يمرّ العراق بمرحلة سياسية تستدعي
إعادة النظر في طبيعة العلاقة بين مؤسساته الاتحادية وإقليم كوردستان، وفي آليات
إدارة الخلافات السياسية التي رافقت التجربة العراقية على مدى العقدين الماضيين.
وفي هذا السياق، يبرز ما بعد الثلاثين من أيلول بوصفه محطة تستحق القراءة والتأمل،
في ضوء ما تشهده البلاد من مؤشرات على تقارب المواقف وتنامي وحدة القرار السياسي
الخارجي، إلى جانب مساعٍ لتعزيز التفاهم الداخلي وتجاوز أنماط الصراع التي أثّرت
في استقرار الدولة وأدائها.
إن أهمية هذا التحول لا تكمن في
حدود المواقف السياسية المعلنة فحسب، بل في دلالاته الأوسع على طبيعة العلاقة بين
بغداد وأربيل، وعلى إمكانية الانتقال من إدارة الأزمات المتكررة إلى بناء شراكة
وطنية أكثر استقراراً، تقوم على المصالح المشتركة واحترام الدستور وتغليب منطق
الدولة على الحسابات الضيقة.
من إدارة الخلاف إلى بناء الشراكة
شكّلت الخلافات بين الحكومة
الاتحادية وإقليم كوردستان، خلال السنوات الماضية، أحد أبرز الملفات المؤثرة في
المشهد السياسي العراقي. وعلى الرغم من أن الاختلاف في الرؤى والمصالح أمر طبيعي
في الأنظمة الديمقراطية، فإن الإشكالية لم تكن في وجود الخلاف بحد ذاته، بل في
تحوّله، في بعض المراحل، إلى أزمة مستمرة تستنزف الجهد السياسي وتؤثر في ثقة
المواطنين بمؤسسات الدولة.
ومن هنا، فإن أي تقارب في المواقف
بين بغداد وأربيل يمثل فرصة لإعادة بناء الثقة، شريطة أن يتحول من تفاهمات سياسية
ظرفية إلى قواعد عمل مؤسسية مستدامة. فالعلاقة بين الطرفين لا ينبغي أن تُدار
بمنطق الغالب والمغلوب، أو وفق معادلات الضغط المتبادل، وإنما من خلال الشراكة
الدستورية، والتفاهم على الملفات العالقة، وتوزيع المسؤوليات بما يضمن مصالح
المواطنين في جميع أنحاء العراق.
إن استقرار العلاقة بين المركز
والإقليم ليس شأناً تفاوضياً يخص القوى السياسية وحدها، بل هو ركيزة أساسية
لاستقرار الدولة، وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية
والإقليمية.
وحدة القرار الخارجي وأهمية
التفاهم الداخلي
يمثل التقارب في الخطاب السياسي
الخارجي أحد المؤشرات المهمة على تطور الممارسة السياسية العراقية. فالدول التي
تواجه بيئة إقليمية ودولية معقدة تحتاج إلى موقف خارجي متماسك، يستند إلى رؤية
وطنية واضحة، ويعبّر عن المصالح العليا للدولة، بعيداً عن التناقضات التي قد تُضعف
قدرتها على التفاوض أو تجعلها أكثر عرضة لتأثيرات الصراعات المحيطة بها.
ولا تعني وحدة القرار الخارجي
إلغاء تعددية الآراء أو تقييد النقاش السياسي، بل تعني الاتفاق على الثوابت
الوطنية، وفي مقدمتها حماية السيادة العراقية، واحترام مبدأ حسن الجوار، وتجنب
تحويل العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
أما على المستوى الداخلي، فإن
التقارب بين القوى السياسية الاتحادية والكوردستانية ينبغي أن يتجاوز حدود التفاهم
على الملفات الآنية، ليؤسس لمسار أوسع من التعاون في إدارة الدولة، ومعالجة
الأزمات الاقتصادية والخدمية، وتطوير المؤسسات، وضمان الحقوق الدستورية لجميع
المواطنين.
فكلما ازدادت قدرة القوى السياسية
على إدارة خلافاتها ضمن الأطر الدستورية والمؤسسية، تراجعت فرص استثمار هذه
الخلافات من أطراف تسعى إلى إضعاف الدولة أو التأثير في قرارها الوطني.
تراجع خطاب التخوين وتعزيز الثقة
الوطنية
من أبرز النتائج التي يمكن أن
يفضي إليها هذا المسار تراجع الخطابات القائمة على التخوين والتآمر والتهديد
المتبادل، وهي خطابات أسهمت، في مراحل مختلفة، في تعميق الانقسامات السياسية
والاجتماعية، وتحويل الخلافات القابلة للحل إلى أزمات مفتوحة.
إن بناء الدولة لا يتحقق عبر
التشكيك المستمر بالنوايا، ولا من خلال استدعاء الأزمات السابقة لتغذية الانقسام،
بل عبر الاعتراف بالمصالح المتبادلة، واحترام خصوصية الأطراف ضمن الإطار الدستوري،
والاحتكام إلى الحوار والمؤسسات في معالجة الخلافات.
ولا يعني ذلك تجاهل المشكلات أو
التنازل عن الحقوق، وإنما نقلها من فضاء التصعيد الإعلامي إلى مسارات التفاوض
والحلول القانونية والسياسية. فالنقد حق مشروع، والمساءلة ضرورة ديمقراطية، لكنهما
يفقدان وظيفتهما الوطنية عندما يتحولان إلى أدوات لتقويض الثقة أو تأجيج الانقسام
بين أبناء البلد الواحد.
إن المرحلة الراهنة تحتاج إلى
خطاب سياسي مسؤول، يوازن بين الاختلاف والتفاهم، ويحافظ على التعددية من جهة،
ويمنع تحوّلها إلى عامل تفكيك للدولة من جهة أخرى.
من التفاهم السياسي إلى الرؤية
الوطنية المشتركة
إن الحفاظ على هذا المسار
واستدامته يتطلبان الانتقال من التفاهمات السياسية إلى صياغة رؤية وطنية مشتركة،
تشترك في بنائها مؤسسات الدولة المعنية، ومراكز الفكر والبحث، والجامعات،
والخبراء، وصنّاع القرار السياسي.
فالتحديات التي تواجه العراق لا
يمكن التعامل معها من خلال ردود الأفعال أو المعالجات المؤقتة وحدها، بل تحتاج إلى
قراءة استراتيجية للتحولات الإقليمية والدولية، وتقدير انعكاساتها على المصالح
العراقية، ووضع تصورات عملية بشأن الأمن والاقتصاد والطاقة والاستثمار والعلاقات
الخارجية.
وهنا تبرز أهمية مراكز الدراسات
بوصفها جسراً بين المعرفة وصناعة القرار؛ إذ تستطيع تقديم البدائل، وتحليل
المخاطر، واستشراف التحولات، وتهيئة بيئة فكرية تساعد القوى السياسية على الانتقال
من التنافس على إدارة الأزمات إلى التعاون في بناء الحلول.
كما أن ترسيخ العلاقة بين بغداد
وأربيل يحتاج إلى آليات مؤسسية للحوار المستمر، وجداول واضحة لمعالجة الملفات
العالقة، ومتابعة تنفيذ التفاهمات، بما يمنع عودة الأزمات مع كل استحقاق سياسي أو
تغيير في موازين القوى.
إن تعدد المؤسسات والأدوار لا
يمثل عائقاً أمام وحدة الدولة، بل يمكن أن يكون مصدر قوة لها، متى ما انتظمت هذه
الأدوار ضمن إطار وطني واضح، يقوم على تكامل الاختصاصات وتوحيد الأهداف.
العراق أولاً.. الاختلاف في إطار
الدولة
إن التجربة العراقية، بما تحمله
من تنوع قومي وسياسي واجتماعي، تؤكد أن الاستقرار لا يُبنى على إلغاء الاختلاف،
وإنما على إدارته بصورة عادلة ومتوازنة. فبغداد وأربيل ليستا طرفين منفصلين عن
المصير العراقي المشترك، بل شريكان في مسؤولية حماية الدولة وتعزيز استقرارها
وصيانة سيادتها.
ومن هذا المنطلق، فإن أي تقدم في
العلاقات بين الحكومة الاتحادية وإقليم كوردستان ينبغي النظر إليه باعتباره مكسباً
وطنياً، لا انتصاراً لطرف على حساب آخر. فنجاح بغداد في بناء دولة مستقرة ينعكس
إيجاباً على الإقليم، كما أن استقرار الإقليم وتعزيز شراكته الدستورية ينعكسان على
العراق بأكمله.
وتبقى المسؤولية الأساسية أمام
القوى السياسية هي تحويل هذا التقارب إلى نهج دائم في إدارة الدولة، بعيداً عن
الشخصنة والتجاذبات الظرفية، وبما يضمن استمرار المؤسسات حتى مع تغير الحكومات
والقيادات والتحالفات.
خاتمة
إن ما بعد الثلاثين من أيلول يمكن
أن يشكّل فرصة مهمة لتطوير الحياة السياسية العراقية، وتعزيز التفاهم بين بغداد
وأربيل، وتأسيس خطاب وطني أكثر اتزاناً في التعامل مع التحديات الداخلية
والخارجية. غير أن قيمة هذه الفرصة ستتحدد بمدى القدرة على تحويل التقارب السياسي
إلى التزامات مؤسسية، وحلول عملية، وشراكة مستدامة يشعر المواطن بآثارها في أمنه
ومعيشته ومستقبل أبنائه.
فالعراق لا يحتاج إلى تطابق جميع
مواقفه السياسية بقدر حاجته إلى اتفاق على مصالحه العليا، ولا يحتاج إلى إنهاء
التعددية بقدر حاجته إلى تنظيمها ضمن قواعد الدولة والدستور.
إن تعدد الأدوار ووحدة الهدف ليسا
مجرد شعار سياسي، بل قاعدة لبناء دولة قادرة على إدارة اختلافاتها، وحماية
سيادتها، وصناعة استقرارها بقرار وطني مستقل. وعندما تصبح الشراكة بين بغداد
وأربيل نهجاً مؤسسياً لا تسوية مؤقتة، فإن العراق سيكون أمام فرصة حقيقية للانتقال
من سياسة إدارة الأزمات إلى سياسة بناء المستقبل.



