لم تعد أزمة الرواتب في إقليم
كوردستان العراق مجرد مشكلة مالية تتكرر في نهاية كل شهر، ولا مجرد خلاف إداري بين
حكومتين يمكن احتواؤه باتفاق مؤقت أو تفاهم سياسي عابر. فقد تحولت، على امتداد
سنوات، إلى قضية تمسّ ثقة المواطنين بمؤسسات الحكم، وتؤثر في التعليم والصحة
والسوق المحلية، وتطرح تساؤلات جوهرية عن طبيعة العلاقة بين الحكومة الاتحادية في
بغداد وحكومة إقليم كوردستان في أربيل، وعن قدرة النظام السياسي العراقي على إدارة
التنوع القومي والإداري ضمن إطار دستوري مستقر.
وتكمن خطورة هذه الأزمة في أن
الموظف والمتقاعد والمعلم والطبيب وصاحب المحل التجاري أصبحوا يتحملون جانباً كبيراً
من نتائج الخلافات السياسية والمالية التي لا يملكون قرارها. وفي الوقت نفسه، فإن
اختزال المشكلة في اتهام بغداد وحدها، أو تحميل حكومة الإقليم وحدها كامل
المسؤولية، لا يقدم تفسيرًا كافيًا لأسباب استمرارها، ولا يفتح طريقًا واقعيًا
لمعالجتها.
إن المطلوب هو الانتقال من إدارة
الأزمة إلى معالجة أسبابها، ومن التفاهمات المؤقتة إلى بناء قواعد مالية ومؤسساتية
تضمن الحقوق وتحدد الالتزامات وتمنع استخدام معيشة المواطنين أداةً للضغط السياسي.
من الخلاف على النفط إلى أزمة
الثقة
تعود جذور الخلافات المالية بين
بغداد وأربيل إلى سنوات سابقة، وتداخلت فيها قضايا تصدير النفط، وإدارة الإيرادات،
وحصة الإقليم من الموازنة الاتحادية، وصلاحيات السلطات بموجب الدستور العراقي. وقد
أدت الخلافات بشأن تصدير النفط بصورة مستقلة إلى توترات مالية وسياسية متكررة منذ
عام 2014م، فيما زادت التحديات الاقتصادية وتقلبات أسواق الطاقة من صعوبة الوصول
إلى ترتيبات مستقرة.
وفي عام 2023م، أُقر قانون
الموازنة الاتحادية للسنوات المالية 2023م و2024م و2025م، بعد مفاوضات بين الحكومة
الاتحادية وحكومة الإقليم. لكن إقرار الموازنة لم ينهِ الخلافات المتعلقة بآليات
التمويل، وتسليم النفط، والإيرادات غير النفطية، وشروط تحويل الأموال.
ووفق بيانات نشرتها حكومة إقليم
كوردستان في مطلع عام 2026م، بلغت الاستحقاقات المالية التي تقول إن الإقليم كان
يستحقها خلال السنوات الثلاث نحو 58.3 تريليون دينار، بينما بلغت التحويلات
الفعلية نحو 24.3 تريليون دينار. وهذه أرقام صادرة عن حكومة الإقليم، وينبغي
قراءتها في إطار موقفها من تنفيذ الموازنة، لا باعتبارها وحدها حسمًا نهائيًا لكل
جوانب النزاع المالي والقانوني.
وتوضح هذه الأرقام، بصرف النظر عن
الخلاف بشأن تفسيرها، حجم الفجوة بين التوقعات المالية للإقليم وما وصل إليه
فعليًا من تمويل. كما تشير الحكومة إلى أن غياب التمويل الاستثماري الاتحادي أسهم
في تعطيل مشروعات تنموية وخدمية. ويمكن الاطلاع على تفاصيل هذه البيانات في
التقارير المالية المنشورة على الموقع الرسمي لحكومة إقليم كوردستان.
غير أن المشكلة لا تتوقف عند حجم
الأموال المحوّلة، بل تتعلق أيضًا بغياب الثقة المتبادلة في آليات تنفيذ
الاتفاقات. فبغداد تطالب بتطبيق القوانين المالية وتسليم الإيرادات المستحقة
للدولة، فيما تؤكد أربيل أن الاستحقاقات الدستورية لا ينبغي أن تبقى رهينة شروط
متغيرة أو تأويلات إدارية متكررة. وبين الموقفين، تتضرر استمرارية الخدمات العامة،
وتتراجع قدرة المؤسسات على التخطيط طويل الأجل.
الدستور لا يكفي من دون آليات
تنفيذ واضحة
يمثل الدستور العراقي المرجعية
الأساسية لتنظيم العلاقة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كوردستان. لكن التجربة
العملية أظهرت أن وجود النصوص الدستورية لا يكفي وحده لحل الخلافات، ما لم تُترجم
أحكامها إلى إجراءات واضحة بشأن الإيرادات والنفقات والتدقيق والمساءلة ومواعيد
التحويلات المالية.
فالعلاقة المالية بين الطرفين لا
ينبغي أن تقوم على التفاهمات السياسية وحدها، ولا على فرض الأمر الواقع من أي جهة.
بل يجب أن تستند إلى قواعد قابلة للتحقق، تحدد ما لكل طرف وما عليه، وتوفر آليات
لحل النزاعات عند اختلاف التفسير.
ومن حق الحكومة الاتحادية أن
تطالب بالشفافية في إدارة الإيرادات العامة، وأن تتأكد من سلامة البيانات المتعلقة
بالنفط والإيرادات غير النفطية، ومن التزام السلطات المحلية بالقوانين النافذة.
كما أن من حق مواطني الإقليم المطالبة بتنفيذ الاستحقاقات المالية وفق الدستور
والقوانين والاتفاقات النافذة، وألا تتحول الخلافات بين الحكومتين إلى سبب دائم
لتأخير الأجور أو تعطيل الخدمات.
ولا يجوز التعامل مع هذه المطالب
باعتبار أحدها يلغي الآخر. فالمحاسبة المالية لا تتعارض مع الحقوق الدستورية، كما
أن المطالبة بالحقوق لا تعفي السلطات الإقليمية من واجبات الشفافية والإدارة
الرشيدة.
وإذا كانت هناك خلافات بشأن
حسابات الإيرادات أو حجم الاستحقاقات أو تفسير مواد قانون الموازنة، فإن الحل لا
يكون بتكرار التصريحات المتبادلة، بل بنشر بيانات قابلة للمراجعة، وتشكيل آليات
تدقيق مشتركة، والاحتكام إلى المؤسسات القضائية والدستورية المختصة عند الضرورة.
مسؤولية بغداد ومسؤولية أربيل
إن الإنصاف يقتضي النظر إلى
مسؤوليات الطرفين، مع التمييز بين القرارات التي يتخذها كل طرف والنتائج التي
يتحملها المواطنون.
تقع على الحكومة الاتحادية
مسؤولية تنفيذ التزاماتها القانونية والدستورية، وتوضيح الأسس التي تعتمدها في
احتساب الاستحقاقات المالية للإقليم وتحويلها. كما ينبغي أن تكون أي شروط تتعلق
بتسليم الإيرادات أو تدقيق النفقات مستندة إلى القوانين النافذة، وأن تُطبّق بصورة
معلنة ومتسقة، بعيدًا عن التوظيف السياسي.
إن انتظام الرواتب ليس منّة
تقدمها الحكومة الاتحادية لمواطني الإقليم، بل هو جزء من مسؤولية الدولة في إدارة
الأموال العامة والوفاء بالالتزامات القانونية. ولا ينبغي أن يتحول الخلاف بين
الحكومتين إلى وسيلة ضغط تؤدي إلى معاقبة الموظفين أو الإضرار بحقوق الطلبة والمرضى.
وفي المقابل، تقع على حكومة إقليم
كردستان مسؤولية كبيرة في إصلاح الإدارة المالية، وتوسيع الإفصاح عن الإيرادات
والنفقات، وتحسين إدارة الموارد المحلية، وتعزيز الرقابة على المؤسسات العامة.
فالمطالبة بحصة عادلة من الموازنة الاتحادية يجب أن تترافق مع تقديم بيانات واضحة
عن الإيرادات النفطية وغير النفطية، وأوجه الإنفاق، والالتزامات المالية، والنتائج
الفعلية للإصلاحات المعلنة.
كما أن استمرار الاعتماد الكبير
على الرواتب الحكومية يطرح سؤالًا مهمًا بشأن بنية الاقتصاد في الإقليم. فكلما
ازداد عدد الأسر المعتمدة بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الإنفاق الحكومي، أصبحت
السوق المحلية أكثر عرضة للاضطراب عند تأخر الرواتب أو انخفاض الإنفاق العام.
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية
الوظيفة العامة أو تحميل الموظفين مسؤولية الخلل الاقتصادي؛ فالمشكلة أوسع من ذلك،
وتتعلق بسنوات من محدودية التنويع الاقتصادي، وصعوبة نمو القطاع الخاص، وضعف قدرة
بعض القطاعات الإنتاجية على توفير فرص عمل مستقرة.
إن إصلاح الإدارة المالية في
الإقليم لا يمكن أن يتحقق من دون إصلاحات عملية في إدارة الإيرادات والإنفاق،
ومراجعة أوجه الهدر، وتعزيز استقلالية الرقابة، وتطوير بيئة الأعمال، وتوفير فرص
العمل للشباب خارج القطاع الحكومي.
المواطن هو الخاسر الأكبر
حين تتأخر الرواتب، لا تتوقف
الأضرار عند حدود الأسرة التي تنتظر دخلها الشهري. فالمعلم الذي يتأخر راتبه قد
يواجه صعوبة في تغطية تكاليف النقل والمعيشة، والطبيب أو الموظف الذي يعيل أسرته
يتأثر بارتفاع الأسعار والالتزامات المتراكمة، وصاحب المتجر الصغير يخسر جزءاً من
مبيعاته عندما تنخفض القدرة الشرائية للمواطنين.
وهكذا تنتقل الأزمة من الموازنة
العامة إلى الأسواق، ومن المؤسسات الحكومية إلى الحياة اليومية، وتصبح آثارها
متشابكة مع فرص العمل والاستثمار والتعليم والصحة.
وقد وثّق تقرير منظمة هيومن رايتس
ووتش عن العراق لعام 2026م آثار تأخر الرواتب في إقليم كوردستان، مشيراً إلى
انعكاسها على الخدمات الصحية والتعليمية، وإلى الاحتجاجات والإضرابات التي شهدتها
المؤسسات التعليمية بسبب عدم انتظام دفع المستحقات. ويمكن مراجعة هذه المعطيات في
التقرير العالمي لعام 2026م: العراق.
ويجب التعامل مع هذه النتائج
بوصفها قضية اجتماعية وحقوقية، لا مجرد تفصيل في مفاوضات الموازنة. فالحق في
التعليم والرعاية الصحية واستقرار المعيشة لا ينبغي أن يبقى مرتبطاً بمسار
الخلافات السياسية بين الحكومتين.
كما أن استمرار الأزمة يضعف الثقة
العامة بالمؤسسات، ويعزز شعور المواطنين بأن مصالحهم اليومية تأتي في مرتبة متأخرة
مقارنة بحسابات الأحزاب والتنافس السياسي. وهذه نتيجة خطيرة، لأن استقرار أي نظام
إداري لا يقوم على القوانين وحدها، بل على اقتناع المواطنين بأن المؤسسات تعمل
لخدمتهم وتتعامل معهم على أساس من العدالة والشفافية.
الإصلاح الاقتصادي.. ما وراء
النفط والرواتب
لا يمكن بناء مستقبل اقتصادي
مستقر للإقليم بالاعتماد على تسوية الخلافات المالية وحدها. فحتى لو اتفقت أربيل
وبغداد على آلية منتظمة للتحويلات، ستظل الحاجة قائمة إلى إصلاح اقتصادي يخفف
الاعتماد على الإيرادات النفطية والوظائف الحكومية.
ويشمل ذلك تطوير الزراعة
والصناعات المحلية والسياحة والخدمات، وتشجيع الاستثمارات التي توفر وظائف حقيقية،
وتحسين بيئة الأعمال، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وتوفير ضمانات قانونية
للمستثمرين. كما يتطلب تطوير النظام المصرفي وتوسيع استخدام وسائل الدفع الرسمية،
بما يساعد على تنظيم المعاملات وتقليل الاعتماد على النقد.
ويجب أن تكون هذه السياسات جزءاً
من خطة اقتصادية قابلة للقياس، تتضمن أهدافاً زمنية واضحة، ومؤشرات لمعدلات
التوظيف والاستثمار والإنتاج، وتقارير دورية تسمح للمواطنين بتقييم ما تحقق بالفعل.
ومن الضروري أيضاً أن تتوزع فرص
التنمية بصورة عادلة بين المدن والمناطق، وألا يتركز الاستثمار في قطاعات أو مناطق
محددة على حساب الأطراف الأقل استفادة. فالتنمية المستدامة لا تُقاس بعدد
المشروعات المعلنة فقط، بل بقدرتها على تحسين مستوى المعيشة وتوفير فرص متكافئة.
وفي هذا السياق، ينبغي النظر إلى
الرواتب بوصفها التزاماً يجب انتظامه، لا بديلاً عن التنمية الاقتصادية. فالاقتصاد
الذي يعتمد على توزيع الأموال العامة من دون توسيع قاعدة الإنتاج سيظل عرضة
للأزمات عند تراجع الإيرادات أو تعثر التحويلات.
ما الطريق إلى الحل؟
يمكن البدء بثلاث خطوات عملية:
أولاً، الاتفاق على آلية مالية
مشتركة وشفافة، تتضمن تدقيق الإيرادات النفطية وغير النفطية، ونشر البيانات
المتعلقة بالاستحقاقات والتحويلات والاستقطاعات، وتحديد جدول زمني واضح لتسوية
الخلافات.
ثانياً، فصل المستحقات الأساسية
للموظفين عن التجاذبات السياسية قدر الإمكان، من خلال ترتيبات قانونية وإدارية
تضمن انتظام التمويل، مع استمرار الرقابة والتدقيق. ولا يعني ذلك تجاوز القوانين
أو الالتزامات المالية، بل منع تحول الخلافات بين الحكومتين إلى أزمة معيشية
متكررة.
ثالثاً، إطلاق برنامج جاد للإصلاح
المالي والاقتصادي في الإقليم، يتضمن مراجعة الإنفاق العام، وتعزيز الشفافية،
وتوسيع الإيرادات المستدامة، وتقليل الاعتماد على الوظائف الحكومية، وتحفيز القطاع
الخاص.
ويجب أن ترافق هذه الخطوات آلية
مستقلة نسبياً لمتابعة التنفيذ، تصدر تقارير دورية يستطيع المواطن والإعلام
والبرلمان الاطلاع عليها، بدلاً من الاكتفاء بالبيانات السياسية المتعارضة.
كما أن نجاح أي اتفاق يحتاج إلى
إرادة سياسية لدى الطرفين، وإلى استعداد للاعتراف بالأخطاء وتصحيحها. فالتسوية
التي تقتصر على معالجة أزمة شهر واحد، من دون معالجة أسباب الأزمة التالية، ليست
حلاً مستداماً، بل تأجيل لمشكلة تتكرر بأشكال مختلفة.
من إدارة الخلاف إلى بناء الثقة
إن الخلافات بين أربيل وبغداد
ليست مستعصية على الحل، لكنها تحتاج إلى تغيير في طريقة إدارتها. فالعلاقة
الاتحادية لا ينبغي أن تقوم على منطق الغلبة أو الضغط المتبادل، بل على الشراكة
الدستورية والالتزام بالقانون واحترام مصالح المواطنين.
ولا يمكن مطالبة مواطني الإقليم
بالثقة بمؤسسات الدولة إذا ظلت حقوقهم المالية عرضة للتأخير، كما لا يمكن بناء
إدارة إقليمية قوية من دون شفافية ومساءلة وتنويع اقتصادي حقيقي.
إن مستقبل إقليم كوردستان لا
يتحدد فقط بحجم حصته من الموازنة الاتحادية، ولا بقدرة حكومته على دفع الرواتب في
موعدها، بل أيضاً بمدى نجاحه في بناء مؤسسات قادرة على إدارة الموارد بكفاءة،
وتوفير الخدمات بعدالة، وإتاحة فرص العمل والإنتاج للأجيال الجديدة.
وفي المقابل، فإن استقرار العراق
الاتحادي يتطلب من الحكومة الاتحادية التعامل مع الإقليم ضمن إطار دستوري واضح، لا
أن تتحول الخلافات السياسية إلى أزمات مالية متكررة تؤثر في حياة المواطنين.
فالرواتب ليست مجرد أرقام في
جداول الموازنة، وإنما هي جزء من الاستقرار الاجتماعي، ومرآة لثقة المواطن
بمؤسساته. وإذا أرادت أربيل وبغداد تجاوز دوامة الأزمات، فعليهما الانتقال من
تبادل الاتهامات إلى قواعد واضحة للمحاسبة والتعاون، ومن الحلول المؤقتة إلى
إصلاحات قابلة للاستمرار.
عندها فقط يمكن أن تتحول الأزمة
المالية من مصدر دائم للتوتر إلى فرصة لإعادة بناء الثقة، وتعزيز الحكم الرشيد،
وترسيخ نموذج اتحادي تكون فيه حقوق المواطنين أساس العلاقة بين المؤسسات، لا ورقة
في صراعاتها.



