بين حصار اللغة وتذويب الألحان: معركة حماية إرث "خاچۆ وجزيري" في حفل دمشق
هورين حسن
شهدت العاصمة السورية، دمشق حدثاً فنيّاً وتاريخيّاً استثنائيّاً، تمثل في عودة الفنانة الكبيرة، أصالة نصري، لإحياء حفل غنائي جماهيري حاشد، في صالة الفيحاء، بعد غياب قسري دام قرابة 15 عاماً.
هذه العودة حملت دلالات سياسية وإنسانية عميقة؛ إذ جاءت بمثابة احتفاء شعبّي ورسمي بفنانة تمسكت بمواقفها ومبادئها المناهضة لنظام الأسد السابق طيلة السنوات الماضية، ورفضت المساومة على خيارات شعبها طوال سنوات الجمر، لتعود اليوم وتصدح وسط ترحيب ودموع امتزجت بوفاء متبادل بينها وبين دمشق.
نحن - الجيل الذي كبر ونشأ على صوت أصالة - لا يمكننا إلّا أن ننحني احتراماً لتاريخها الفني؛ فمنذ صغرنا، تعلّمت أجيال متعاقبة، الأغاني القومية والعاطفية بصوتها الفريد الذي صاغ جزءاً من ذاكرتنا الوجدانية.
صوتُ أصالة وحضورها المحتشم والراقي على المسرح، هما محل إجماع واحترام واسع لا يجرؤ أحد على إنكاره أو التشكيك فيه.
معضلة الحقوق المهدورة
لكن، وبقدر هذا الاحتفاء، لا يمكن للصوت الجميل أن يحجب أهمية الأمانة الفنية والتاريخية.
إذ يجد الشارع والمثقف الكوردي نفسه للمرة الثانية أمام خيبة أمل؛ بسبب طريقة طرح أعمال أصالة المستوحاة من الفلكلور الكوردي؛ فبعد أزمة أغنية، (ئەز کەڤۆکم/ Ez kevokim)، تكرر الأمر ذاته وبشكل متطابق في إصدارها الأخير من أغنية "حلوة وطلتك ضلال" ضمن مشروعها التراثي.
هنا، ومن باب الإنصاف والموضوعية الفنية، يجب التأكيد على أن الحق واللوم لا يقعان على الفنانة أصالة نصري شخصياً؛ فهي في نهاية المطاف المؤدية والمغنية التي تقف خلف الميكروفون لتمنح العمل من إحساسها وصوتها الشجي بناءً على ما يُعرض عليها.
تقع المسؤولية القانونية والأخلاقية الكاملة، بالدرجة الأولى، على صُنّاع الموسيقى، والملحنين، والموزعين الذين قدموا لها هذه الألحان جاهزة، إلى جانب الأقسام القانونية وفريق المراجعة في شركة الإنتاج (روتانا).
لقد تساهلت هذه الجهات التنفيذية والإنتاجية في توثيق أصل الموروث، واكتفت بكتابة كلمة "تراث" عامة ومبهمة، في بيانات الأغنية الرسمية، متجاهلة الإشارة الصريحة لهويتها الكوردية، ومتغافلة عن عمد أو جهل عن نسب الفضل لأصحابه وروّاده الأوائل الذين صانوا هذا اللحن بدمائهم وأرواحهم، ممّا وضع الفنانة أصالة في واجهة انتقادات إعلامية هي بغنى عنها,
يعود هذا اللحن في أصله، إلى قامات شامخة، في تاريخ الموسيقى الكوردية، وفي مقدمتهم:
-الفنان الراحل كارابێت خاچۆ (Karabêtê Xaço)، الذي يعد مدرسة وقامة لا تتكرر في "الغناء الملحمي التراثي الكوردي"، الذي وثق بصوته الشجي عذابات وآمال الشعب الكوردي، وترك إرثاً غنائياً ضخماً تنهل منه الأجيال الحالية.
-الفنان الكبير سعيد آغا جزيري (Seîd Axayê Cizîrî)، أحد أعمدة الغناء الكوردي الكلاسيكي في القرن العشرين، الذي سجل بصوته الرخيم أجمل الألحان الفلكلورية، في بدايات عهد الأسطوانات، ووهب حياته لتوثيق وتطوير الموسيقى التراثية في منطقة الجزيرة وبوتان.
لسنا ضد أن تغني أصالة أو أي فنان عربي من الفلكلور الكوردي، بل على العكس، إن غناء النجوم العرب بالألحان الكوردية هو جسر ثقافي رائع يثري الفن الإنساني ويقرّب الشعوب، لكن الشرط الأساسي لهذا الدمج هو عدم ضياع الهوية الأصلية للأغاني الكوردية التراثية، والاعتراف الصريح بمدارس كارابێت خاچۆ وسعيد آغا جزيري وغيرهم، والتوقف عن أسلوب التمويه والتذويب التراثي من قِبل الأطراف الصانعة والمنتجة للمحتوى.
كيف نحمي الفلكلور الموسيقي الكوردي من الضياع؟
لمنع تكرار هذا التهميش ولحماية الموروث الغنائي الكوردي من السطو، وتحويله إلى مال سائب تستغله جهات الإنتاج دون توثيق، هناك خطوات وإجراءات عملية ملموسة يجب تفعيلها:
1- التوثيق الرقمي والأكاديمي لإرث الرواد: يجب العمل فوراً عبر معاهد الموسيقى والجمعيات الثقافية الكوردية على إنشاء "أرشيف وطني رقمي معتمد"، يدوّن النوتات الموسيقية والكلمات والتاريخ التسجيلي لأعمال عمالقة مثل كارابێت خاچۆ وسعيد آغا جزيري، ليكون مرجعاً قانونياً دولياً تلتزم به الشركات قبل اقتباس أي لحن.
2- الملاحقة القانونية عبر جمعيات الملكية الفكرية: يمكن لعائلات هؤلاء الفنانين الراحلين أو الجمعيات الثقافية، تقديم شكاوى رسمية عبر جمعيات حماية حقوق المؤلف العالمية مثل(SACEM)، لإلزام شركات الإنتاج الكبرى بتعديل بيانات الأغاني (Credits) وإضافة توصيف "فلكلور كوردي" تحت طائلة الملاحقة القانونية أو حظر المحتوى رقمياً.
3- تفعيل الرقابة الرقمية وحملات التوعية: الاستمرار في تسليط الضوء عبر المنصات الإعلامية الرائدة، وإطلاق حملات إلكترونية منظمة لمخاطبة حسابات الفنانين والملحنين مباشرة، فالضغط الشعبي والإعلامي نجح سابقاً في إجبار روتانا على تعديل بيانات أغنية (ئەز کەڤۆکم / Ez Kevok im).
4- فرض شروط أدبية وفنية صارمة على صُنّاع العمل ومُعِدّيه: الضغط الأدبي والفني على الموسيقيين والموزعين الذين يشرفون على إعداد الألبومات، وبناء تواصل صريح معهم بأن يكونوا أمناء على تراث المنطقة، ويرفضوا تسليم أي لحن للشركات، دون إرفاق وثيقة رسمية تثبت جذوره الثقافية الكوردية.
من نضال الشارع إلى حماية الفن
ما يحدث في الساحة الفنية لا ينفصل أبداً عن الواقع المرير الذي يعيشه الشعب الكوردي على الأرض؛ ففي الوقت الذي يخرج فيه الكورد بتظاهرات واحتجاجات يومية، دفاعاً عن حقهم البَدَهيّ في تعلُّم لغتهم الأم، ورفضاً لسياسة حصرها المجحف في ثلاث حصص دراسية فحسب، تأتي شركات الإنتاج والجهات الموسيقية لتستبيح ألحانهم التاريخية وتسلبها هويتها القومية.
إنها مفارقة مؤلمة؛ فبينما يُحارب الإنسان الكوردي في الشارع من أجل الاعتراف بحروف لغته، يرى فلكلوره وموسيقاه العريقة تُستهلك وتُعرّب دون أدنى احترام لحقوقه الفكرية والتاريخية من قِبل لجان التدقيق الفني.
إن حصر اللغة وثقافة شعب كامل في حصص رمزية، بالتزامن مع تذويب وسرقة نتاجه الموسيقي، يضعنا أمام سؤال مصيري واحد: إلى متى يظل الحق الثقافي الكوردي مشاعاً ومستباحاً؟
أبعاد محكمة لاهاي
إن هذا النضال اليومي لحماية اللغة والفلكلور ليس معركة معزولة، بل يتقاطع في جوهره مع مسار العدالة الانتقالية الشاملة التي تخوضها سوريا في مرحلة ما بعد سقوط الاستبداد.
ففي الوقت الذي تنظر فيه محكمة العدل الدولية في لاهاي القضايا والدعاوى التاريخية المرفوعة ضد أركان النظام السابق لإدانتهم بجرائم ضد الإنسانية والتعذيب، وإصدار المحاكم الجنائية في لاهاي أحكاماً صارمة بالسجن ضد الجناة والمحققين السابقين، فإن المفهوم الدولي للعدالة يمتد ليشمل "العدالة الثقافية".
وقد أقرت السوابق القانونية في محكمة لاهاي بوضوح، إلزامية حماية الإرث الثقافي للمكونات القومية والخصوصيات العرقية، معتبرة طمس الهوية الثقافية أو الاستحواذ غير المشروع على إرث الشعوب، وجهاً آخر من وجوه محو الجماعات.
وعليه، فإن انتزاع الحق الموسيقي واللغوي، هو امتداد طبيعي للحريات السياسية والقانونية التي تبنى في عهد المحاسبة الحالي.
نحو عدالة ثقافية شاملة تليق بالمستقبل
إن الاحتفاء بالمواقف المبدئية لأصالة نصري على الصعيد السياسي لا يكتمل إلا بتبني مواقف مبدئية موازية من الشركات وصناع الفن تصون حقوق شركاء الوطن.
لا يمكن لقطار التعافي الموسيقي والثقافي في سوريا الجديدة، أن ينطلق بنجاح إذا استمرت لجان الإنتاج في تكرار سياسات الإقصاء والتهميش المتوارثة، والتعامل مع الموروث الكوردي كـ"غنيمة فنية" تُؤخذ ألحانها وتُطمس ملامحها.
حماية الهوية الكوردية لألحان وأغاني كارابێت خاچۆ وسعيد آغا جزيري، ودعم الشارع المناضل لأجل لغته وثقافته، هما وجهان لعملة واحدة اسمها العدالة الثقافية.
إن سحر صوت أصالة يستحق أمانة التوثيق من فِرق عملها، والموروث الكوردي العريق يستحق الاعتراف الرسمي الصريح من شركات الإنتاج؛ فالشعوب التي تتنفس الحرية اليوم على الأرض، لن تقبل بعد الآن أن تُسرق ألحان روادها أو تُقزّم لغتها في أدراج النسيان والإنكار.



