الغاز والكهرباء يتقدمان أجندة
التعاون مع فرنسا وألمانيا، والعراق يبحث عن الاستثمار والتكنولوجيا والتمويل
بعيداً عن الاتفاقيات البروتوكولية.
تمثل زيارة رئيس مجلس الوزراء علي
فالح الزيدي إلى فرنسا وألمانيا فرصة لإعادة صياغة جانب مهم من العلاقات الاقتصادية
بين العراق وأوروبا، والانتقال بها من التعاون التقليدي وتوقيع مذكرات التفاهم إلى
شراكات استثمارية ترتبط بمشاريع محددة وتمويل واضح وجداول زمنية للتنفيذ.
وتحضر ملفات الطاقة، ولاسيما
الغاز والكهرباء والطاقة المتجددة، في مقدمة القطاعات المرشحة لهذا التعاون، في ظل
حاجة العراق إلى تطوير منظومته الكهربائية، وزيادة استثمار الغاز، والاستفادة من
التكنولوجيا والخبرات الأوروبية في بناء بنية طاقة أكثر كفاءة واستدامة.
الغاز والكهرباء
يمثل قطاع الغاز أحد أهم مسارات
الاستثمار الممكنة، ليس فقط لتأمين احتياجات محطات إنتاج الكهرباء، وإنما لتحويل
الغاز إلى مورد اقتصادي يدعم الصناعة ويقلل الاعتماد على مصادر الطاقة الخارجية.
ومن هنا يمكن أن تشكل الشراكات مع الشركات الفرنسية والألمانية فرصة لتطوير مشاريع
معالجة الغاز والبنية التحتية المرتبطة به ونقل التكنولوجيا والخبرة إلى السوق
العراقية.
أما قطاع الكهرباء، فيفتح مجالاً
واسعا للتعاون في تحديث شبكات النقل والتوزيع، ورفع كفاءة محطات الإنتاج وتقليل
الضائعات، إلى جانب التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة. حيث تملك فرنسا وألمانيا
خبرات صناعية وتكنولوجية يمكن للعراق الاستفادة منها ضمن خطة أوسع لإعادة هيكلة
قطاع الطاقة وتحسين قدرته على تلبية الطلب المتزايد.
لكن أهمية الزيارة لا تتوقف عند
الطاقة، ذلك ان العراق يطرح أمام الشركاء الأوروبيين فرصا في النقل والبنية
التحتية والصناعات التحويلية والتكنولوجيا والزراعة والخدمات، ضمن توجه يستهدف
تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد المفرط على الإيرادات النفطية.
من الاتفاق إلى التنفيذ
التحدي الأساسي أمام أي شراكة
جديدة يتمثل في تجاوز مرحلة مذكرات التفاهم إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، وهذا يتطلب
تحديد المشروع والجهة المنفذة ومصادر التمويل والضمانات والجداول الزمنية، بحيث
تصبح نتائج الزيارة قابلة للقياس اقتصاديا، وليس مجرد مجموعة من الاتفاقيات
المعلنة.
ويمكن أن تدخل في هذا المسار
آليات تمويل وضمانات ائتمانية وشراكات بين القطاعين العام والخاص، بما يساعد على
تنفيذ المشاريع الاستراتيجية من دون تحميل الموازنة الاتحادية كامل الأعباء
المالية.
كما يحتاج العراق إلى نوع مختلف
من الاستثمار الأجنبي؛ استثمار لا يقتصر على تنفيذ المشروع وتسليمه، وإنما ينقل
التكنولوجيا والخبرة، ويدرب الكفاءات العراقية، ويدعم الصناعات المحلية، ويوفر فرص
العمل، ويسهم في بناء قطاع خاص أكثر قدرة على المنافسة.
وتنسجم هذه الرؤية مع التوجه نحو
رفع مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي من نحو 37 في المئة حالياً إلى
قرابة 55 في المئة خلال الأعوام العشرة المقبلة، عبر تنمية الصناعات التحويلية
والزراعة والخدمات والاقتصاد الرقمي.
شراكة مع أوروبا
اقتصادياً، ينظر العراق إلى فرنسا وألمانيا
باعتبارهما بوابتين مهمتين لتعزيز علاقاته مع الاقتصاد الأوروبي، سواء عبر استقطاب
الشركات والاستثمارات والتكنولوجيا أو فتح مسارات جديدة أمام التجارة والقطاع
الخاص العراقي.
ويمتلك العراق عناصر قوة يمكن
البناء عليها، في مقدمتها موارده النفطية والغازية، وموقعه الجغرافي، وحجم سوقه،
وحاجته الكبيرة إلى مشاريع البنية التحتية. وهذه العوامل تمنحه فرصة للتحول من سوق
لاستيراد السلع والخدمات والتكنولوجيا إلى شريك في مشاريع الطاقة والنقل والصناعة
والتجارة الإقليمية.
ومن هنا، فإن معيار نجاح زيارة
باريس وبرلين لن يكون بعدد الاتفاقيات أو مذكرات التفاهم التي توقع، بل بحجم
المشاريع التي تنتقل فعليا إلى أرض الواقع، ومقدار ما تجلبه من استثمارات
وتكنولوجيا وفرص عمل.
الغاز والكهرباء يمكن أن يكونا
نقطة البداية، لكن الرهان الأكبر هو بناء شراكة عراقية - أوروبية طويلة الأمد تجعل
الاستثمار والتنمية ونقل التكنولوجيا أساساً للعلاقة الاقتصادية الجديدة.


