عندما تركت العراق قسراً، عام 1993، إلى الأردن التي عشت فيها خمس سنوات، مقيماً في بيت ملحق بدار "أبو سعيد زيادين"، رحمه الله، قبل أن أغادر إلى إنجلترا، وبعد سنوات وصلت عائلتي إلى عمّان لتقيم في ذات البيت، بدار أبو سعيد. كانت زوجته أم سعيد، رحمها الله، وبناتها وأولادها بمثابة الأهل الحقيقيين، إذ بذلت أم سعيد جهودها لتكون المسؤولة عن عائلتي التي لم تشعر بالغربة أو الوحدة، ذلك أن عائلة زيادين كانوا بمثابة الأهل.
تنحدر عائلة أبو سعيد زيادين من مدينة الكرك، وهم أردنيون أقحاح، ومسيحيون طيبون ومسالمون، شاركونا كما شاركناهم مسراتهم وأوجاعهم، وصلينا معهم في كنيسة مريم العذراء "عليها السلام" في شارع الكاردنز القريب من البيت، ولم يكن أحد ليميز بين أهل البيت وبيننا، وكنت أشعر بالأمان على عائلتي وأنا في لندن.
لم نميز في المجتمع الأردني الحقيقي بين المسيحي والمسلم، حتى في العادات والتقاليد والأسماء، يشارك جميعهم، مسيحيون ومسلمون، في المناسبات ذاتها، الأعياد والأعراس والأحزان واللقاءات الاجتماعية، والولاء الأول والأخير عندهم هو للتراب الأردني، للوطن، قبل الدين والطائفة والعشيرة، مع أن المجتمع الأردني مجتمع عشائري، لكن الانتماء للعشيرة هناك تحول إلى قوة متماسكة لصالح الوطن، وليس إلى عنصر تفريق. لم نسمع مواطناً يقدم نفسه باعتباره مسلماً أو مسيحياً، بل أردنياً، أردنياً كركياً مثلاً، وستعرف ديانته من لقبه.
الهجوم المسلح الإرهابي الذي استهدف يوم الجمعة الماضي كنيسة للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك جنوبي الأردن، خلال قداس جنائزي على روح سيدة، وأدى حتى الآن إلى استشهاد تسعة أشخاص وإصابة عشرات الجرحى، هز المجتمع الأردني بكل أديانه وعشائره وفئاته، والفجيعة هزتنا جميعاً، فهذا البلد الآمن المستقر بفضل تماسك شعبه والقيادة الحكيمة لملكه عبد الله الثاني، يُعد ومنذ سنوات طويلة رمزاً للاستقرار والسلم المجتمعي، وحينما كانت تحيط به المشاكل والقلاقل، حيث الحروب في العراق والاضطرابات في سوريا في عهدي حافظ وبشار الأسد، بقيت المملكة الأردنية ليست صامدة فحسب، بل استقبلت واستوعبت مئات الآلاف من المهاجرين العراقيين، ومن ثم السوريين وحتى الليبيين، دون أن تدع تلك الهجرات تؤثر في النسيج الاجتماعي سلباً، أو تخدش خيمة الأمن والأمان، بفضل الأجهزة الأمنية الحريصة على أمن بلدها وشعبها.
كل من اتصلت بهم من أصدقاء مقربين في عمّان، ومن بينهم الصديق الأردني الكركي المسيحي سعيد زيادين، معزياً بالضحايا الذين استشهدوا بسبب الجريمة النكراء، إضافة إلى كتابات وتعليقات الأدباء والشخصيات الأردنية، أكدوا بأن من قام بهذه الجريمة ليسوا من الأردنيين، وفي الأقل لا ينتمون إلى التراب الأردني، بل هم دخلاء على الوطن، وأن هذه الجريمة شدّت من أزر الشعب الأردني ووحدته حول قيادته.
ليس لنا سوى القول: برداً وسلاماً على الأردن الأمين والآمن.. برداً وسلاماً للشعب الأردني بمسيحييه ومسلميه وبكافة طوائفه.. الأردن جبل لا تهزه ريح الإرهاب، ولن تفرق أهله رصاصات غادرة جبانة. الرحمة لشهداء الكرك، ومثواهم الفردوس العالي.. والشفاء للجرحى، والصبر والسلوان للأردنيين ولنا جميعاً.



