمجتمعات المحلية. هذه المعطيات بمجملها تقدم برهاناً تاريخياً جلياً على الجذور
الكوردية في المنطقة، مع التأكيد على ضرورة الفصل الدقيق بين الانتماء القومي
والخصوصية الدينية الإيزدية، وتجنب اختزال الهوية في قالب تعميمي واحد يشمل كافة
أبناء المجتمع الإيزدي.
التعريب وطمس الهوية
لم يقتصر التعريب في شنكال على
كونه إجراءً إدارياً لتعديل أسماء المناطق وقراها، بل اندرج ضمن استراتيجية أوسع
ومشروع شامل لإعادة هندسة هوية المكان وتركيبته الديموغرافية والاجتماعية بما يخدم
منطق مركزية الدولة القومية؛ فقد تجسدت هذه السياسة في أنماط عدة شملت تبديل
التسميات الجغرافية، وإعادة هيكلة الوحدات الإدارية، وتضييق الخناق على حقوق
الملكية العقارية وأشكال الاستقرار لدى السكان، وهذا ما أكده تقرير لهيومن رايتس
ووتش لعام 2004 حيث التهجير ومصادرة الأراضي والتلاعب بحقوق الملكية. وبذلك، تحول
المكان من فضاء اجتماعي تتمتع بخصوصية وذاكرة متفردة إلى ساحة مفتوحة لإعادة
التشكيل وفق تصورات السلطة السياسية ومقاساتها.
وقد بلغت خطورة هذه السياسات
ذروتها في ارتباطها المباشر بالتحولات الديموغرافية والملكية العقارية؛ إذ تجاوزت
تأثيراتها وتداعياتها العميقة على إخماد الصلات التاريخية وزعزعتها بين الفرد
وأرضه، إلى بلورة اختلالات هيكلية في موازين الاستقرار المحلي، من شأنها إنتاج
واقع جديد اجتماعياً وإدارياً مستحدثاً. ومن هنا، فإن فهم تاريخ شنكال وقراءته
بصورة مستقيمة يتخطى رصد التغيرات والتحولات على المستوى الإداري، ليستدعي تفكيك
الآليات التي وظفت القرار الإداري في سبيل هندسة النفوذ والسيطرة على المكان وفق
البيان المشترك – الأمم المتحدة في العراق، 4 كانون الثاني 2023، حيث توثيق حرمان
آلاف العائلات الإيزدية من ملكية أراضيها السكنية منذ عام 1975.
تتجلى البصمة الأخطر لسياسات
التعريب في تجاوزه لتبديل التسميات الجغرافية، نحو محاولات اقتلاع المجتمع من
ذاكرته المكانية، واستبدال التعددية التاريخية والثقافية التي تشكلت عبر أجيال
متعددة بسردية أحادية رسمية. إن الأسماء الجغرافية الموجودة على الخرائط ليست
علامات محايدة؛ فهي تعتبر أوعية حاضنة للذاكرة والروابط الاجتماعية واللغة، والعبث
بها أو تغييرها في سياق ممنهج يحمل دلالات تتجاوز الجوانب الشكلية ليطال إعادة
صياغة الوعي العام بالمكان. وبناءً عليه، فإن استعادة أسماء شنكال وإعادة الاعتبار
لذاكرتها المحلية لا تختزل في كونها مطلباً لغوياً، بل في كونه جزء جوهري من
مساءلة التاريخ السياسي ونقد وتفكيك السياسات التي استهدفت طمس الهوية وتحويرها.
في مهب التجاذبات السياسية
كما تناولنا سابقاً، لا يمكن عزل شنكال
عن خصوصيتها التاريخية والجغرافية في الفضاء الكوردستاني، بل هو انتماء يتجسد
بتقاطعات جمة متمثلة بالتعقيدات السياسية والأمنية والدستورية، ما منحها صفة أحد
أكثر المناطق العراقية حساسية؛ فمنذ عام 2003 أدرجت ضمن المناطق المتنازع عليها
بين بغداد وأربيل، في سياق لم يُحسم فيه بعدُ تطبيق المادة (140) من الدستور
العراقي لعام 2005، التي نصت على خلق آلية حقيقية لتسوية أوضاع هذه المناطق من
خلال المسح السكاني والاقتراع ومعالجة الآثار الإدارية. وقد أدى تعثر هذا المسار
إلى إبقاء شنكال داخل دائرة التنافس على المرجعية الإدارية والسياسية.
وبدا هذا المشهد أشد تعقيداً بعد
عام 2014، إثر الاجتياح الشاسع لشنكال من قبل تنظيم الدولة الإسلامية وارتكاب
مجازر بحق الإيزديين ارتقت إلى مستوى الإبادة الجماعية، ما أفسح المجال للتدخل
العسكري والسياسي بالتمدد في تلك المنطقة. فالمسألة تجاوزت سياق التنافس بين
الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كوردستان في أربيل، وتحولت شنكال إلى
مسرح تتشابك فيه التقاطعات السياسية المحلية، والرهانات الإقليمية، والامتدادات
العابرة للحدود، الأمر الذي عقد المشهدين الأمني والسياسي، وأعاق جهود الاستقرار
وعودة النازحين والتسوية بسبب استبعاد الفاعلين المؤثرين على الأرض.
وفي محاولة لمعالجة هذه الأزمة
وتطويق تداعياتها، جرى توقيع اتفاق سنجار، في تشرين الأول 2020 بين بغداد وأربيل
تحت مظلة أممية، بغية تنظيم الملفات الإدارية والأمنية، وتهيئة الظروف الملائمة
لعودة النازحين، وإعادة تأهيل شاملة للمؤسسات المحلية. إلا أن هذا الاتفاق قوبل
بعدم التنفيذ الكامل نتيجة الإشكاليات فيما يتعلق بترتيبات الأمن والإدارة، فضلاً
عن استبعاد أطراف مؤثرة وفعالة من مسار التفاهمات.
وعلى الرغم من استمرار ضجيج
الاستقطابات السياسية والأمنية، فإن ذلك لن يلغي الأهمية الجوهرية والاعتبار
الأساسي لكوردستانية شنكال، لكنه يكشف الفجوة الحقيقية والهوة القائمة بين الهوية
الأصيلة للمنطقة وبين الصراعات الدائرة حول آلية إدارتها ورسم آفاق مستقبلها.
هذه القضية لا ينبغي أن تحال إلى
ورقة تنافسية بين القوى السياسية، بل يجب أن تقتضي أي تسوية مرتقبة إلى احترام هذا
التنوع السكاني الموجود وهويتهم الأصلية المتمثلة بكوردستانيتها، وكفالة حقوقهم
الإدارية وخصوصيتهم الاجتماعية والدينية بعيداً عن الإكراه والتوظيف السياسي.
فالإقرار بكوردستانية شنكال لا يتنافي مع التنوع الهوياتي ضمن المجتمع الإيزدي،
وبناء على ذلك، كيف يمكن تحقيق تسوية مستدامة تحمي هذه الهوية الكوردستانية، وتضمن
حقوق أبناء المنطقة في تقرير مصيرهم إدارياً بعيداً عن الإملاءات الخارجية؟.
.jpg&w=3840&q=75)

